يبدو ان مجلس رئاسة الدولة العراقية كان يحتاج هذا الكم الكبير من الخراب الذي أصاب البصرة لكي يجتمع ويبحث أمر البصرة إذ كان من الضروري ان يموت عشرات الناس أو مئات الناس اغتيالا وان تهجر مئات العائلات البصرية
وان يهرب من المدينة كوادرها المتعلمة من أساتذة ومحامون وصناعيون وأطباء وان يغلق أهل البصرة أبواب مساكنهم عليهم وان يدب الخوف والرعب في اوصال المدينة من آولئك الزوار غير المعروفين الذين لا يتكلمون إلا ومسدساتهم بأيديهم ،
فهل كان الثمن الذي دفعته البصرة عاصمة المدن العراقية دون منازع كافيا لحد الآن أم ان بعضهم يطلب منها المزيد من التدهور والمزيد من الخطف والموت والتهجير .
لقد حركت المنارة منذ عدة أعداد تلك المياه الآسنة الراكدة ورفعت الصوت عاليا بان البصرة تحتضر وتموت ولكنها لن تموت إلا واقفة لكي تخزي قتلتها والساكتين على قتلها اليوم والى يوم الدين ويبدو اننا نجحنا في ان نحرك الضمائر إلى جانب عدد من شرفاء البصرة الآخرين في ان يجتمع مجلس الرئاسة ونعترف بان مساهمتنا على أهميتها كانت محدودة إلى جانب ما جرى من تفجر مفاجئ للأوضاع السياسية في المدينة حيث لفت الوضع السياسي المتفجر الأنظار لمحنة المدينة واهتم بأمرها القاصي والداني وتقاطرت بعض الوفود عليها ونأمل ان تكون هذه المرحلة بداية نهاية الإرهاب المحلي الذي تعاني منه المدينة ونسميه بالإرهاب المحلي لأنه لم يأتينا من الخارج لان الذين يمارسونه يعرفون تفاصيل المدينة تماما ويختفون فيها ويغيرون سياراتهم وملابسهم بسهولة دون ان نعثر لهم على اثر ودون ان نقدم أي واحد منهم للعدالة او على اقل تقدير للفضائيات العربية او غير العربية .
يؤلمنا ان ثمن تحرك القيادات السياسية في بغداد لنجدة البصرة كان عشرات الجثث ومئات العوائل المشردة وتوتر امني بالغ الخطورة أصاب مفاصل حياة المدينة ومزق نسيجها الاجتماعي ويؤلمنا ان المؤسسة السياسية في بغداد كانت تحصي جثث أهل البصرة كأنها كانت تنتظر ان يصل الرقم إلى الحدود الحمراء لكي تتحرك ، أي انهم كانوا بانتظار خراب البصرة .
اليوم وقد اجتمعوا وتناقشوا وقرروا ما قرروا عليهم ان ينقذوا البصرة لا بإعادة الأمن إلى شوارعها بل بتقديم من ارتكبوا تلك المجازر إلى العدالة فلن يرضى مواطن واحد من أهل البصرة الشرفاء بان يتم تطبيق مقولة عفا الله عما سلف ، لان الله سبحانه لا يعفوا عن القتلة ولا يعفوا عن الذين يتموا العوائل وقتلوا أبنائها دون ذنب وان طبقوا هذا الشعار لا فائدة من نصرتهم للمدينة .
قوى الأمن تعرف من الذي يمارس عمليات القتل ، لكن قوى الأمن تخاف من سطوة العصابات ولذلك فان مفتاح الحل والربط في إخراج قوى الأمن من محنتها الحالية محنة الخوف من الذين يدوسون على القانون بأقدامهم ، ومفتاح الحل والربط هو بفتح تحقيق دقيق بكل حوادث الاغتيال التي جرت في المدينة واحدة واحدة دون نسيان أي منها أو دون إغفال أي منها منذ سقوط النظام إلى اليوم مع التركيز على الأشهر الأربعة الأخيرة حيث جرى سبي البصرة بطريقة منهجية ويومية ومستمرة فبينما سقط العشرات من القتلى في الأشهر الأربعة الأخيرة لم يسقط ولا قاتل واحد في قبضة العدالة وتلك هي نقطة البدء ومربط الفرس ان صح التعبير .
ان أرادت الدولة ان تداوي البصرة بالمسكنات فلا خير بهذا الدواء ، وفي الحقيقة انها لا تملك اليوم غير المسكنات وبالتالي لا ندري على أي أساس سوف تتحرك وكيف خصوصا وان دولتنا لا تتنازعها المهنية والمصداقية وإنما تتنازعها الحزبية والطائفية والمصالح السياسية وهنا يكمن مصدر خوفنا بأنها لن تكون جدية في إحداث تغيير شامل بالوضع الأمني والاقتصادي في المدينة وغياب الجدية هو عيب عام مستشري في جميع مفاصل الدولة العراقية وكأن ما يجري في كل مكان مجرد عمليات وقتية أو مرحلية أو انها لامتصاص النقمة أي العمل بالمسكنات .
ان جميع القوى السياسية في المحافظة ، جميع الأحزاب الدينية، جميع الشخصيات مطالبة اليوم بحل طلاسم الوضع الأمني المتردي ، مطالبة ان تضع ما لديها من معلومات بيد العدالة وان تتكاتف لإنقاذ البصرة وهنا فقط يكمن الحل الجدي والحقيقي للمشكلة وان لم تفعل فانها تشارك بشكل أو بآخر باستمرار محنة البصرة .
جريدة المنارة العراقية
بعد خراب البصرة ! - د. خلف المنشدي
