من يراقب المشهد العراقي اليومي يتملكه الخوف وتعتريه القشعريرة جراء هذا الانتحار الذي يذهب العراق إليه بقدميه، من دون ظهور أية بوادر أو بصيص أمل بخلاص قريب.
لا يمر يوم إلا وتترى الأنباء عن مجازر جماعية متنقلة بين المدن العراقية، وكأن نزعة القتل تحولت إلى ديدن، وكأن تمزيق الجثث وقطع الرؤوس صارا هواية بكل ما يعنيانه من اغتيال للحياة بكل معانيها ومضامينها.
صارت حمامات الدم مشهداً يومياً مغايراً لما هو مألوف عن العراقيين من أثرة وغيرة وكبرياء وشموخ وغوث للقريب والبعيد، إلى درجة بات السؤال ملحاً: هل هذا من صنع العراقيين أنفسهم؟ وهل يعقل أن مرتكبي هذه المجازر الدوارة الكارهين للحياة هم من أبناء العراق فعلاً، بناة الحضارة وصناع المجد وحماة الجناح الشرقي لأمتهم العربية، والمنافحين عبر التاريخ عن حياض الإسلام والمشاركين في انتشاره شرقاً وغرباً؟
لكن أياً كان الفاعلون الموغلون في الدم العراقي، وأياً كانت شعاراتهم التي يرفعونها، فإنهم ينفذون تماماً مآرب الاحتلال وأهدافه، ويشاركون في حروب الآخرين باللحم والدم العراقيين، بل هم أنفسهم الطابور السادس للاحتلال، ويقومون بما يعجز الاحتلال عن القيام به مباشرة.
واحدة من الخطايا الكبرى التي زرعها الاحتلال منذ وطئت أقدامه أرض العراق، أنه زرع بذور الفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية، ورعى العصبيات ووطد أركانها وأقام نظاماً فريداً وغريباً للمحاصصة، ونشر الفساد الذي تحول إلى مؤسسة تنخر الجسد العراقي.. وكلها فرخت عصابات وميليشيات ومنظمات طائفية وإرهابية تتقن قتل العراقيين وتتفنن في وسائل إبادتهم وكأن ما ترتكبه قوات الاحتلال من مجازر وانتهاكات يندى لها الجبين لا تكفي.
لقد جاء الكشف عن مجزرة “حديثة” التي ارتكبها الجيش الأمريكي قبل ستة أشهر وراح ضحيتها 24 مواطناً عراقياً لتضيف إلى مآثر الديمقراطية الأمريكية وتحرير العراق، كما يردد أركان البيت الأبيض، مأثرة جديدة في السجل الأسود المثقلة صفحاته بمخازي ما جرى في سجن أبوغريب وغيره من المواقع التي تحمل بصمات انتهاك إنسانية الإنسان.
لهذا، يمكن القول إن ما تقوم به قوات الاحتلال الأمريكي ضد العراقيين وما تقوم به عصابات الإرهاب والإجرام هما وجهان لعملة واحدة، ويكملان بعضهما بعضاً، والهدف هو تدمير الشعب العراقي مادام مؤمناً بوحدته.
.. يا عرب لا تتركوا العراق يغرق بدمه.
لا تتركوا العراق يغرق بدمه -افتتاحية الخليج
