خلّف الغزو الهمجي والاحتلال البغيض الذي قادته الادارة الامريكية ضد العراق عام 2003، واتساع رقعة الموت خلال السنوات التي اعقبت ذلك، جيشاً من الأرامل واليتامى قدرته الأمم المتحدة بخمسة ملايين يتيم وثلاثة ملايين ارملة، فضلاً عن أن
ربع سكان العراق ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر، في الوقت الذي فشل فيه جميع المسؤولين في حكومات الاحتلال المتعاقبة في ايجاد أية حلول ِللمشكلات المختلفة والأزمات المتفاقمة ولا سيما التدهور الامني المتواصل الذي يحصد يوميا ارواح العشرات من العراقيين الابرياء الذين يكابدون شظف العيش في بلد يمتلك ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم.
واكدت المصادر الصحفية التي تتابع تطورات الاحداث في العراق عن كثب ان المسؤولين في الحكومات المتعاقبة منذ نحو (11) عاما، ما زالوا يطلقون بين الفينة والاخرى وعودا زائفة لتحسين معيشة العراقيين بصورة عامة، وشريحة الارامل والايتام بشكل خاص دون تنفيذ أي شيء من هذه الوعود الكاذبة على ارض الواقع المرير .. موضحة ان رواتب الأرامل والايتام مجرد أرقام باهتة لذر الرماد في العيون، لان مبالغها الضئيلة لا تسد رمق هذه العائلات لبضعة أيام، في الوقت الذي بدأت فيه مفردات البطاقة التموينية التي كانت تعتمد عليها العائلات العراقية بالتلاشي حتى اقتصرت على ثلاثة مواد فقط لا تسمن ولا تغني من جوع.
ونتيجة لهذا الواقع المأساوي اصبح اعداد كبيرة من الأطفال اليتامى يتواجدون في الشوارع المزدحمة وعلى الأرصفة وعند إشارات المرور وفي ورش العمل الشاقة، فيما تزداد معاناة الارملة التي فقدت الزوج وكابدت الأمرّين في تربية الأطفال، واضحى منظرها يفطر القلب حيث تراها وهي تصارع اعباء الحياة اليومية لتجلب لاولادها لقمة العيش، فهي تقف في الطوابير الطويلة تحت هطول الأمطار والبرد الشديد للحصول على عبوة من مادة النفط الأبيض او قنينة غاز لطهي الطعام وتوفير الدفء للمنزل، كما تعاني الأمرّين في تربية الأطفال والعمل المضني لكنها لم تلن لحظة واحدة بل واصلت مسيرتها بخطى ثابتة.
منظر المرأة العراقية التي تتحلى بالصبر والتضحية وتتحدى كل الصعاب كان دافعا لمعرفة العديد من القصص والروايات التي تعبر عن مدى تحملها للمآسي والويلات التي جعلتها مميزة بين نساء العالم، حيث سلطت المصادر الصحفية التي اعدّت هذا التقرير، الاضواء على هذه المعاناة من خلال اللقاءات التي اجرتها مع عدد من النساء اللاتي قهرن المستحيل وتحدين الظروف الصعبة التي يشهدها هذا البلد الجريح منذ اكثر من عشر سنوات.
وكانت اول المتحدثات (أم احسان) البالغة من العمر (40) عاما وتعمل في صنع المعجنات التي اكدت انها فقدت زوجها ـ الذي كان يعمل سائق سيارة أجرة ـ أثناء تصاعد الاعمال الطائفية التي شهدها عامي (2006 و 2007) وتركها تعيل أربعة أطفال بلا دار ولا تقاعد، ولكنها صممت على ان تعيش بكرامة وشرف وأن لا تجعل أطفالها يعملون في الشوارع .. موضحة انها لا تنام من الليل الا ساعات قليلة، من أجل عمل طلبية إضافية من المعجنات تساعدها في الحصول على مبلغ يوفر احتياجات وطلبات اولادها المدرسية.
واشارت المواطنة (أمل عبد العزيز) ـ وهي أرملة وتعيل أولادها وأولاد زوجها من زوجته الاولى الذي استشهد في أحد الانفجارات التي شهدتها العاصمة بغداد ـ الى إن معاناة المرأة العراقية وقلقها نتيجة الظروف التي يعيشها هذا البلد تجعلها في حيرة من أمرها في كيفية تربية الأولاد وماذا ستطعمهم إضافة إلى منظر رؤيتها لزوجها وأولادها وهم يقتلون امام عينيها، فكم من أم ثكلى ذرفت دموعها دما على أبنائها وهي ترى دماءهم تنزف أمام ناظريها بلا ذنب اقترفوه نتيجة أساليب القتل والبطش التي لم يشهدها العراق الجريح قبل ابتلائه بالاحتلال السافر، وكم من امرأة فقدت زوجها المعيل الوحيد لأسرتها واضحت تعمل وتكابد العيش من أجل أن توفر لهم الحياة الحرة الكريمة.
من جهتها اعربت احدى المحاميات ـ التي فضلت عدم نشر اسمها ـ عن اسفها الشديد لتهميش المرأة العراقية وعدم انصافها واعتبار دورها ثانويا في كافة المجالات، اضافة الى فقدانها لابسط حقوقها التي كفلتها لها القوانين السماوية والوضعية .. مشيرة الى ان المرأة العراقية تعاني في ظل الاوضاع الحالية التي يعيشها العراق حالات القلق والخوف من المجهول نتيجة استمرار التدهور الامني وازدياد التفجيرات وعمليات الاختطاف والقتل سواء خارج المنزل أو داخله .. لافتة الانتباه الى ان الارملة العراقية التي اصبحت مثالا رائعا لكل نساء العالم، ما زالت تعاني من عدم حصولها على حقوق أولادها القاصرين ومحاربة عائلة زوجها وإخوته الذين لا يفكرون الا بمصالحهم الشخصية وذلك من خلال محاولة إسقاط وصايتها على أولادها في الوقت الذي تصر فيه هي على بقائهم تحت نظرها بعد فقدانها لوالدهم حفاظا عليهم من التشرد في الشوارع.
يشار الى ان الجهاز المركزي للإحصاء اكد في آخر مسح اجراه عن أحوال الأطفال في العراق ـ واعتمد فيه على استبيان شاركت فيه ربّات المنازل ـ أن طفلاً واحداً من بين كل تسعة أطفال تتراوح اعمارهم بين الخامسة والرابعة عشر عاماً يعملون في مهن لا تتناسب واعمارهم لمدة 28 ساعة أو أكثر خلال الاسبوع ، وأن 2% منهم يشاركون بأعمال غير مدفوعة الأجر لحساب شخص من غير أفراد الأسرة، كما يشارك 2% منهم ايضا في الأعمال المنزلية، وان نسبة الأطفال العاملين ترتفع في المناطق الريفية إلى 8%، فيما تبقى هذه النسبة في المناطق الحضرية بحدود 6%، كما اظهر المسح أن الأطفال الذين يعملون هم أقل ميلاً للاستقرار في التعليم، حيث بلغت نسبة الأطفال المتسربين من المدارس 14% فيما بلغت نسبة المستمرين منهم في التعليم 10% فقط .. موضحا ان نسبة تشغيل الأطفال في العراق تقلّ كلما ارتفع مستوى تعليم الأم.
وكالات + الهيئة نت
ح
لاتساع رقعة الموت وفشل حكومات الاحتلال .. ثمانية ملايين يتيم وارملة يكابدون شظف العيش في العراق
