هيئة علماء المسلمين في العراق

اعترافات ..... سعد محيو
اعترافات ..... سعد محيو  اعترافات ..... سعد محيو

اعترافات ..... سعد محيو

الآن فقط بدأ الأمريكيون ونقصد هنا بالطبع المسؤولين السياسيين والإعلاميين لا الناس العاديين يعترفون بأنهم دمروا العراق، ونسفوا مقوماته كدولة حديثة أو غير حديثة، وهجروا حتى الآن 7 في المائة من سكانه، وقوضوا بنيان طبقته الوسطى التي كانت مرة كبيرة ومثقفة وعلمانية.

  الآن فقط يتذكر الأمريكيون جملة دونالد رمسفيلد الشهيرة، حين أبلغ بأن اللصوص يجتاحون العراق وينهبون وزاراته وجامعاته ومتاحفه بحراسة القوات الأمريكية: “مثل هذه الأمور تحدث”.

  حقاً مثل هذه الأمور تحدث. لكنها، في غالب الأحيان، كما في حالة العراق، تحدث بقرار. وهذا أيضاً ما يعترف به الأمريكيون، لكنهم يشيرون بأصابع الاتهام حياله إلى زمرة المحافظين الجدد، محملينها ليس فقط كوارث يوم الآخرة العراقي الراهن بل أولاً وأساساً مسؤولية تخطيط وتنفيذ عملية الغزو.

  بيد أن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، وأقرب ما يكون إلى البحث عن كبش فداء لتبرير الفشل الأمريكي في بلاد ما بين النهرين. صحيح أن المحافظين الجدد كانوا يدعون منذ التسعينات لتغيير النظام العراقي بالقوة، لكن هذه المجموعة، التي أسسها في الستينات ايرفنغ كريستول وورثها عنه ابنه وليام، ليست أكثر من حفنة مثقفين تحاول التأثير في القرار السياسي الأمريكي.

  المنفذون الحقيقيون للغزو والاحتلال هم المحافظون القدماء الذين يمسكون، وما زالوا، بمقاليد السلطة السياسية والعسكرية: بوش وتشيني ورامسفيلد. وهؤلاء لم يأتوا إلى العراق الا لتدميره بهدف إعادة بنائه من جديد على يد الشركات الأمريكية العملاقة نفسها التي أوصلتهم إلى السلطة، والتي تجتاح اليوم العالم برمته من شركات المياه في بوليفيا إلى حقول النفط في تشاد.

  لنتذكر معاً الوقائع التالية: في اليوم الثاني لسقوط بغداد، كانت سلطات الاحتلال تصدر مجموعة ضخمة من القرارات التي لم تشمل فقط حل الجيش وكل بنى الدولة العراقية، بل أيضاً خصخصة كل مؤسسات الدولة وشركاتها وتحويلها إلى القطاع الخاص. آنذاك، وبهدوء، تدفقت عشرات الشركات الأمريكية الكبرى على العراق لشراء هذه القطاعات، وبدأت تتحضر لإبرام أضخم الصفقات التي كان يفترض أن تمولها أموال النفط العراقي.

  هذا الجانب غير المرئي من الاحتلال الأمريكي حدث مثله تماماً من دون احتلال في دول عدة أخرى، وهو له اسم محدد: العولمة الأمريكية.

  نقطة البداية كانت في تشيلي التي نفذ فيها الأمريكيون انقلاباً عسكرياً دموياً في السبعينات، تلاه تحويل دموي للاقتصاد التشيلي نحو الرأسمالية الليبرالية المتوحشة. وبعدها كرت السبحة في باقي دول العالم مع صعود التاتشرية والريغانية، ووضعت أسس سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على كل العالم وأسواقه وموارده عبر وسيلتين اثنتين: الأولى مدنية وتتمثل بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ثم لاحقاً منظمة التجارة العالمية واتفاقات الجات لتحرير الخدمات، والثانية عسكرية وتتجسد في الجيوش الأمريكية.

  نصيب العراق كان الوسيلة الثانية. لكن هذا لم يغير من الأمر شيئاً. فهو تعرض “الى التدمير الخلاق” نفسه الذي جرى في بلدان أخرى عديدة قبله، والذي سمح لحيتان الرأسمالية الأمريكية بابتلاع الأسماك الصغيرة والمتوسطة، سواء بقوة السلاح أو بسطوة منظمة التجارة العالمية.

  الأمريكيون يعترفون بذنوبهم في العراق؟

  أجل. لكن ليس من موقع نقد الذات الإنساني أو الأخلاقي، أو بسبب طفرة شعور مفاجىء بالذنب لتحويل حياة 20 مليون عراقي إلى جحيم حقيقي، بل من باب تراشق الاتهامات حول إنفاق 250 مليار دولار وقتل 2000 أمريكي، من دون أن يؤدي ذلك إلى جعل العراق جنة أرباح للشركات الأمريكية.

  وهو، بالمناسبة، نوع من الاعترافات أسوأ بكثير من الذنب نفسه!

أضف تعليق