يعيش العراقيون هذا اليوم أجواء الذكرى الثالثة والتسعين لتأسيس جيشهم الأصيل، الذي تزاحمت صفحات التاريخ وهي تدوّن بطولاته وتسطر ملاحمه الرائعة، حتى غدت صفحاته متألقة بالإشراق ومزدهية بالمفاخر والبطولات.
ففي السادس من كانون الثاني عام 1921م؛ وحينما كان العراقيون يستنشقون عبير الحرية بعد طرد الاحتلال الإنكليزي من بلاد الرافدين؛ مكللين بالنصر والظفر، ومبتهجين بما أنجزته ثورة العشرين الخالدة؛ أُعلِن عن تشكيل أولى نواة الجيش الوطني العراقي، فكان الفريق الراحل (جعفر العسكري) في طليعة مؤسسي فوج "الأمام موسى الكاظم" في العاصمة بغداد، ومنذ ذلك الحين والجيش العراقي بات مشكاة برّاقة تلتفت إليها الأبصار وتستمتع بمحياها النواظر.
لقد دأب العراقيون كل عام، على الاحتفال بذكرى تأسيس درعهم الحصين وسورهم المنيع صاحب المواقف الصلبة والعزائم الجبّارة والإرادة التي لا تعرف اللين؛ الجيش الذي صنع الانتصارات العظيمة والمنجزات الباهرة في معارك العزة وساحات الوغى وميادين الشرف على طريق الحرية والكرامة، ومضى عبر تأريخه الوطني المشرف مضطلعًا بمهمة الحارس الأمين للأمة كلّها؛ حيث سطّر خلال تاريخه الطويل بطولات قلّ نظيرها، ومنجزات مشرفة رفعت قدره بشكل كبير، فكان له الدور البارز والمؤثر في الحرب العربية – الصهيونية عام 1948، وما تلاها من المعارك القومية التي شهدها عامي 1967 و 1973، بعد أن خاض معارك ضارية ضد الاحتلال الغاصب حيث أبلى ضباطه وجنوده بلاءً حسنًا في صولاتهم وجولاتهم التي يشهد لها الأعداء قبل الأصدقاء.
إن تلك التضحيات الجسام التي قدّمها منتسبو الجيش العراقي من ضبّاط وضبّاط صف ومنتسبين ؛ لها دلالة واضحة لا يشوبها كدر على أن جيش العراق الأصيل يُعد مؤسسة عسكرية فاخرة ترتقي إلى مصاف المؤسسات الدولية المماثلة، فضلاً عن كونه عراقيًا خالصًا بكل ما تحمله الكلمة من معان ودلالات تؤول إلى البطولة والشهامة والولاء للوطن؛ لانه بُني على أسس وثوابت وطنية وقومية واضحة جدًا، حتى اضحى مثالاً للتلاحم الاجتماعي وسدًا منيعًا واجه بإباء وشمم طوفان الأطماع التوسعية الإقليمية والدولية، فكانت صولاته وجولاته وانتصاراته حديث الصغار والكبار وهم يرددون الأغاني والاهازيج الحماسية التي صُرفت كلماتها وألحانها لتؤرخ بطولات الجيش الهمام وتوثق معاركه التي جعلت العالم كله يقف له إجلالاً، حتى بلغت حظوته في نفوسهم مبلغا كبيرًا ومؤثرًا جعلتهم ينعتونه بأوصاف وألقاب شعبية وإعلامية من أبرزها : جيش الشعب، والأسطورة، والعملاق، وسور العراق، ومصنع الأبطال، وحارس البوابة الشرقية للوطن العربي، وصمام الأمان، وغير ذلك مما يعكس بوضوح مكانته في نفوس العراقيين والعرب بشكل عام لاسيما وأنه تحمل الصعاب وبذل الكثير في الذود عن حمى العراق والأمة التي ينتمي لها؛ فصار بذلك مدرسة وطنية يتعلم فيها أبناء الشعب معنى الولاء والالتزام والضبط والصدق والأخلاق الحميدة.
وفي هذه الأيّام العصيبة التي يعيشها العراقيون وهم يعانون من النفوذ الإيراني الغاصب الذي عاث في أرض العراق الفساد؛ فإن من أبرز ذكرياتهم مع حلول عيد الجيش الأغر؛ البطولات الخارقة التي سطرها في ثمانينات القرن الماضي خلال تصديه الشجاع للجيش الإيراني المعتدي ـ الذي كان يوصف حينئذ بأنه خامس جيش في العالم ـ وتمكنه من صد الريح الصفراء القادمة من الشرق، بعد ان أذاق طهران مرّ الهزيمة ودوّن في تاريخها رغمًا عنها بأن جذور الحقد وشعارات الثأر من العرب ذهبت ادراج الرّياح، فكان بحق مدافعًا قويًا وحارسًا أمينا للعراق خصوصًا وللأمة العربية بشكل عام؛ فاليوم يعيش المرء في أجواء ملحميّة لها وقع وأثر في شحذ الهمم، وهو يستذكر الأساطير العريقة والبطولات الفذة والشجاعة الخارقة التي كان يتحلى بها الجندي والضابط العراقي خلال حرب القادسية الثانية، والذي شارك في رسم خارطة مجد الأمّة.
إن الجيش العراقي الباسل كان بحق صمام أمان لوحدة العراق وتماسك شعبه، نتيجة لطبيعة تنظيمه وعقيدته العسكرية ونمط مهامه في الدفاع عن أرضه, والحفاظ على ثروات شعبه, والأهم من ذلك كله فأن العراق الجريح لم يشهد في ظل ذلك الجيش الوطني أي حرب طائفية أو صراع عرقيّ؛ بل كان جيشًا مهنيًا حرفيًا بامتياز يعمل كفريق واحد متجانس، غايته الأولى حماية الوطن والأمة والوقوف بحزم ضد مؤامرات الأعداء الحاقدين الذين يتربصون بالعرب الدوائر ويضمرون لهم الشر.
ولمّا كانت مواصفات هذا الجيش وإمكانياته؛ تؤهله لضرب مصالح قوى الاستعمار الغربي، وتهدد مخططاتها تجاه المنطقة باسرها؛ بدأت الولايات المتحدة الأمريكية وبتخطيط من الصهيونية العالمية تتحين الفرص لتدمير جيش العراق الذي شكل نقطة قلق ومساحة يحسب حسابها، انتهت بقيام إدارة المجرم بوش الصغير وبمساندة عملائه بشن حرب واسعة وشاملة على العراق في آذار عام 2003، تحت ادعاءات زائفة وأكاذيب باطلة، كانت أولى أهدافها تدمير بنية هذه المؤسسة الوطنية العملاقة، وهو ما حصل فعلاً بعد الاحتلال الغاشم لبلاد الرافدين في حدث هز تاريخ الألفية الثالثة منذ بدايتها، حيث أصدر (بول بريمر) سيئ الصيت الذي نصبه الاحتلال حاكما مدنيا على العراق، قراره المشؤوم بحل الجيش العراقي وفض مؤسساته وتشكيلاته المختلفة، ومطاردة ضباطه والتضييق على منتسبيه.
ثم ما لبث الاحتلال حتّى سلّم العراق لإيران، لتمارس أدوارها التوسعية، وتتقاسم معه النفوذ في المنطقة، وأعطى مقاليد قيادة العملية السياسية لأحزاب تستقي أوامرها من طهران، فتسيرها كيفما تريد، وتتحكم من خلالها بالعراق كما تشتهي، في أحوال جعلت العراقيين يشعرون بالألم والأسى لما آلت إليه أوضاع الجيش الحالي الذي تم تشكيله في ظل الاحتلال السافر، فهو يفتقر إلى كثير من المقومات الأساسية وعلى رأسها العقيدة العسكرية والتدريب والمهنية والتسليح، إضافة إلى انتشار الفساد والرشوة بين صفوف الكثير من ضباطه ومنتسبيه، كما يضم الكثير من عناصر الميليشيات التابعة للأحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية الحالية التي لا همّ لأحزابها سوى نهب الثروات وتحقيق المكاسب الشخصية والاستئثار بأموال الشعب، الأمر الذي يجعل من غير المنطق إجراء أية مقارنة بين الجيش العراقي الأصيل ذي التاريخ الحافل بالبطولات، وبين مجاميع من العصابات وذوي الأجندات الخارجية الذين يتحركون وفق برامج أعدّها أعداء العراق بغيتها النيل منه.
إن الذكرى الثالثة بعد التسعين لتأسيس الجيش العراقي الباسل، تأتي في وقت حرج للغاية، فقد تعمّدت الحكومة الحالية أن تزج بجيشها في معركة تستهدف الشعب العراقي على أسس طائفية واعتبارات فئوية، فقد تسلّط هذا الجيش على أهل الأنبار في محاولة لفض اعتصاماتهم السلميّة، ومنعهم من صلواتهم الموحدة، والحيلولة دون تحقيق مطالبهم المشروعة التي ينادون بها منذ اكثر من عام؛ وفوق ذلك كله؛ تحاول الحكومة الحالية الترويج زورا وبهتانا على ان هذا الجيش "عراقي وطني" وهو أبعد ما يكون عن هذا الوصف، لان هذه الحكومة تهدف بهذه التصرفات الى تشويه ماضي الجيش العراقي الزاهر، بجنود وعناصر ميليشياوية طائفية يتكئ عليها جيشها في الحاضر، لتحول بسلوكها الغوغائي دون صناعة مستقبل باهر.
وعلى الرغم من ذلك كله؛ فإن الحق يبقى قائمًا للعراقيين في الاحتفال بعيد جيشهم ذي الأصالة، والوقوف بحزم أمام جيش هذه الحكومة ذات المشاريع الهدّامة، إذ ليس هناك بيت عراقي إلا وله قصص وذكريات، وأحاديث وروايات مع الجيش الأصيل الذي ينمو حبه ويتعاظم يومًا بعد يوم في أنفسهم، بالرغم من ممارسات منتسبي الجيش الحالي الذي تم تشكيله على اسس طائفية مقيتة الذين يواصلون انتهاك حرمات البيوت، خلال اقتحامها واعتقال الآمنين والأبرياء فيها، إضافة إلى إخفاقاته المتكررة في تأمين الحماية لهذا البلد الذي أصبح مستباحًا بعد أن دنسته أقدام الغزاة.. وإزاء هذا الحق فإن الواجب يحتم على العراقيين النجباء أن يعملوا بجد واجتهاد لإعادة بناء بلدهم وجيشه على أسس صحيحة، بعيدة عن المحاصصات الطائفية والفئوية الضيقة والتجاذبات السياسية التي لم تجلب لهذا البلد سوى المآسي والويلات وأعمال العنف التي حصدت أرواح مئات الآلاف من أبنائه الأبرياء، ولا يتم ذلك إلا بمواصلة الثورة والانتفاضة، والدفاع بكل الوسائل المتاحة عن حقوقهم وحرماتهم، والتصدي لأي عدوان يحاول النيل من وحدتهم وكرامتهم.
لقد آن الاوان للعراق أن ينهض من جديد وأن يصغي العالم لصوته المجلجل، ويمتع ناظريه بجيشه وإنجازاته، لان المنطقة تقف اليوم على حافة الهاوية، وما لم يكن فيها جيش كجيش العراق الأصيل النبيل؛ فإن الضياع مآلها والتبديد مصير ثرواتها، وستبقى الآمال معقودة على فرسان العراق البواسل الذين كانوا في كل حقبة أبطالها، وفي كل ملحمة رجالها، وعند كل معضلة حلولها، والتاريخ دون الناس يشهد، فليفخر العراق وليمض قدمًا لاستعادة جيشه والانطلاق به نحو علياء القمم.
الهيئة نت
ج
وهو يعانق عامه الـ(93).. أبناء الشعب العراقي يستذكرون بفخر واعتزاز تاريخ جيشهم الأصيل
