خلال يومين اثنين اضطرت عشرات العوائل للهجرة من حي الدهلة في منطقة الشعلة شمال غرب بغداد ... وتكلفنا عناء الطريق الملغم بنقاط التفتيش العراقية التي يجب علينا تجاوزها قبل الوصول إلى ناحية النصر والسلام الأكثر استقبالا للمهجرين ...
بدت المنطقة من أعلى جسر خان ضاري أو كما يسميه الأهالي ( أبو منيصير ) المتفرع من الخط السريع المتجه إلى غرب العراق غير بعيد عن سجن أبو غريب سيء الصيت ...
بدت المنطقة فسيحة هادئة غير كثيفة السكان ... وكان هناك مجموعة عربات أميركية تقطع الشارع العام وتتوالى السيارات المدنية في الانضمام إلى طابوريكبر شيئا فشيئا خلف تلك العربات تنتظر ابتعادها عن الشارع العام .... ولكن بعض السيارات المدنية تحرك باتجاه الخط السريع من جديد فتوقعنا أنا ومرافقي أن هناك طرق بديلة , وفعلا توكلنا على الله وتبعنا تلك السيارت التي انحرفت بعد مسافة قصيرة إلى طرق ترابية وكانت السيارة تصطدم بالأرض لوعورة الطريق .. إلا أننا سريعا ما وصلنا إلى نفس الطريق الذي تقطعه الآليات الأميركية ولكن بعد أن تجاوزناها ...
كان البيت الذي نقصده في ثالث أيام عزاء يقام فيه لولدهم الذي قتلته القوات الأميركية أثناء محاولته زراعة عبوة ناسفة على جانب الطريق مع زميلين له ... لم يظهر أي ملاحم لعزاء كما هو معروف ومعتاد ... ليس هناك خيمة وعدد الحضور ليس كبيرا ... الأحاديث تدور حول أمور عامة كثيرة ووالدة الفقيد الشاب تقوم بطبخ الغداء وتتنقل ما بين حوش البيت والمطبخ لا يبدو عليها أي آثار للحزن ...
بدأ الحديث عن المهجرين وطلبت من الشيخ قاسم حسين المفرجي أحد شيوخ عشيرة المفرجي الذي يتصدر المجلس أن يأخذنا سريعا إلى أقرب منزل لمهجرين من آخر من وصل إلى المنطقة , وبمجرد أن انتهيت من طلبي مشى سريعا ومشينا خلفه وانتقلنا بسيارة إلى منزل غير بعيد يقف أمامه عدد من الأطفال وتعرفنا إلى أسرة الحاج أبو أحمد الذي استقبلنا باهتمام ولكننا بمجرد أن تلقينا أول صورة له وللأولاد في باب البيت اعترض ولده أحمد على عملية التصوير وأكد أن في ذلك خطر كبير على من بقي من أهله فلديه أخت متزوجة لا زالت هناك ويخاف عليها وعلى غيرها من الأهل ..
حاول بعض من معنا أن يلح عليهم ولكن أحمد أصر وجزم أمره تماما ورفض التصوير...
ولكنه اصطحبنا إلى الشارع المقابل فوجدنا أسرة قد بدأت للتو بتفريغ أثاثها من عجلة نقل .. فبدأنا التصوير وكان الرد مماصلا ولكنه هذه المرة من مصطفى .. وهو رجل في بدايات الأربعينات من العمر وقد بدأنا حديثا مع الموجودين من هذه الأسرة ومن يقدم لها العون فكان الحوار التالي ...
ــــ مصطفى / بدات المشكل قبل خمسة ايام ... هجم علينا أناس من أشكال لا نعرفها من أين .. هجموا علينا لم يحددونا بيتا بيتا ولكنه كلام عام ولم يخصصوا أحدا بعينه .. لكنهم قالوا أن علينا أن نترك المنطقة قبل أن يقتلونا ..
ــــ محمود :: (وهو شاب في منتصف العشريان ) كثرت التهديدات .. اقترب القتل علينا .. كان القتل قرب المجزرة أصبح قريبا علينا ومقابل منا ... يعني ما نقدر أن نخرج من بيوتنا ... بدأ الأمر بحرب نفسية ... ثلاثة اشهر لم أرى الشارع العام وحركتي محصورة من الجامع إلى البيت فقط لا أستطيع التحرك اكثر ... حتى تعوّد بعض الأهالي أن يقوموا بالتسوق لنا وشراء حاجياتنا .. تصور أنى تزوجت فأرسلت شخصا بنفس طولي اشترى لي بدلة للعرس .. أما الزفة فمن بيت العروس إلى بيتنا بسرعة ولم نصل حتى إلى الشارع العام ..
ــــ وكان السؤال منا .. هل الدولة موجودة أم غير موجودة ؟؟؟؟
والله أخي موجودة .. أقولها بكل واقعية ... العصابات الطائفية يقتلون الناس وتأتي الشرطة ترفع الجثث خلفهم .. هذا ما نراه من الدولة ... الشرطة تمشي وراءهم ... هم يقتلون والشرطة ترفع الجثث ..
ــــ تدخلت هنا امرأة في العقد الخامس من عمرها تساعدهم بتفريغ الأغراض ....وقالت : واحد منكم يتكلم والباقين ينزلون الأغراض لا تقفون كلكم مرة واحدة .
ــــ محمود : اقترب القتل كثيرا ... أخذوا مضمدا قريبا منا .. وقتلوا إمام المسجد الشيخ علي الفهداوي الله يرحمه في جامع المهاجرون والأنصار قتلوه يوم 30/5 الساعة 11 صباحا في أول يوم لهجومهم على الدهلة .. أحاطوا بالمسجد ومعهم مجموعة من السيارات علانية .. أناس لا نعرفهم وبينهم إيرانيين .
ــــ سألناهم : بينهم إيرانيين ؟؟؟ كيف عرفتم ذلك ؟؟؟
ــــ مصطفى : أنا رايتهم .
ــــ محمود : واضح الإيراني جدا ومميز .
ــــ مصطفى : نحن نعرف الشخص الفارسي ... حتى لغته العربية يتكلم بها مكسرة .
ــــ محمود : مكسرة ... يتكلم لغة عربية مكسرة .
ــــ مصطفى : عندما يتكلم فكلمة تفهمها وكلمة لا تفهمها .. وأحاطوا بنا وامسكوا باثنين من أهلنا في السيطرة الحكومية في الشعلة .. فلما حاولنا إخراجهم لكن جاء فجأة اتصال للأسف من شخص في الحي يفترض أنه يخاف الله ويصلح بين الناس إلا انه بالعكس وجه أمرا نافذا إلى السيطرة أن لا تسلم الموقوفين لأحد أبدا وأرسل لهم سيارة نوع BM فيها أفراد من ميليشيته .. وجاء لواء المثنى يريد أن يأخذه المعتقلين لكن السيطرة سلمتهما رغما عن الجميع إلى الميليشيا .
ــــ سألناهم : هل هناك بعض الميليشيات تقوم بحماية الأقليات في مناطق عملها هل حصل هذا ؟؟؟
ــــ محمود : أهل المنطقة .. من الناس الخيرين أرادوا تهدئة الوضع لكن لم يطيعوهم .. ومن أراد أن يهدئ الوضع جلس وسكت وجد أن لا نتيجة .. ثم انفرد بنا الظلمة .
ــــ مصطفى : تعداد بيوتنا من طائفتنا في الدهلة 56 بيت هاجر منهم حتى الان 40 على 45 عائلة
ــــ سألناهم : كيف عاملكم أهالي هذه المنطقة التي لجأتم إليها ؟؟؟؟
ــــ مصطفى : عندنا الكثير الطيبين من المنطقة ومنهم الطائفة الأخرى الذين يشكلون الأغلبية هناك مثل هذه المرأة أم احمد وأهلها هم الذين رحبوا بنا أعطونا بيوتا.
ــــ أم احمد : هم أهلنا طبعا .
ــــ مصطفى : للعلم لم نعاشرهم مثل ما عاشرنا جيران لنا معهم خمسين سنة من الجيرة لكن بعضهم انقلبوا علينا فجأة للآسف , ولم يطيعوا حتى عقلاءهم .
ــــ سألناهم : هل بينكم أهل أم احمد نسب أو قرابة ؟؟
ــــ أم احمد : لا نسب ولا قربة .. خدمة لله .. أعطيت بيتي لهم ... وقدمتُ معهم من الشعلة وهذه السيارة التي تنقل الأغراض سيارة ابن آخي ... أعطيهم عيوني .. هذا بمثابة ولدي هو وأهله .. ( وليدي هو ليش يأذوه .. صدق يممه أنا أصدق يصير هيجي بيهم ) ؟؟ وأجهشت بالبكاء .
ــــ محمود : الذين وفروا لنا الحماية في المنطقة هم من أهالي المنطقة من الطائفة الثانية عندما حدث الهجوم علينا لجأت عوائلنا إلى بيوتهم , أما رجالهم فجاؤا إلى بيوتنا يحموننا ولم يتركوا أحدا يدخل علينا .
ــــ مصطفى : أحده أتى بسلاحه وجاء إلى بيتي وقال أموت وياك .
تركنا الأسرة تنقل أثاثها إلى البيت
وانتقلنا إلى جامع النصر فحدثنا أحد المهجرين
ــــ محمد مزعل / عندنا جيراننا في منطقتنا من المذهب الآخر والله أشراف و( خوش أوادم ) ولم نرى منهم حتى هجرتنا إلا الخير ... التهديد أتى من باقي الأحزاب المعروفة طبعا ... أحزاب الدريلات والسكاكين ... فرموا لنا عدة أوراق تهديد ووضعوا رمز أكس x على البيت كتبوا في الأوراق ( سوف تقتل كما قتل فلان ) واستمروا برمي هذه الأوراق ثلاث أو أربع مرات حتى يهاجر المهدد غصبا عنه ... وإذا لم يهاجر يقتلون واحد من أولاده أو أهل بيته كي يرغموه ... ونحن تركنا بيوتنا وسكنا في الحصوة رغما عنا .. ونحن هنا منذ شهر تقريبا ... أما الجيران فوالله إلى الان يحنون علينا ويبكون علينا .. يعني طيبين جدا .
ــــ سألناه : كما عدد العوائل المهجرة ؟؟؟
ــــ محمد مزعل : ما أستطيع تحديد شيء .... عدد كبير جدا .... تقريبا القطاع الخامس والرابع من الشعلة لم يبقى فيها أحد نهائيا .. تقريبا خمسين إلى سبعين بيت هجروا .
ــــ هنا تدخل إمام المسجد الشيخ صلاح / اغلب المهجرين من منطقة الشعلة .. والآخرين بعضهم من المدائن ومن مناطق الشعب وحسينية الراشدية .. من مناطق شتى .. المناطق التي يكون فيها أقلية طائفية ... الآن عندنا تقريبا 255 عائلة والعدد يتزايد يوما بعد يوم .. كل يوم نجد عوائل جديدة تسجل عندنا .. كل يوم ...
ــــ سألناهم : ما هي الاجراءات التي تتخذوها مع العوائل النازحة اليكم ؟؟
ــــ الشيخ صلاح : هم تركوا بيوتهم من خلال التهديد والقتل .. وجاؤنا بدون مال ولا أثاث أحيانا .. بل إن بعضهم سلبوهم حتى البطاقة التموينية ... ولا زالوا يمنعونهم من الحصول على الحصة التموينية في منطقة الشعلة .. فبعض الأهالي أسكنوا المهاجرين في بيوتهم .. والبعض الآخر يقوم بدفع إيجار المنازل بدلا عنهم .. وبعضهم أسكنهم معه في البيت خصوصا الأقارب .. هناك الان ثلاثة أو أربعة عوائل تسكن بيتا واحدا ... وبعض العوائل منعوهم حتى من نقل حاجاتهم وأثاث بيوتهم .. منعوهم وهددوهم بالقتل ... ولما عادوا ليأخذوا الأغراض .. هددوهم بالقتل مقابل الأثاث الذي اضطر كثيرون إلى تركه ..
ــــ سألناهم : هل للدولة والمنظمات الإنسانية أي حضور في هذه الأزمة هنا في منطقتكم ؟؟؟
ــــ الشيخ صلاح : حقوق الإنسان أرسلوا لنا استمارات لهذه العوائل وتم ملئها ولكنهم لم يحصلوا حتى على مواد غذائية منهم .. والحقيقة أن هيئة علماء المسلمين أرسلت موادا غذائية للاخوة المرحلين من هيئة آل مكتوم الخيرية فبرعاية هيئة علماء المسلمين تم تسليم هذه العوائل حصص تموينية ولكنها لم تكفهم ..
هذا المسجد أصبح مركزا .. فأرسنا قسم من هذه المواد إلى أبو غريب وأبو منيصير وبعض منها إلى الكرمة فلم تكفي هذه الحصة للعوائل المرحلة الموجودة في الحصوة .
ــــ أبو سلمان : نريد ان ينقلوا لنا الحصة التموينية من الشعلة إلى الحصوة فكل من يذهب إلى الشعلة يتلقى تهديدا ... يعني نريد أن تكون هناك لجنة لتغيير جهة الحصة التموينية من الشعلة إلى الحصوة ولا يضطرونا للتخلي عنه أو المجازفة ..
الشيخ صلاح : نحن نتمنى من الهلال الأحمر أن يفتح مكتبا في هذه المنطقة .. هذه المنطقة نزح إليها الكثير من العوائل من الفلوجة وحتى من الرمادي .. قوات الاحتلال دمرت بيوتهم وقتلت من يعيلهم .
قبل يومين التقيت امرأة قتلوا زوجها وثلاثة من اخوته واستولوا على دارها وجعلوه مرصدا لهم فسجلناها ضمن المهجرين وجمعنا لها بعض المال .. وبعض وكالات الحصة التموينية تبرعوا لها بالطحين والرز ..
ولدينا خمسة عوائل أخرى مهاجرين من الرمادي .. تم ترحيلهم من قبل قوات الاحتلال ... فساوينا بين النوعين من المهاجرين .. سواء من هجرهم الاحتلال أو العصابات الطائفية ... فنناشد الهلال الأحمر .. والمنظمات الخيرية فتح مكتب في الحصوة .
اشترك عدد كبير من الأهالي بالمناشدة وأكدوا حاجتهم لفتح مكتب للهلال الأحمر في الحصوة ..
ــــ هنا تدخل شاب تردد مرات ومرات في التحدث إلينا لكنه أخيرا اقترب وتكلم :
ــــ علي : عدد الشباب المهجر إلى هنا كبير .. ومعظمهم فقدوا مصادر رزقهم تركوها خلفهم في الشعلة فنحن بأمس الحاجة إلى العمل فكيف نفعل ومن يهتم لهذا الأمر ويوفر لنا فرص العمل ؟؟
ثم غادرنا المنطقة والأهالي ينظرون إلينا باهتمام بالغ وعيونهم تقول الكثير ... الكثير الذي نعبر عنه بكلمتين اثنتين ....
أين الدولة ؟؟ وكيف ترجوا أن تجد حلا لأزمة البصرة بينما يهجر المئات في يومين غير بعيد عن المنطقة الخضراء و القاعدة الأميركية في المطار !!
ومن سيرجع هؤلاء إلى بيوتهم وأعمالهم وأملاكهم ؟؟ بل هل ستمنع الدولة تهجير الآخرين ؟؟ فعامة المهجرين الذين التقينا بهم هُجّروا في الأيام القليلة الماضية ...
المصدر : وكالة الاخبار العراقية
رحلة في أبو غريب حول تهجير 45 عائلة من منطقة الشعب
