هيئة علماء المسلمين في العراق

بلاد المفقودين! - بثينة شعبان
بلاد المفقودين! - بثينة شعبان بلاد المفقودين! - بثينة شعبان

بلاد المفقودين! - بثينة شعبان

نشرت جريدة «الهيرالد تريبيون» الدولية في عددها الصادر يوم الخميس 18 أيار 2006 مقالاً بعنوان «رهائن الحرب» مدعوماً بالأرقام والصور تحدّثت فيه بشكل تقريبي عن أعداد ومهن الرهائن الأجانب الذين خُطفوا في العراق، ومبالغ الفدية الباهظة التي تُطلب لإطلاق سراحهم والتي تُستخدم لتمويل عمليات اختطاف أخرى. وذكر المقال أنه منذ الحرب على العراق خُطف 439 شخصاً من الأجانب من جنسيات مختلفة من الصحفيين والأطباء ورجال الدين والمترجمين والنساء والدبلوماسيين والمتعاقدين وغيرهم. ورغم أن المقال ذكر أن وزارة الداخلية العراقية والسفارة الأمريكية في بغداد، قد سجّلتا بالمقابل خطف مئات العراقيين، فإن المقال لم يركز على الإطلاق أنّ مئات الآلاف من العراقيين قد خُطفوا أو قُتلوا منذ بداية الحرب على العراق، وأنّ آلاف النساء والأطفال قد خُطفوا وبيعوا كما كان يُباع العبيد، وأنّ أحداً لا يُحصي اليوم من يقتل ويخطف في العراق كلّ يوم لأنّ العراق، بلد حضارة ما بين الرافدين، ولأنّ بغداد، مدينة السلام، قد أصبح اليوم مسرحاً للقتل والخطف وأنّ تصفية منظّمة تتم ضدّ علمائه وأطبائه ومفكريه وإعلامييه.

والسؤال الذي لا تطرحه مثل هذه المقالات هو من يتحمّل مسؤولية ما يجري في العراق، وما يكابد منه الشعب العراقي، كما لا يقوم أحد بمراجعة من دقّوا طبول الحرب من المروّجين للحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط. ولكنّ المقال اختتم بعبارة مختصرة مفادها أن العراق قد أصبح «أرض المفقودين». إن الأيام القادمة والسنوات القادمة تعد بمخاطر أكبر على وحدة العراق وشعب العراق ومستقبل العراق، ومع ذلك نجد من يجرؤ على دعم السياسات الأمريكية المماثلة ضدّ فلسطين وضدّ لبنان وضدّ سورية بذرائع ذات أهداف مماثلة للذرائع التي استُخدمت من أجل شنّ الحرب على الشعب العراقي وحضارة العراق وتاريخه.

والمخاطر لا تستهدف العراق وحده، بل تستهدف العديد من الدول العربية، ومع ذلك نقرأ بألم شديد انضمام بعض الأصوات العربية إلى الموجة التي تستهدف وجودهم ومستقبلهم. كما نلحظ انخراط الآخرين بمعارك جانبية تضعف الجميع وتقوّض مصداقيتهم وقدرتهم على مواجهة التحديات، بينما يراقب الأعداء اشتعال الحرائق من دون أن يضطرّوا إلى تلويث أيديهم بإشعال عود ثقاب! وإذا كان لنا أن نتّعظ من الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة، والتي مرّت مؤخراً دون ضجيج يذكر في العالم العربي، فعلينا أن نستعيد إلى الأذهان التناحر الذي أودى بجميع المتناحرين في فلسطين وخارجها، وكانت أرض فلسطين وقدسها هما ضحايا الافتقار إلى وحدة الرؤيا والهدف، ووحدة الإرادة والمصير. لا شكّ أن الوضع معقد ومنهك ومجحف لكلّ المؤمنين بأرضهم وديارهم وعروبتهم، ولكنّ مواجهة هذا الوضع لا تتم من خلال الغرق في تفاصيله والانخراط في الإطار الذي رسمه لنا أعداؤنا، ولكنّ المعالجة تتم من خلال التسامي على الجراح والخروج من الواقع المهين والتركيز على الرؤيا والهدف كي لا نغرق في التفاصيل ولا نحيد عمّا تتطلبه منّا المصلحة العليا لشعوبنا وأوطاننا.

أن يرحب بعض اللبنانيين بالقرار 1680 والذي يعتبرونه ضدّ سورية فهذا يعني أنهم يرحبون بما هو شديد الضرر بلبنان لأنّ المعادلة الأساسية والسليمة هي أن كلّ ما يلحق الأذى بسورية يلحق الأذى بلبنان ولا يمكن لعاقل أن يجادل في ذلك. أما أن يستخدم لبنان ضدّ سورية فهذا أيضاً من علائم الضعف الذي وصل إليه بعض العرب اليوم، وأن يتقاتل الإخوة الفلسطينيون على صلاحيات في ظلّ احتلال بغيض يستهدفهم جميعاً فهذا أيضاً من علائم العجز والوهن اللذين اعتريا هذه الأمة في المرحلة الأخيرة. إن المخطط هو أن تصبح أرضنا جميعاً «أرض المفقودين» وليس أرض «المخطوفين» فقط، لأن الهدف هو تجويع العرب وحصارهم وخطفهم وقتلهم والاستيلاء على حضارتهم وأرضهم وثرواتهم.

أوَليس على العرب أن يتوقفوا ويتذكروا أين كانت إسرائيل في عام 1948 وأين هي اليوم؟ لا لكي يعتري اليأس نفوسهم، بل كي يدركوا أنهم فقدوا خمسين عاماً وفشلوا خلالها في وضع الآليات السليمة التي تحوّلهم إلى أمة يُحسب لها حساب، وليعترفوا بأنهم تأخروا وأنّ أسباب ما يجري لهم اليوم خارجية وذاتية في آن معاً، وأنّ عليهم أن يواجهوا الذاتي منها ويعالجوه كي يشتدّ عودهم في مقاومة القادم من الخارج منها. وصحيح أنّ المخطط ضدّ هذه الأمة مكتوب ومعلن ويستهدف وحدتها وخيراتها ومستقبلها، ولكنّ الصحيح أيضاً هو غياب الرؤية والاستراتيجية الواحدة لمواجهة هذا المخطط بأنجع السبل والأساليب.

ويمكن أن تكون البداية أيسر مما يتوهم الكثيرون. قد تكون البداية بحملة وخطة للحفاظ على اللغة العربية في البلدان العربية وخارجها وإثارة الوعي الدفين بجمال هذه اللغة، وأدبها وفلسفتها وتاريخها، وقد تكون البداية من خلال التركيز على الأنشطة الثقافية المشتركة بين البلدان العربية وفي عقد ندوات الشعر والقصة وفي تبادل المسرح وفي تعزيز هذه الهوية المستهدفة اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى. وقد تكون البداية من خلال تشكيل وفد من بلدان عربية مختلفة يسافر إلى بلدان عدّة مزوّدةً بالوثائق والصور لتشرح للرأي العام العالمي ماذا يجري في العراق وفلسطين، وماذا يُحاك ضدّ لبنان وسورية والسودان، فها هي سيندي شيهان، المرأة الأمريكية التي خسرت ابنها في العراق، حرّكت حملة دولية واسعة ضدّ الحرب على العراق. وها هي الجامعات البريطانية تستمر في التحضير لمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، وها هم الأحرار في العالم يطيحون الحكومات التي دبّرت الحرب على العراق واحدةً تلو الأخرى.

ولنتذكر مئات المؤسسات والجمعيات التي تمّ تأسيسها لإظهار الوجه العنصري لجنوب إفريقيا. أحد الخيارات هو تشكيل مجموعة للدعوة إلى مقاطعة اسرائيل اقتصادياً في العالم وإظهار أسباب ذلك، وأخرى تشرح للرأي العام الأمريكي حقيقة الوضع في الشرق الأوسط وسبل معالجته بعيداً عن التضليل الإسرائيلي. إنها لكارثة كبرى أن يتحول العراق إلى «بلاد المفقودين» ذلك العراق التي أنتج الشعراء والكتّاب والأدباء والفلاسفة، عراق السيّاب ومحمد مهدي الجواهري ونازك الملائكة، فهل ننتظر نحن العرب جميعاً كي تتحول نكبة فلسطين إلى نكبة الأمة، أم ندرك أبعاد الأخطار التي تحيق بنا جميعاً ونُعدّ لها العدّة المناسبة لمواجهتها؟ وباعتباري أماً وامرأة أدعو النساء العربيات أولاً إلى التحرك وتشكيل حركة «أمهات من أجل فلسطين، وأمهات من أجل العراق» كي نجيب عن سؤال الطفل السجين أنور ذي الثلاثة أعوام حين أطلق السجانون الإسرائيليون سراحه مؤخراً، وتركوا أمّه والتي هي أم لأربعة أولاد في السجن، فسأل «وين ماما»! ، يجب أن نجعل العالم يدقّ أبواب السجون الإسرائيلية ليقول لأنور هذه ماما، حرة طليقة ومقاومة عنيدة.

الاستهداف من نيويورك وتل أبيب وأماكن أخرى موجود، ولكنّ المناعة العربية الداخلية هي الوحيدة القادرة على إيقاف هذا التردّي وعكس مجرى الأحداث بما يتناسب ومصلحة ومستقبل هذه الأمة.

الشرق الاوسط

أضف تعليق