هيئة علماء المسلمين في العراق

بعد ان دمر العراق وتشظي اجتماعه: إحياء مشروع التقسيم - د. بشير موسي نافع
بعد ان دمر العراق وتشظي اجتماعه: إحياء مشروع التقسيم - د. بشير موسي نافع بعد ان دمر العراق وتشظي اجتماعه: إحياء مشروع التقسيم - د. بشير موسي نافع

بعد ان دمر العراق وتشظي اجتماعه: إحياء مشروع التقسيم - د. بشير موسي نافع

عندما كتب بعض منا في نهاية العام الأول للاحتلال يقول بوصول المشروع الامريكي إلي نهايته، ظن آخرون أن تلك ليست أكثر من أوهام تنطلق من دوافع سياسية بحتة.

كان مجلس الحكم آنذاك قد استقر، وظهر السياسيون العراقيون العائدون من المنافي، من كل الاتجاهات والطوائف، يعانقون المسؤولين الامريكيين علي شاشات التلفزة. انطلقت المقاومة العراقية بعد أسابيع قليلة من سقوط العاصمة العراقية، ولكن قادة جيوش الاحتلال وحلفاءهم لم يعدموا تفسيراً ما لحركة المقاومة: فلول النظام السابق، بقايا المتطوعين العرب، عناصر عربية سنية لا تريد قبول إطاحتها عن الحكم، بعثيون يائسون، وهكذا.

وبينما طارت التوقعات بهزيمة (المتمردين و الإرهابيين) خلال أسابيع أو شهور، عقدت المؤتمرات الدولية الهادفة دعم إعادة بناء العراق وخفض ديونه، وأعلن عن عشرات المليارات من الدولارات الموعودة وعن مخططات لا أول لها ولا آخر لوضع العراق علي طريق الرفاه.

لم يعد أحد يتحدث عن أسلحة الدمار الشامل، المبرر الوحيد الذي وظف لشن حرب هائلة واحتلال بلد بالغ الأهمية بدون غطاء دولي أو قانوني. ولكن سرعان ما استدعي مبرر آخر لا يقل نبلاً: إطاحة نظام تسلطي مكروه من شعبه ومحيطه وإقامة حياة ديمقراطية في قلب الشرق الأوسط المسكون بالديكتاتوريات والتيارات الأصولية والعنف.

بيد ان التوقعات بفشل مشروع الاحتلال بنيت علي قراءة المشروع ذاته وعلى حساب ردود الفعل العراقية، لا علي الأمنيات السياسية.

بدأت إدارة الاحتلال خطواتها الأولي بتقويض أسس الدولة العراقية واستباحة مؤسساتها؛ وأظهرت توجهاً واضحاً لتسليم مقدرات عراق ما بعد الغزو لقوى لا جذور شعبية لها.
ولم يكن خافياً ان العراق الجاري تكوينه تحت رعاية إدارة الاحتلال أريد له الانفصال عن محيطه العربي، وهو الذي بنيت ثقافته الوطنية منذ ولادة العراق الحديث علي الانتماء للعروبة ورعاية مصالحها.

وفوق ذلك كله وضعت إدارة الاحتلال قواعد تقسيم البلاد وتشظية اجتماعها على أسس طائفية وإثنية، ليس فقط بتوزيع مقاعد مجلس الحكم علي تلك الأسس، بل وأيضاً وضع بذرة التقسيم في قانون إدارة الدولة والإيحاء بأن دستور العراق الجديد سيكتب انطلاقاً منها.

ما لم يره المحتلون وحلفاؤهم ان غزو بلد في حجم العراق وأهميته، بدون مبرر ولا مسوغ، ما كان له ان يمر بدون عواقب داخلية وإقليمية ودولية، وان احتلال العراق ما كان له ان يقبل من الضمير الجمعي العربي أو الإسلامي، مهما بلغ عدد المتحالفين مع الاحتلال في دوائر المعارضين العراقيين السابقين.

وليس ثمة من سياسة استخدمت لدفع الوضع العراقي إلي مزيد من التفاقم كسياسة إدارة الاحتلال وجيشه، المستهدفة قهر( السنة العرب) وإهانتهم وعزلهم عن شؤون بلادهم. كانت إدارة الاحتلال، باختصار، تشرف علي تسليم العراق لمجموعة من السياسيين الباحثين عن دور لهم مهما بلغ الثمن، علي سيناريو تدريجي للانقسام الأهلي، وعلي تعزيز المقاومة وتقديم المسوغات كاملة الشرعية لها. ولم يكن هناك مفر من الفشل.

الصورة التي تنقل يومياً من العراق، بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام علي الاحتلال، هي صورة بالغة المأساوية لاحتلال أجنبي يلفظ أنفاسه ولبلد كريم وأبي أعطب علي كل المستويات. ولم يكن غريباً بالتالي ان يمر تشكيل الحكومة العراقية الثالثة في أقل من عامين، التي استعصي تشكيلها طوال خمسة شهور من التفاوض والمساومة بين القوي السياسية، بدون أن يثير شيئاً من الاحتفال الذي كان متوقعاً داخل المنطقة الخضراء وعواصم دول الاحتلال.

كان الجنوب العراقي (ومنطقة البصرة علي وجه الخصوص) يعتبر مثالاً لما يمكن ان ينجح مشروع العراق الجديد في هندسته. فالقوات البريطانية تتمتع بعلاقات جيدة مع السكان، ولا تكاد تتعرض لأي درجة من الهجمات التي تتعرض لها القوات الامريكية في الوسط والشمال.
ولكن البريطانيين، الذين وصفوا دائماً بأنهم الأكثر دراية بالشأن العراقي، لم يدركوا حقيقة ما كان يجري تحت أقدامهم. ولم يعد الأمر إلا مجرد وقت قبل ان تنفجر الأوضاع، وتجعل من البصرة كارثة أكبر بكثير من كارثة بغداد، وفشلاً أكثر فداحة من الفشل في أنحاء العراق الأخري.
البصرة اليوم لا تشهد هجمات يومية علي القوات البريطانية وتصفيات طائفية وحسب، بل أصبحت ساحة للصراع الدموي بين  عدة مليشيات و التي يحاول كل منها فرض سيطرته علي المدينة ومؤسسات الحكم والتعليم والإدارة فيها. طبقاً لمحافظ البصرة، لم تقم شرطة المدينة وجهازها القضائي طوال السنوات الثلاث الماضية بالتحقيق في حادثة اغتيال أو قتل واحدة، في حين فقدت قوات الاحتلال قدرتها علي التحكم في مجريات الأحداث، بل وقدرتها علي إدراك حقيقة ما يجري.
وإن وضعنا العامل الإيراني في الاعتبار، في منطقة ملاصقة تماماً للحدود الإيرانية ـ العراقية وفي وقت تتعرض فيه إيران لتهديدات بريطانية وامريكية متصاعدة، فلنا ان نتصور حجم التعقيد والعطب الذي أصاب البصرة ومنطقة أقصى الجنوب العراقي.

ولا تقل الأمور في بغداد والوسط سوءاً. عمليات مجموعات المقاومة المختلفة لا تقل عن ثمانين عملية في اليوم، والخسائر في صفوف قوات الاحتلال في تزايد مستمر. وقد عادت القوات الامريكية لقصف القري والبيوت، عشوائياً في كثير من الأحيان، موقعة العديد من الضحايا. المعتقلون العراقيون في سجون الاحتلال ووزارة الداخلية العراقية بعشرات الآلاف، وإن كانت سلطات الاحتلال قد تعلمت درساً ما من فضيحة سجن أبوغريب فإن مراكز التحقيق والاحتجاز التابعة للداخلية هي في الحقيقة مراكز تعذيب وقتل رسمية.

وقد وصل العنف الأهلي مستويات بالغة البشاعة، لم يعد من الممكن بأي حال من الأحوال إخفاء حقيقة تورط قوات الداخلية والميليشيات المتحالفة معها في مجرياته.

عشرات من الجثث التي تكتشف يومياً في أحياء بغداد والمدن الأخري وهي تحمل آثار التعذيب، خلفها عشرات من حوادث الاختطاف علي الهوية الطائفية تقوم بها قوات تابعة للداخلية أو هذه الميليشيا أو تلك. عشرات الألوف من العائلات التي تم تهجيرها، أو سارعت بالهرب من مناطق تغلب عليها هذه طائفة ما. وبعجز قوات الاحتلال عن حفظ الأمن، وتحول وزارة الداخلية إلي مؤسسة للموت والإرهاب، سارع العراقيون في أغلب الأحياء والمدن إلي تنظيم أنفسهم حمل السلاح دفاعاً عن أمنهم وحياة أبنائهم وبناتهــــم. وبذلك توفرت كل العناصر الضرورية لانفجار حرب أهلية شاملة.

بالرغم من كل ادعاءات إعادة البناء، يقل إنتاج النفط والكهرباء عن معدله قبل الاحتلال. نسبة الأطفال المصابين بسوء التغذية تصل إلي ثلاثة أضعاف النسبة المسجلة في سنوات الحصار الدولي. وقد انتشر الفساد في أوساط الحكم والحاكمين، كما في أوساط الشركات العاملة في البلاد، عراقية كانت او غير عراقية، كما لم ينتشر في تاريخ العراق الحديث كله. وإذ تحتل أنباء الطبقة الحاكمة الحالية الكثير من مساحة الأخبار الوافدة من العراق، فإن جميع الأطراف ذات العلاقة تدرك ان هذا الضجيج السياسي كله لا يخرج عن كيلومترات مربعة قليلة تعرف علي نطاق واسع باسم المنطقة الخضراء، لا يجرؤ أحد من السياسيين العراقيين المتضخمين بشهوة الحكم والنفوذ علي مغادرتها.

بل ان تصاعد التوتر حول الملف النووي بين الامريكيين والبريطانيين من جانب وإيران من جانب آخر يجعل من الصعب علي المحتلين الثقة في الكثير من القوى التي تحالفت معهم قبل الغزو وبعده. أما قوات الجيش والأمن، التي بلغ تعداد من درب ونظم منها أكثر من مئتي ألف عنصر، طبقاً للتقديرات الامريكية، فتمثل واحدة من أكبر أوهام العراق المحتل. هذه قوات جندت علي أسس طائفية وإثنية، لا عقيدة قتالية لها، وبوجود الاحتلال لا يوجد بينها الكثير ممن هو علي استعداد للتضحية بنفسه من أجل سلامة نظام الاحتلال. وإن انحدرت الأوضاع إلي هوة حرب أهلية شاملة، فسيكون مصير هذه القوات التفكك والانهيار بدون أدني شك.

وحتى علي مستوي التحالف الغربي، الذي بني بعد الاحتلال لإضفاء شيء من الشرعية علي المشروع، فسرعان ما سينتهي إلي ما بدأ به الغزو، بعد ان خرجت القوات الأسبانية وأخذت الحكومة الجديدة في روما قراراً بسحب القوات الإيطالية.

خلال الأسابيع القليلة الماضية تصاعدت في لندن وواشنطن الأصوات الداعية إلي الإنسحاب من العراق، بعد ان فقدت حربهم التي لا تبدو لها من نهاية دعم الرأي العام، واتضحت حقيقة الفشل في تحقيق الأهداف المتوخاة من غزوه، الأهداف المعلنة وغير المعلنة.
وبالرغم من ان المسؤولين الرئيسيين في بريطانيا والولايات المتحدة يصرون علي عدم تحديد موعد للانسحاب، ويؤكدون علي أن الأوضاع في طريقها إلي التحسن، فإن وتيرة تسرب حديث الانسحاب إلي وسائط الإعلام في تزايد.
قرار الانسحاب لن يكون سهلاً ولا سريعاً، فسواء كانت لندن وواشنطن ترغب في ذلك أو لا، فقد تحول العراق إلي واحد من أكبر مؤشرات النفوذ والوضع العالمي.

وسواء أخذ الخروج من العراق صورة الانهيار الفيتنامي او تم بطريقة أكثر نظاماً وكرامة وتسويغاً، فإن أحداً لن يعجز عن رؤية حقيقة الفشل الكامن وراء الانسحاب. وهذا ما سيجعل اتخاذ القرار مسألة بالغة التعقيد والصعوبة. مثل هذا القرار يحتاج قدراً كبيراً من شجاعة تحمل المسؤولية وعواقبها، داخلياً ودولياً، وهو أمر يكاد يستحيل الإقدام عليه من قبل الذين أخذوا قرار الحرب.

ما يبرز الآن باعتباره المخرج من الأزمة العراقية، سواء في بعدها السياسي المحلي أو في كارثتها العراقية أو عواقبها الدولية، هو التقسيم. من كبار رجال الكونغرس في واشنطن، مسؤولين مؤثرين في إدارات سابقة، إلي عسكريين ومعلقين بريطانيين من كافة الاتجاهات، يتصاعد الجدل حول ضرورة البدء بتقسيم العراق طبقاً لأسطورة الجنوب الشيعي، الوسط والشمال العربي ـ السني، وأقصي الشمال الكردي، ومن ثم الانسحاب وترك العراقيين لتدبير شؤونهم بأنفسهم.

التقسيم ليس حلاً للأزمة التي أدخل الاحتلال العراق إلي اتونها. بل ان التقسيم سيكون ذروة الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها إدارة الاحتلال منذ اليوم الأول، وأوصلت العراق إلي ما وصل إليه. موضوعة المناطق الثلاث هي وهم محفوف بالدماء والتطهير الطائفي والإثني، فلا الجنوب شيعياً تماماً ولا الوسط عربياً ـ سنياً تماماً ولا الشمال كردياً تماماً. ينتشر السنة العرب في معظم المحافظات الجنوبية، بنسبة لا تقل عن ثلاثين في المئة في البصرة وجوار الحلة والكوت. ويتواجد الشيعة في الأنبار وصلاح الدين، كما في العديد من مناطق الشمال. وإضافة إلي مشكلة كركوك غير القابلة للحل، فإن المناطق الكردية تعج بالمسيحيين والتركمان، السنة والشيعة علي السواء. صحراء العراق الجنوبية ـ الشرقية هي صحراء قبلية سنية، وبغداد هي مركز حضري هائل من كافة الطوائف والأديان والأعراق. إن كان بإمكان العراق حتي الآن تجنب حرب أهلية شاملة، فمشروع التقسيم هو أقصر الطرق لهذه الحرب، ليس فقط بين الطوائف والأعراق الرئيسية بل داخل كل طائفة ومجوعة إثنية.

والبصرة هي شاهد مأساوي راهن علي هذا. انسحاب قوات الاحتلال، وتسليم البلاد لجمعية وطنية تمثل كافة القوي أو لقوات عربية، هو الخطوة الأولي لمعالجة العطب العميق والشامل الذي أصيب به العراق، أما التقسيم فلن يفتح إلا أبواب جهنم.

أضف تعليق