هيئة علماء المسلمين في العراق

من زوايا المشهد العراقي.. الخائضون بالوحل دونما حل / أ. حارث الأزدي
من زوايا المشهد العراقي.. الخائضون بالوحل دونما حل / أ. حارث الأزدي من زوايا المشهد العراقي.. الخائضون بالوحل دونما حل	/ أ. حارث الأزدي

من زوايا المشهد العراقي.. الخائضون بالوحل دونما حل / أ. حارث الأزدي

للمشهد العراقي زوايا متعددة، ورؤى للمشكلات مختلفة، وحلول بعضها ناجع لم تتوفر له الظروف والأحوال لتنفيذه، وأخرى مؤجلة بسبب عدم اكتمال ألة تنفيذ هذه الحلول، ولكن المشكلة المعقدة في العراق حلها بسيط جدًا لمن أرد لها حلاً حقيقيًا، إذ يشكل الانسحاب من المشهد سحبًا للبساط من تحت الشرعية المزعومة بأن مشاركة سياسية لمكونات الشعب العراقي كافة متمثلة في هذه العملية المسخ التي لاتنفك عن ارتباطها بواشنطن باعتبارها صفحة مكملة للاحتلال، وتتدحرج على البساط الإيراني بتوافق غير معلن قبل الإعلان الأخير في مجموعة 5+1. زيارة المالكي لواشنطن بتوقيت يفضح سر الزيارة وإن تشابكت التصريحات بين مؤيديه ومناوئيه من شركاء العملية السياسية، ولكن الأبرز في الزيارة استقباله من موظفة في الخارجية الأمريكية، مما يعكس حجم الزعماء المتصدرين لهذه العملية السياسية، فهو موظف ويستقبله من يماثله، ولا يغيب عن المشهد طروحات المالكي بأنه الحامي للمصالح الأمريكية والذائد عن حياضها بما يظن أنها تطرب لسماعه منه؛ فقال إن جبهة واسعة للحرب على الإرهاب لابد أن تنطلق ومركزها العراق، ليضمن مرحلة لاحقة يبقى فيها على رأس سلطة تنتمي لإيران وتسير في الركب الأمريكي.

ومثل هذا؛ فعل المالكي بزيارته لإيران، حيث طرح مسافات مكانية وسقوفًا زمنية تغري ايران ببقائه، وتنحو بعيدًا بغرمائه القريبين من إيران أيضًا.

ولكن هذا لم يكن متاحًا وفق معطيات المشهد السياسي، بسبب أن معارضين ومؤيدين وشركاء متشاكسين تناوبوا التصريح عن زيارة الولاية الثالثة للمالكي، فلا المؤيد يصرح بمضمون الزيارة، ولا المعارض يكشف ما لايعرفه الشارع العراقي عن أسباب الزيارة.

في كل أحوال الزيارة؛ ولو قدم المالكي أوراقه ومواثيقه واتفاقاته ومعاهداته فإن ذلك لا يغير من السبب الدافع للزيارة في مثل هذا الوقت العصيب الذي يمر به.

قبيل كل مرحلة انتخابية؛ تشهد الساحة العراقية حراكًا لافتًا للفكرة التي يراد بها التمهيد لخوض الانتخابات، فمع أن الانتخابات مرسومة ومقطعة بحسب الطلب، وتفصيل نظامها يلائم المحاصصة الطائفية والعرقية لكنها لاتخلو من مساحة للتدافع والتزاحم لتسجيل النقاط المؤهلة لاقتراب النار من قرصة الخبز في سعي الأطراف لإنضاجها قبل الآخرين.

غزل صريح في ثنايا تصريح المالكي تجاه سوريا، وطلبه وهو في طهران منع تزويد المعارضة السورية بالسلاح. كان هذا توصيف حيدر الملا مبينًا أن مثل هذه التصريحات تندرج في إطار كسب ود إيران للفوز بالانتخابات القادمة.

لكن دفاعات ائتلاف المالكي تقتصر على جملة واحدة لا تتتغير؛ بأن من يروج بأن زيارة المالكي لإيران من أجل ولاية ثالثة، إنما يريد التشويش على العملية السياسية العراقية برمتها.

الغزل الذي وصف الزيارة به حيدر الملا؛ ظهر بعنوان المجاملة من أجل الهدف نفسه، وهو التمديد بتصريح للنائب عن التحالف الكردستاني محما خليل إذ يقول: "تصريح المالكي خلال زيارته لإيران عن الأوضاع في سوريا يأتي في إطار المجاملة وكسب الود فهو مقبل على انتخابات برلمانية".

ربما تصريح كتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري؛ ذهب إلى المباشرة فابتعد عن الغزل والمجاملة، واصفًا زيارة المالكي أن لها أهدافًا خاصة. فقد ربط بين توقيت الزيارة وبين تاريخ إجراء الانتخابات البرلمانية، في دلالة على أن الهدف منها الحصول على التأييد الدولي، لاسيما وأنه زار واشنطن قبلها وسيزور تركيا.

توصيف جماعة الصدر فرق بين ظاهر الزيارة، وهو بحث قضايا تخص العلاقات الثنائية وما يجري بالمنطقة، وبين المحادثات الداخلية التي تعد السبب الرئيس للزيارة، لكن من يقرأ بين السطور يدرك أنها تهدف لاستمالة الطرف الآخر وكسب وده للتأييد بالبقاء.

كان هذا عرضًا للمشهد من داخل العملية السياسية، ولكن المشهد السياسي خارجها ينقسم إلى قسمين آخرين: قسم حسم أمره بعدم الاعتراف بها جملة وتفصيلاً، وذلك مبني على أن هذه العملية صفحة من صفحات الاحتلال، وأن الدستور مؤسس لأزمات مملوء بالألغام الممزقة لبنية الشعب العراقي بتكريس الطائفية والمحاصصة والتفريق بين المكونات، فضلاً عن أن تجربة العملية السياسية خلال عشر سنوات لم تلد للشعب العراقي غير المصائب وتوالد المصاعب.

ولكن المناهضين للعملية السياسية مطالبون برؤية جامعة مانعة، جامعة لعموم العراقيين الذين أيقنوا عوار هذه العملية السياسية، ومانعة لتتابع شبهات المغرضين بأنهم لايملكون مشروعًا سياسيًا كما يدعي مناهضوهم، مع أن المعطيات على أرض الواقع أثبتت صدق الرؤية وثبات الموقف، ويكفي أنهم تجاوزوا صعابًا وعراقيل كثيرة كانت أشد من التصدي لمثل هذه المهاترات المتهمة لهم بأنهم لا يملكون مشروعًا، فلو عكسنا الصورة على المشاركين في هذه العملية السياسية التي رعاها المحتل ونشأت على عينه، نسأل من منهم يملك مشروعًا يترتب عليه بناء الوطن والمواطن؟ فهل جماعة إيران يملكون مشروعًا عراقيًا؟ أم أن جماعة الانفصال والأقاليم يملكون ذلك؟ أم أن المنخرطين كلازمة من لوازم الديكور الصوري للإيهام باكتمال المشهد يملكون مشروعًا غير مصالحهم الفئوية والحزبية؟ بينما انفردت القوى المناهضة للاحتلال منذ أول يوم في كونها تملك مشروعًا موحدًا للعراقيين برفضهم التبعية والاحتلال، وبأن يكون الحل من الشعب رفضًا لكل مشاريع الأقلمة والتقسيم والارتماء بحضن إيران.

في خضم هذه الأمواج المتلاطمة من الآراء؛ لعل من المفيد أن نقرأ خبرًا عن ائتلافين رئيسيين مشكلين للحكومة الحالية، حيث قال ائتلاف المالكي، أن مشاكل العراق مع إيران ستأخذ طريقها للحل بفضل "العلاقات الطيبة... فيا لها من رؤية سياسية تمتلك مشروعًا لبناء دولة بالعلاقات الطيبة مع من تتدخل في شؤون العراق طولاً وعرضًا، فلاشك أنها ستكون سياسة طيبة جدًا بطعم «الساهون».

بينما قال التحالف الكردستاني وطعم العلقم يكاد يلجمه؛ إن إيران "ترى العراق أقل شأنًا منها ولا تتعامل معه كدولة"..... أما النمط الديكوري فليس أدل على فقدان مشروعه من افتقاده في خضم الصراع الدائر اليوم، فمهمته تقتضي أن يكون في الصورة قبيل الانتهاء منها لتقديمها خداعًا سياسيًا ليس له وجود في كل دول العالم المحترمة.

من خلال هذا السرد يتبين لنا أن ادعاء المشروع لمن دخل في أتون العملية السياسية وفق إطارها الاحتلالي، محض أوهام يُتلاعب بها ويقدمونها مرة باسم نصرة الطائفة وأخرى العراق وثالثة لرفع الظلم وإقامة التوازن، أما الحل المنشود الذي تدعيه هذه الأطراف فدونه خرط القتاد.

* كاتب صحفي عراقي.

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"

أضف تعليق