بقلم: طلعت رميح
الواقعة التي جرت يوم الجمعة الماضي \'19 مايو 2006\' من قيام قوات الأمن الوقائي الموجودة ضمن القوات الفلسطينية المسيطرة على معبر رفح، ثم قيام المراقبين الأوروبيين للمعبر، بالاستيلاء على أموال دعم الشعب الفلسطيني التي كانت بحوزة الشاب المجاهد \'سامي أبو زهري\' عضو المجلس التشريعي
الفلسطيني والناطق الرسمي باسم حماس، لم تأت عفو الخاطر أو على سبيل الخطأ كما هي ليست حادثًا بسيطًا في إجراءاتها ودلالاتها، إذ مر 'أبو زهري' وأنهى جميع الإجراءات أمام الأمن الوقائي ثم فوجئ الأوربيون يستوقفونه بناء على 'بلاغ' من الأمن الوقائي الفلسطيني.
وإذا كان الأمر يبدو بديهيًا في أن يحمل الأخ 'أبو زهري' ليس فقط أموال الدعم للشعب الفلسطيني ـ في ظل تكدس الأموال في البنوك العربية وعدم وصولها للشعب في الداخل ـ وإنما حمل كل ما يمكن حمله من كل وسائل الصمود وإدخالها لدعم صمود هذا الشعب البطل، بل إذا كان المطلوب من كل فلسطيني أن يبحث في كل وسيلة لإدخال كل أشكال الدعم العربي الإسلامي إلى غزة لمواجهة الحصار الإجرامي المفروض عليها، فإن الحادث كشف أن المؤامرة من الرئاسة الفلسطينية لم تعد موجهة إلى حركة حماس وحكومتها فقط، بل ضد الشعب الفلسطيني لمعاقبته على صموده ومقاومته وعلى صبره ومثابرته وعلى كشفه لفساد بعض الذين شغلوا مواقع في السلطة الفلسطينية خلال سيطرة بعض الموظفين من حركة فتح على الحكومة، وبطبيعة الحال لأن الشعب الفلسطيني انتخب حركة حماس. كما الحادث كشف عن مؤامرة واسعة لإغلاق كل منافذ وطرق الدعم عن حركة حماس والحكومة الفلسطينية إلى درجة منع كل وسائل الصمود ـ حتى ما يمكن حمله في الجيوب أو الأمتعة من أموال ـ إذ جاء هذا الحادث بعد حادث آخر مفبرك ومفتعل في الأردن ضد حركة حماس أيضًا بتهمة إدخال السلاح إلى فلسطين لمقاومة العدو الصهيوني، وليكشف أن الحصار لحماس يجري على كافة أدوات الدعم وعبر كل المنافذ.
غير أن الأهم والأخطر هو أن الحادث كشف لماذا جرى إحلال قوات غير خاضعة للداخلية الفلسطينية في معبر رفح، ولماذا أصر رئيس السلطة الفلسطينية على أن تكون 'قواته' هي المسيطرة على المعبر وليس قوات وزارة الداخلية الفلسطينية، بما يشير إلى مخطط واسع أبعد من هذه المحاولة الإجرامية المفضوحة التي جرت ضد قائد فلسطيني شاب يتدفق عطاء لأمته ولشعبه هو الأخ 'سامي أبو زهري'، الذي على ما يبدو جرى اختياره هو شخصيًا في تلك المؤامرة باعتباره من الجيل الجديد الواعد في حركة حماس، الذي واجه على شاشات التلفزة كل لصوص السلطة وكل المرتبطين بالمخططات الأمريكية والصهيونية انتقامًا منه على أفعاله تلك.
لصوص السلطة وشرفاء حماس
المدهش في الواقعة التي جرت ضد 'سامي أبو زهري'، أنها جرت بينما لم تنته السلطة الفلسطينية من محاسبة لصوص المال العام الذين نهبوا أموال دعم الشعب الفلسطيني ووضعوها في حساباتهم الشخصية وبلغت نحو 700 مليون جنيه حسبما كشف عن ذلك النائب العام الفلسطيني، كما هي نالت من الضجيج الكثير بينما لم يجر حتى الآن الانتهاء من معاقبة المسئولين في السلطة الفلسطينية السابقة الذين تورطوا في توريد الأسمنت إلى المستعمرات الصهيونية وجدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، وأيضًا هي جاءت وسط أقوال عن أن أحد قادة سلطة فتح السابقين الموجودين في غزة ـ والمشهود له بالوقوف خلف كل عمليات تخريب السلطة حتى خلال فترة قيادة الرئيس عرفات لها ـ قد حصل مؤخرًا على مبلغ 20 مليون جنيه من إحدى الدول العربية قبل أيام من بدء الأحداث المشبوهة في غزة ـ دون تحرك من أحد ودون معرفة كيف تم إدخال ما دخل منها إلى الأرض المحتلة. غير أن الأهم من كل ذلك هو أن حادثة 'أبو زهري' جاءت وسط حالة من التوتر والاضطراب التي تشهدها غزة وصلت إلى درجة تهدد بحدوث 'صدام عسكري'، إثر قيام 'عباس' بنشر الشرطة الفلسطينية في شوارع غزة في مواجهة القوة الأمنية المشكلة من الفصائل الفلسطينية التي نشرت في غزة بأوامر من وزير الداخلية الفلسطينية للحفاظ على الأمن ولدعم شكل التعاون بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، فيما وصف بأنه محاولة من عباس لإيصال الأوضاع في غزة إلى صدام 'عسكري' بين قوات الرئاسة وقوات الوزارة، لتبرير قرار يجري الإعداد له للإطاحة بحكومة حماس من خلال إعلان حالة الطوارئ وحل المجلس التشريعي الذي تتمتع حماس فيه بأغلبية كبيرة.
وهكذا إذا تابعنا سلوك وتصرفات رئيس السلطة ـ ومع كل التقدير والإثناء على الدور الذي يلعبه رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية في التأكيد على التفاهم مع عباس في كل القرارات ـ نجده يسير وفق خطة ممرحلة ممنهجة مرتبة الخطوات لإجهاض تجربة حماس في الحكم، أو إنه مصمم وفق تلك الخطة وبمظاهر ناعمة حينًا وفظة حينًا آخر على إقصاء حماس حتى لو كان الثمن هو ما يخشاه الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية أي إشعال الحرب الأهلية في فلسطين التي يبدو أن نذر نجاحها باتت تلوح في الأفق الآن بفعل تصرفات عباس، التي يبدو أنها تجري على خلفيتها وبالتوازي معها جهود من جهات مخربة مرتبطة مباشرة بالمخابرات الصهيونية، تسعى إلى تحقيق هدف الاقتتال بأسرع وقت وأشمل صورة وبأعلى خسائر بشرية وسياسية.
الحادث المشبوه
وهكذا إذا كانت حادثة 'أبو زهري' قد جرت وسط أجواء في المحيط وفي داخل فلسطين تستهدف حصار حماس وحكومتها على مختلف الصعد ـ لا نقول إن الحادث يشوه صورة 'أبو زهري' لأن جلب عوامل الصمود واجب على كل إنسان فلسطيني ـ فإن الأخطر الآن أننا أمام مخطط تحكم حلقاته مع مرور الوقت لإشعال فتنة وحرب أهلية، كان أخطرها في الأيام الأخيرة الواقعة التي جرت في غزة منذ أيام، حينما قامت 'مجموعة مجهولة' بإطلاق الرصاص باتجاه مجموعتين متجاورتين إحداها من القوة الأمنية التي شكلتها وزارة الداخلية من الفصائل والأخرى من الشرطة الفلسطينية المنتشرة بقرار من عباس، مما أدى لتصور كل من القوتين أن الأخرى تهاجمها أو أنها مهاجمة من القوة الأخرى، فأطلقت المجموعتان الرصاص باتجاه بعضهما البعض، فوقع عدد من الجرحى في تلك المعركة التي تم ترتيبها وتدبيرها من تلك المجموعة 'المجهولة' والتي من هم خلفها معلومين للأسف.
وإذا كان من البديهي القول: إن تصرف عباس بنشر قوة الشرطة في مواجهة قوة أمنية فلسطينية هو ما وضع أساسًا للتوتر وهيأ الأجواء للتربص ومكن تلك المجموعة 'المجهولة' ـ المتعاونة مع المخابرات الصهيونية ـ من إشعال تلك الفتنة وإطلاق مواجهة عسكرية، فإن المهمة الصعبة الآن والملقاة على عاتق كل الفصائل الفلسطينية هي ضرورة التحرك العاجل لإخراج غزة من الدخول في حالة فتنة مدمرة يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني كله وليس حفنة العملاء أو الخونة أو المخطئين، ولا يستفيد منها إلا الكيان الصهيوني.
والمخرج مما يجري يحتاج إلى السير في خطوط متوازية واتجاهات متعددة لا في اتجاه واحد. فهناك خط الرد باتجاه العدو الصهيوني لإعادة المعركة إلى وجهتها الصحيحة وإلى أسسها وأصولها وبما يكشف دور وجهود ووجهة العملاء بالمقابل، وهناك الحشد الشعبي المنضبط باتجاه تأكيد الوحدة الوطنية الفلسطينية والذي يمكن تحت غطائه الضغط لسحب المظاهر المسلحة، هذا بالإضافة إلى تفعيل دور الفصائل غير المشاركة في السلطة [الرئاسة أو الحكومة] للوصول إلى حالة من التهدئة تسمح بمرور الأزمة الراهنة.
وهكذا، فإذا فتشنا في الواقعة التي جرت ضد 'أبو زهري' في معبر رفح لوجدناها محاولة أخرى لإشعال فتيل الحرب الأهلية الذي يبدو أن بدائل كثيرة وضعها مخططوها في داخل فلسطين وخارجها، وأنها لا تستهدف فقط ما هو سطحي من محاولة إبلاغ الشعب الفلسطيني أن حماس تأتي بالأموال من الخارج لصالح الحركة وتترك الموظفين بلا رواتب..إلخ، إذ الفلسطينيون جميعًا يعلمون أن حركة حماس لم تأت للسلطة لاستفادة منها وإنما جاءت لخدمة الشعب الفلسطيني وقضيته وأنها ليست مثل الذين نهبوا أموال السلطة ويعرقلون كل محاولات إصلاحها.
مفكرة الاسلام
حكاية \'أبو زهري\' ..مع لصوص السلطة!
