حين لم تعر الولايات المتحدة الأمريكية أي اعتبار للشرعية الدولية والاحتجاجات التي اجتاحت مدن العالم كلها تقريبا رافضة العدوان على العراق وتجاهلت كل ذلك وأقدمت على ارتكاب جريمة أخرى من جرائمها ضد الشعوب،
فإن أي رادع أخلاقي كان أم غير ذلك لن يقف دون استمرار مسلسل الجرائم ضد الشعب العراقي والتي بدأت بالغزو الهمجي الأمريكي المدعوم بقوى دولية عسكرية وإمداد لوجستي إقليمي مكن قوات الغزو من الإطباق على العراق في غضون أيام معدودات فقط،
وما حدث من جرائم في مدن حديثة وسامراء والإسحاقي ليس سوى حلقة أخرى من حلقات الجرائم التي لن تتوقف متى ما بقي الاحتلال جاثما على أرض العراق ومتى ما بقيت قوى الشر والإرهاب تفتك بأرواح الأبرياء من أبناء العراق من مختلف المذاهب والقوميات. فجرائم قتل المدنيين العراقيين التي نفذها الجنود الأمريكان في المدن الثلاث المذكورة والتي ادعت الإدارة الأمريكية أنها لن تمر دون تحقيق وصولا لما سمته بالحقيقة، ليس سوى فصل آخر من فصول النفاق والكذب الأمريكيين، فجرائم الجنود الأمريكان في سجن أبوغريب سيئ الصيت لاتزال عالقة في أذهان من شاهد تلك الصور البشعة للسادية الأمريكية، وإذا قارنا بين حجم الجريمة وما قابلها من عقاب فإننا سنصل إلى قناعة شبه مطلقة
بأن «المحاكمات« لم تكن سوى مسرحية على غرار أفلام الخداع التي برعت السينما الأمريكية في تمثيلها وإخراجها. وما حدث في أبوغريب لا يمكن عزله عما حدث من جرائم في العديد من المدن العراقية، فهذه الجرائم هي جزء من سياسة بطش انتهجتها القوات الأمريكية منذ أن وطئت جحافل جيوشها أرض الرافدين، فقتلت من المواطنين العراقيين الأبرياء أضعاف ما قتلته من الإرهابيين الذين يشاركونها في قتل أبناء العراق على الهوية المذهبية والعرقية، فلا فرق هنا بين ما يقوم به الإرهابيون من أعمال قتل للمدنيين العراقيين بحجة مقاومة الاحتلال وبين ما تقوم به القوات الأمريكية من قتل للمدنيين تحت ذريعة مطاردة ومحاربة الإرهابيين. فهناك عدد لا يحصى من الجرائم الموثقة التي ارتكبها الجنود الأمريكان ضد مواطنين عراقيين من مختلف الأعمار وليست مجازر حديثة والإسحاقي إلا مقاطع قصيرة من مشاهد تلك الجرائم، ومن المؤكد أن المسئولين العسكريين الأمريكان يعرفون بتفاصيل الجريمتين ولكنهم تستروا عليها كما يتسترون على الكثير من الجرائم التي لم تظهر للعلن بعد، ولو لم تكشف وسائل الإعلام عن الجريمتين، كما حدث تماما مع جرائم أبو غريب،
لظلت طي الكتمان الرسمي، ومن المستحيل تصديق أو الثقة في موقف الإدارة الأمريكية من ممارسات جنودها في العراق، فما يقومون به إنما هو جزء من الجريمة الكبرى التي نفذتها الإدارة الأمريكية. وادعاء الإدارة الأمريكية القائل برفضها مثل هذه الممارسات غير الإنسانية، تكذبه ممارسات الإدارة نفسها، فقرار غزو العراق واحتلاله لم يتخذه الجنود الدين ينفذون هذه الجرائم وإنما اتخذه الطاقم الذي يدعي رفضه لممارسات جنوده في العراق، والذي ارتكب جريمة غزو العراق وانتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة ضاربا بعرض الحائط كل المواثيق والشرائع الدولية ليس مؤهلا لأن يحاكم قتلة المواطنين العراقيين الأبرياء لأن مكانه أصلا في المكان نفسه الذي يجب أن يقف فيه قتلة هؤلاء المواطنين.
فقرار الغزو (الجريمة) حوّل الوطن العراقي إلى ساحة للقتل والتدمير وجعل المواطن العراقي من مختلف الأعراق والمذاهب عرضة للقتل اليومي، ولا فرق هنا أن يقع القتل على أيدي الجنود الأمريكان أو أن يحدث بفعل التفجيرات الإرهابية التي تتعرض لها الأسواق الشعبية وأماكن العبادة المختلفة، فتعريف الجريمة يقاس بنوع الفعل المرتكب وظروفه وليس بالفاعل أو حججه وذرائعه،
وما يقوم به الجنود الأمريكان والإرهابيون هي جرائم وفق التشريعات الجنائية كافة. لكن الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تعترف بجريمة غزو العراق بل تعدها حربا لـ «تحرير« الشعب العراقي من ديكتاتورية صدام حسين ونظامه الدموي، فإنها لن تجرم أفعال جنودها ضد المدنيين العراقيين، وأن روائح التبرئة من هذه الجرائم بدأت في الانتشار بدءا من جريمة الإسحاقي ولن نفاجأ أبدا حين يكون مصير دم ضحايا مجزرة حديثة كحال الدماء التي تسفك بالنار الأمريكية يوميا، فهذه هي الطبيعة الحقيقية لسلوك الولايات المتحدة الأمريكية.
اخبار الخليج الاماراتية
حديثة ليست النهاية - عبدالله الأيوبي
