الحصار أنواع وأشكال، وأهم أنواع الحصار ـ من وجهة نظري ـ هو حصار النصائح المسمومة، وقد تعرّضت حماس عقب الفوز بالانتخابات، وبعد أن شكلت الوزارة لكل أنواع وأشكال الحصار؛ تعرّضت لحصار اقتصادي، فقد منعت
الدول المانحة المال عن الشعب الفلسطيني بعد فوز حماس، وتم الضغط أمريكياً على الدول العربية والإسلامية لمنعها من تقديم دعم لحكومة حماس، وإسرائيل بالطبع منذ اللحظة الأولى لفوز حماس منعت تحويل أموال الجمارك المستحقة للفلسطينيين ـ حوالي (60) مليون دولار شهرياً، وحتى عندما نجحت القوى الشعبية في جمع أموال التبرعات للشعب الفلسطيني فإن الولايات المتحدة الأمريكية تدخلت ومنعت البنوك " العربية " من تحويلها ومن ثم وصولها إلى الشعب الفلسطيني،
وهذا بالطبع سلوك أمريكي إسرائيلي دولي غير أخلاقي، يتنافى مع مبادئ الاقتصاد ومبادئ الديموقراطية معاً. وعلى الرغم من أن عدم تحويل الأموال هذا أدّى إلى عدم صرف مرتبات الموظفين، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، إلا أن الضمير الدولي لم يكترث لذلك حتى الآن. ومع ذلك فإن حماس وصبر الشعب الفلسطيني قادر حتى الآن على الصمود تحت شعار الجوع ولا الركوع، وتعرّضت حماس لنوع من الحصار السياسي؛ فالمسؤولون الحكوميون التابعون لحكومة حماس، وخاصة وزير الخارجية محمود الزهار يمتنع وزراء خارجية عرب وأوروبيون عن الاجتماع به ـ بذرائع مختلفة ـ أو حتى يرفضون دخولهم إلى أراضي تلك الدول. وصمدت حكومة حماس أيضاً على هذا الحصار السياسي، وتعرّضت أيضاً حكومة حماس إلى حملة دعائية منظمة في أكثر من مكان، وخاصة أوروبا وأمريكا، فهي منظمة إرهابية ومن ثم حكومة إرهابية، وهو نوع من اتهام الشعب الفلسطيني بالكامل بالإرهاب؛ لأنه اختار هذا النوع من الحكومة الموصوفة من قبل الانتخابات أمريكياً وأوروبياً بالإرهاب.
وتعرّضت حماس أيضاً، وحكومة حماس لحملة أمنية متصاعدة نظمتها عناصر منفلتة من فتح ـ لا تمثل فتح كلها بالطبع بل هي مرفوضة من القوى الشريفة في فتح- وتم افتعال صراعات واشتباكات وسقوط قتلى وجرحى ومختطفين من الجانبين، ومن مدنيين فلسطينيين بما فيهم طلبة مدارس أيضاً، ونجحت حماس في تخطي هذا النوع من الحصار، وتمت عملية هجوم أمني أردني على حماس بدعوى اكتشاف مؤامرة حمساوية وأسلحة وذخيرة وغيرها داخل الأردن تابعة لحماس، وصمدت حماس أمام هذا التحدي أيضاً.
ولكن الأخطر من كل هذا ... هو الحصار عن طريق النصائح المسمومة، فقد نشطت قوى معادية وأخرى محايدة وثالثة صديقة لحماس، تنصحها في اتجاه واحد تقريباً على الرغم من اختلاف مشارب هؤلاء، هذا الاتجاه هو ضرورة نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل، وتغيير ميثاق المنظمة، وبدهي أنه لو فعلت حماس ذلك لانتهت، ولفقدت مسوّغات وجودها أصلاً، وكانت غير أخلاقية، أو سارت في نفس مسار فتح في النهاية، فما هو الجديد الذي يستدعي تفضيل حماس على غيرها، ثم إن الشعب الفلسطيني الذي اختار نهج المقاومة، إذ لو كان الخيار مجرد الضيق من فساد عناصر من فتح لاختار الشعب الفلسطيني القوائم الأخرى غير حماس وفتح غير المتهمة بالفساد، وكانت موجودة وموصوفة بعدم الفساد بوضوح. مثل قائمة حنان عشراوي أو مصطفى البرغوثي أو قائمة أبو علي مصطفى ...الخ
وهكذا فإن الوقوع في هذا الفخ هو نوع من خيانة دماء الشهداء، والتخلي عن خيار الشعب الفلسطيني.
ويمكننا أن نرصد في هذا الصدد العديد من الضغط والمناشدات في هذا الاتجاه، تصريحات أمريكية وأوروبية وإسرائيلية وهذه لا تهمنا، وضغوط من حكومات عربية وهي أيضاً لا تهمنا لأنها مفهومة سلفاً، ولكن الخطير في المسألة هي تلك النصائح التي تأتي من مراقبين وكتاب وصحفيين بهدف إيجاد نوع من الرأي العام في هذا الاتجاه فيخدع به الجمهور العربي، ومن ثم يكون ضاغطاً حقيقياً على حماس التي لا تملك رصيداً إلا رصيدها الشعبي . فالأستاذ مكرم محمد أحمد الصحفي المصري المخضرم ونقيب الصحفيين المصريين السابق، يرى أنه لا مسوّغ لوجود حماس في السلطة إلا إذا تعاونت مع إسرائيل وأسقطت خيار العنف!! ويلمح إلى أن هذا الوضع يضر بالشعب الفلسطيني؛ لأن الحكومة الإسرائيلية ووراءها الشعب الإسرائيلي كله تمضي قدماً في وضع الحل النهائي وترسيم الحدود في غياب أي وجود فلسطيني، وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء إسماعيل هنية كان قد صرح بأن بإمكان الرئيس محمود عباس ومنظمة التحرير الاضطلاع بهذه المهمة، وأن حماس لا تمانع في ذلك إلا أن إسرائيل هي التي ترفض، ثم هبْ أن حماس وافقت ونبذت العنف ودخلت في مفاوضات هل تحصل شيء لم يحصل عليه أصلاً لا الرئيس عرفات طوال سنوات، ومن بعده الرئيس محمود عباس قبل أن تكون الحكومة حكومة حمساوية!!
في الإطار ذاته يلمح الأستاذ فيصل أبو خضرا ـ كاتب فلسطيني ـ (الأهرام 13 ـ 5 ـ 2006) أن ما تفعله حماس هو نوع من المزايدة غير ضرورية، وأن على الحكومة الفلسطينية أن تعترف بخارطة الطريق، وتمضي قدماً في تنفيذها على النحو التالي:
1 ـ أن يصدر اعتراف فلسطيني صريح واضح بالاعتراف بدولة إسرائيل.
2 ـ وضع حد للعنف واعتقال العنفيين وتفكيك بنيتهم التحتية.
3 ـ إعادة التنسيق الأمني مع إسرائيل بإشراف أمريكي مصري أردني.
4 ـ أن يصادق المجلس التشريعي على سلطة محمود عباس كي يصبح الناطق الرسمي والشرعي باسم السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
وفي الحقيقة فإن تجارب التاريخ تقول: إن القوى الحية لم تسقط يوماً بسبب ضغط الأعداء العسكري أو السياسي أو الاقتصادي ولكن بسبب السقوط في فخ الاستماع إلى النصائح المسمومة من الأصدقاء.
الاسلام اليوم
حكومة حماس .. وحصار النصائح المسمومة – د. محمد مورو
