بعبارة (العراق يحتل المرتبة الثالثة عالميا في تنفيذ احكام الاعدام) بدأت منظمة العفو الدولية تقريرها الذي صدر مؤخرا وصنّف العراق ـ بعد الصين وايران ـ ضمن سلم الحكومات التي تنفذ احكام الاعدام ضد مواطنيها، حيث اكدت المنظمة ان
استخدام عقوبة الإعدام في هذا البلد وصل الى اعلى مستوياته منذ الغزو الهمجي الذي قادته الادارة الامريكية عام 2003، واصبحت هذه العبارة تثير الرعب وتدفع الى التمعن جيدا بالدوافع الحقيقية لانتهاج الحكومية الحالية لهذا الاسلوب السادي الذي وصفه بعض المتخصصين بانه اشبه بعملية الابادة البشرية.
ومن اقرب الامثلة التي تؤكد انتهاج حكومة المالكي لاسلوب الاستنزاف البطيء وتنفيذ احكام الاعدام ضد العراقيين الابرياء ضمن برنامج منظم وسري، ما حدث للمواطنين ( أحمد تركي درع عبد الله الجميلي) و ( محمد مهدي أحمد تايه الجميلي) اللذين شيعمها اهالي ناحية (الكرمة) بمحافظة الانبار في السادس من تشرين الثاني الجاري بعد ان اعدمتهما وزارة العدل الحالية في ثاني ايام عيد الاضحى الذي وافق التاسع من تشرين الاول الماضي, حيث تبين ان هذه الوزارة لم تعلن على موقعها الرسمي تنفيذ أي حالة إعدام في هذا التاريخ، ما يؤكد أنها بدأت بانتهاج سياسة جديدة وهي تنفيذ أحكام الإعدام بصمت، تجنبا للضغوط الدولية والانتقادات اللاذعة التي توجهها إليها المنظمات والهيئات العالمية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان.
فقد اكد (فيليب لوثر) مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال افريقيا في منظمة العفو الدولية ازدياد حالات تنفيذ عقوبة الإعدام في العراق بعد محاكمات جائرة وتعرض المعتقلين لشتى انواع التعذيب وإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها .. داعيا الى فتح تحقيقات فعالة في هذا الانتهاكات الصارخة وتقديم المسؤولين عنها الى العدالة.
أما صحيفة (الغارديان) البريطانية, فقد نشرت مؤخرا مقالا تحت عنوان ( الاعدامات في العراق تدابير يائسة تؤدي الى ارتفاع العنف بسبب تراجع العدالة والقانون ) للباحث (سمير جوسوامي) قال فيه "ان الديمقراطية الهشة في العراق بدأت تقوض بأحكام الإعدام الصادرة ضد العشرات من المعتقلين بعد الاعترافات المنتزعة منهم بالإكراه" .. موضحا ان ارتفاع نسبة الاعدامات في العراق أصبحت عنصرا رئيسا في الاستراتيجية التي تنتهجها الحكومية الحالية، ما يؤكد تراجع العدالة والإجراءات القانونية الواجبة ومبادئ حقوق الإنسان التي بدأت بالتآكل في هذا البلد.
واشار (جوسوامي) الى أن تقريرا المنظمة الدولية أظهر أنه في عام 2012 فقط ، نفذ الجلادون في العراق حكم الاعدام ضد (129) شخصا وهو ضعف العدد الذي شهده العام الذي سبقة ، ما يضع العراق في المرتبة الثالثة بين البلدان التي تستخدم عقوبة الإعدام .. مؤكدا ان استمرار دوامة العنف التي تنص على إعدام الناس لا تؤدي إلا الى المزيد من فقدان الثقة في قدرة الحكومة الحالية على حماية المواطنين، ولاسيما بعد ان اصبحت مؤسساتها لا ترقى إلى المعايير الدولية الخاصة بحقوق الانسان.
ولفت الباحث، الانتباه الى ان بعثة الأمم المتحدة في العراق كشفت في شهر مايس من العام الماضي 2012، عن تحفظات جدية حول نزاهة نظام العدالة الجنائية في هذا البلد، بما في ذلك انتهاكات إجراءات التقاضي السليمة، والإدانات بناء على اعترافات بالإكراه، وضعف القضاء وتفشي الفساد مع وجود إجراءات المحاكمة التي لا ترقى الى المعايير الدولية .
وفي هذا المجال, قالت (حسيبة الحاج صحراوي) نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، في تقرير للمنظمة تحت عنوان (عقد من الانتهاكات): "بالرغم من مرور عشر سنوات على غزو العراق، فأن تعذيب وإساءة معاملة المعتقلين كان واحداً من أكثر السمات ثباتاً وتفشياً في المشهد العراقي الخاص بحقوق الإنسان".
وكان الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) قد عبر في آخر تقرير قدمه إلى مجلس الأمن الدولي بهذا الشأن عن القلق البالغ ازاء استمرار تنفيذ عقوبة الإعدام في العراق بالرغم من الثغرات الموجودة في نظامه القضائي، ودعا الحكومة الحالية إلى وقف جميع أحكام الإعدام، كما طالب بإجراء مراجعة مستقلة بشأن القضايا المنظورة حاليا أمام القضاء والكشف عن المعلومات المتعلقة بعدد وهويات السجناء فيها والتهم الموجهة إليهم وإعلان نتائج هذه المراجعة.
أما منظمة (هيومن رايتس ووتش) فقد دعت السلطات الحكومية في العراق الى إعلان وقف فوري لتنفيذ جميع أحكام الإعدام، وعدّت الزيادة الملفتة للنظر في عمليات الإعدام بانها تجسد فشل نظام العدالة الحالي في الارتقاء إلى المعايير الدولية، كما طالبت السلطات الحكومية بفتح تحقيق شامل ومحايد في عمليات الإعدام التي تم تنفيذها ..مشيرة إلى أن أحد موظفي وزارة العدل اعترف بأن قرارات الإعدام تصدر مباشرة من مكتب نوري المالكي إلى مراكز الاعتقال.
واوضحت المنظمة الدولية المعنية بمتابعة حقوق الانسان ان الاصلاحات التي ادّعت حكومة المالكي بانها ستنفذها, لم تدخل حيز التنفيذ, وتواصلت الاعتقالات بدون إذن قضائي وعمليات التعذيب، وقالت إن هناك أدلة مهمة على أن قوات الأمن استغلت قانون مكافحة الإرهاب لارتكاب انتهاكات خطيرة ضد المحتجزين دون محاكمتهم.
وكانت (نافي بيلاي) المفوضة العليا لحقوق الإنسان قد دانت احكام الاعدام في العراق, واعربت في بيان لها نشر في شهر نيسان الماضي عن دهشتها وذهولها الكبير إزاء المعلومات التي ترددت بشأن الاعداد الحقيقة لعمليات تنفيذ الاعدام , واكدت ان النظام القضائي في العراق يتضمن ثغرات كبيرة جدا، ووصفت إعدام هذا العدد الكبير من الناس بانه يشبه ذبح الماشية.
من جهتها قالت (كيت ألن) الناشطة الانكليزية في مجال حقوق الانسان في تقرير نشرته صحيفة الـ(اندبندنت اون صندي) البريطانية: "إن العالم يتجه الآن نحو إلغاء عقوبة الإعدام، أو الحد منها على الأقل, لكن العراق خالف هذا الاتجاه بطريقة مزعجة ونشاهد اليوم نطاقاً مذهلاً من عمليات الإعدام في العراق" .. موضحة انه من المثير للرعب والخزي في الوقت نفسه , تنفيذ حكم الاعدام ضد (34) شخصا بينهم خمس نساء في يوم واحد خلال شهر حزيران الماضي.
واستنكرت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة, حملات الإعدام في العراق والتي تستند إلى قوانين مخالفة لالتزامات هذا البلد الدولية بشأن حقوق الإنسان .. مشيرة الى ان معظم احكام الاعدام التي تنفذها السلطات الحكومية تستند الى اعترافات يتم انتزاعها بالإكراه والتعذيب.
وطالبت المنظمة العربية في بيان لها بتشكيل لجنة تحقيق دولية بشأن جرائم التعذيب الممنهج ضد المعتقلين في السجون ومراكز الاحتجاز الحكومية، وبعقد جلسة استثنائية عاجلة لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان وتفشي ظاهرة التعذيب في العراق .. لافتة الانتباه الى إن التعذيب اكتسب طابعاً منهجياً خلال فترة الحكومتين اللتين ترأسهما نوري المالكي, وانها وثّقت المئات من حالات التعذيب التي مارستها قوات الاحتلال والقوى السياسية الحالية الموالية لها.
وعزت المنظمة في بيانها اسباب تفشي ظاهرة التعذيب في العراق إلى توظيف قانون الإرهاب ضد المعارضين والمواطنين غير المنخرطين في العملية السياسة الحالية لمجرد اختلاف الهوية المذهبية, وقالت أنه في كثير من الحالات تصل ممارسة جريمة التعذيب إلى حد القتل داخل السجون ومراكز الاحتجاز التي تشرف عليها القوات الخاصة التابعة للمالكي .. مشيرة إلى زيادة جرائم التعذيب في ظل تسييس القضاء ومنظومة التشريعات والتدابير الاستثنائية، والتشجيع الرسمي للممارسات غير الشرعية .
ورأت المنظمة أن تقاعس المجتمع الدولي عن الوفاء بمسؤولياته تجاه حماية حقوق الإنسان في العراق يشكل عنصراً جوهرياً في تفشي الانتهاكات الجسيمة والمنهجية ، بما في ذلك عدم الاستجابة لمطلب تعيين مقرر خاص لأوضاع حقوق الإنسان في العراق، في الوقت الذي جددت فيه بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في بيان لها مؤخرا، مطالبتها للحكومة الحالية بوجوب إيقاف تنفيذ جميع أحكام الإعدام عملاً بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الصارة خلال الاعوام (2007 و 2009 و 2010)، والنظر في المصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
بالرغم من المناشدات والدعوات التي توجهها المنظمات والهيئات المحلية والدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان, فان حكومة المالكي ما زالت تصر على الاستمرار بنهجها الفاشي في نصب المشانق وتعليق الاجساد, فقد تحدى المدعو (حسن الشمري) وزير العدل في الحكومة الحالية, العالم اجمع وكل الانتقادات الاممية بقوله "لن اترك منصبي حتى انفذ حكم الاعدام بآخر شخص يصفه بالإرهابي"، كما تؤكد الايديولوجية التي يتعامل بها المسؤولون في حكومات الاحتلال المتعاقبة وفقا لاهوائهم وبما يخدم مصالحهم الشخصية واجنداتهم الخارجية، زيف ادعاءاتهم بشأن المصالحة الوطنية وتشدقهم في بناء دولة مؤسسات، في الوقت الذي يعاني فيه ابناء هذا البلد الجريح منذ عام 2003 من سياسة التهميش والاقصاء والتمييز العنصري التي تنتهجها الحكومات التي تشكلت على أسس طائفية وعرقية مقيتة.
وكالات + الهيئة نت
ق + ح
منظمات حقوق الانسان الدولية تصف جرائم الاعدام في العراق بانها ابادة بشرية باسم القانون
