يتناول التقرير العالمي للتمايز بين الجنسين لعام 2013م، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي نهاية الشهر الماضي، حال 136 دولة تمثل أكثر من 93% من إجمالي سكال العام، ولتقييم التمايز بين الجنسين من حيث توزيع الموارد والفرص، بين السكان الذكور والإناث على نحو متوازن ومشاركة الجنسين في الاقتصاد والمجتمع.
الملاحظة التي استرعت انتباهي فور اطلاعي على التقرير هو غياب ذكر العراق على الرغم من تقييم أداء دول عربية وإسلامية من بينها الإمارات والأردن والسعودية وإيران. وعند البحث تبين بأن عدم ذكر العراق لا يقتصر على التقرير الحالي بل يغطي عدة سنوات سابقة، فما هو السبب؟ هل ردم العراق التمايز بين الجنسين إلى حد تجاوز فيه مرحلة التقييم وأصبح أعلى من ايسلندا التي احتلت المركز الأول في التقرير كأكثر دول العالم تقدما للعام الخامس على التوالي، أو أن التمايز باتت كبيرة الى حد لم يعد فيه من المستساغ وضعه في مستوى أوطأ من الدول التي تذيلت قائمة التقرير وهي تشاد في المركز 134 وباكستان 135 في المركز واليمن في آخر موقع وهو 136؟
لم أعثر على جواب للتساؤل، وهو على أية حال تساؤل شكلي، بالنسبة إلى "ردم الهوة بين الجنسين" أما بالنسبة لعدم ورود العراق فإن كل المؤشرات تدل إلى أننا أما أقرب إلى الافتراض الثاني، أو أقرب ما تكون إلى عدم إمكانية التحقيق بشكل مرضي وحسب المقياس المتبع، فتم إبعاد العراق وكذلك أفغانستان، الدولتان اللتان بوركتا "بالتحرير" الغربي، بقيادة أمريكا لتحقيق حرية ومساواة المرأة حسب الخطاب المعلن.
ولنفهم حال العراق وسر تغييبه عن بعض التقارير الدولية، علينا أن نطلع أولا على جوانب التقييم المتبعة من قبل المنظمات المصدرة للتقارير، والمقارنة مع تقييم التمايز بين الجنسين في البلاد العربية وشمال أفريقيا ثانيا ومن ثم النظر في واقع المرأة العراقية ثالثا.
أولا: يتم تصنيف الدول من حيث قدرتها على سد الفجوة بين الجنسين في أربعة مجالات أساسية تشمل الحصول على الرعاية الصحية والحصول على التعليم والمشاركة السياسية والمساواة الاقتصادية.. أكد التقرير على أن الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، تشهد تواجدا محدودا للمرأة في المناصب القيادية السياسية والاقتصادية، على الرغم من النجاحات الكبيرة التي تم تحقيقها في مستويات الصحة والتعليم وسوق العمل بشكل عام. وخلافا للصورة الوردية التي تقدمها الادارة الامريكية وبريطانيا عن نفسيهما باعتبارهما راعيتين لتحقيق المساواة بين الجنسين في العالم، ونرى أن الدول الاسكدنافية هي صاحبة المراكز الاولى وان الدول التي تحاربها أمريكا هي التي تتصدر بقية القائمة، أو على الأقلتكون في الجزء المتقدم منها، وأكثر تقدما من أمريكا.. إذ احتلت نيكاراجوا الترتيب العاشر عالميا للسنة الثانية على التوالي نتيجة الأداء المتميز في مجال التمكين السياسي. وجاءت كوبا المقاطعة والمحاصرة من قبل أمريكا لتكون في المركز 15. بينما احتلت أمريكا المركز 23 وبريطانيا المركز 18.
وإذا ما نظرنا الى تقييم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوجدنا تأكيد التقرير الى أنها المنطقة الوحيدة في العالم التي لم تحرز تحسنا ملحوظا في تصنيفها العام في 2013م، وحققت دولة الإمارات العربية المتحدة أعلى ترتيب في المنطقة باحتلالها المركز 109 بعدما حققت معدلات مساواة متميزة بين الجنسين في جودة التعليم، وبالرغم من ذلك لم تستفد معظم دول المنطقة بما فيها البحرين صاحبة المركز 112، وقطر صاحبة المركز 115 وغيرهما بشكل كاف من الاستثمار في مجال التعليم من خلال تمكين المرأة في تحقيق مساهمات اقتصادية وسياسية أكبر.
وبما أن العراق غائب عن تقرير التمايز بين الجنسين، لننظر إلى تقرير آخر صادر عن منظمة الأمم المتحدة – التنمية البشرية 2013م، بعنوان "نهوض الجنوب: التقدم البشري في عالم متنوع" ويتناول حال العراق بضمنه مؤشر اللامساواة بين الجنسين (GII) الذي يعكس عدم المساواة بين الجنسين في ثلاثة أبعاد: الصحة الإنجابية والتمكين والنشاط الاقتصادي. ويتم قياس الصحة الإنجابية بإحصاء وفيات الأمهات ومعدلات الخصوبة بين المراهقات، ويتم قياس التمكين بحساب المقاعد البرلمانية التي يشغلها كل من الجنسين والتحصيل في التعليم الثانوي والعالي من قبل كل منهما، ويتم قياس النشاط الاقتصادي وفقا لمعدل المشاركة في سوق العمل. تبعا لهذا، يحتل العراق المرتبة 120 من أصل 148 دولة في مؤشر 2012م. حيث خصص 25.2 في المائة من مقاعد البرلمان للنساء، و22 في المائة من النساء البالغات قد وصلن الى المرحلة الثانوية أو أعلى من التعليم مقارنة مع 69.3 بالمائة للرجال. أي أن العراق يحتل بالمقارنة مع الجزائر والمملكة العربية السعودية مرتبة أدنى من الجزائر (في 74) وأعلى من السعودية (145) حسب هذا المؤشر.
ولنأخذ مؤشرا عالميا آخر هو مؤشر "الجندر والمؤسسات الاجتماعية" لعام 2012م، الراصد لأكثر من 100 بلدا. ويستند التقييم إلى قياس الدوافع الكامنة وراء عدم المساواة بين الجنسين. فبدلا من قياس الفجوات بين الجنسين نتيجة العمل والتعليم، يتم تسجيل التمييز في المؤسسات الاجتماعية، مثل الزواج المبكر والممارسات التمييزية للميراث والعنف ضد المرأة وتفضيل الأبناء وتقييد الحركة في الأماكن العامة والقيود المفروضة على تملك الأراضي والمتاجرة. ضمن هذه المقاييس احتل العراق المرتبة 59 من مجموع 86 دولة.
ما تجدر الإشارة إليه هو تأكيد التقرير العالمي للتمايز بين الجنسين على أن حجم وتفاصيل هذا التمايز في جميع أنحاء العالم هو نتيجة مجموع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة. ويرتبط سد أو استمرار هذه الفجوات بشكل جوهري بإطار السياسات الوطنية. وهذا هو بالضبط ما ينقص العراق لا لسد التمايز بين الجنسين فحسب ولكن لتوفير الأمان والاستقرار والتعليم والصحة للجنسين، لإبعاد شبح الإبادة عنهما.. فالنظام الحالي بطائفيته وفساده منشغل بحماية نفسه ومصالحه، وآخر ما يخطر على أذهان ساسته رسم سياسة وطنية لإصلاح الحال.
* كاتبة من العراق
أين العراق في مؤشر التمايز بين الرجال والنساء؟ / هيفاء زنكنة
