هيئة علماء المسلمين في العراق

الشرق الأوسط الكبير\" بعد فشل مخطط تطويعه بالقوة - د. عبد الهادي بوطالب
الشرق الأوسط الكبير\" بعد فشل مخطط تطويعه بالقوة - د. عبد الهادي بوطالب الشرق الأوسط الكبير\

الشرق الأوسط الكبير\" بعد فشل مخطط تطويعه بالقوة - د. عبد الهادي بوطالب

يظهر ما يسمى في المشروع الاستعماري الجديد “الشرق الأوسط الكبير” في مشهد بائس خطير، بعدما فشل المخطط الأمريكي لتطويعه بالقوة العسكرية على أثر إخفاق الإدارة الأمريكية في تجربتين حربيتين أساسيتين: غزو أفغانستان والعراق. وقد أظهرت التجربتان أن مخطط الحروب الاستباقية المفاجئة التي لا يسقط فيها أموات أمريكيون طوبائي من نسيج الخيال وغير قابل للتطبيق.

وكنت كتبت في مقال سابق أن هذا المخطط ليس من “إبداع” البيت الأبيض الحاكم اليوم، ولم يُوضع في تداعيات ضربة 11 سبتمبر/ايلول الإرهابية، بل يعود تاريخ التفكير فيه إلى السبعينات من القرن الماضي. لكن الضربة التاريخية التي أصابت الولايات المتحدة في عُقر دارها وأوجعتها دفعت البيت الأبيض - وهو في لحظة الانفعال والتشنج - إلى المبادرة المتسرّعة لتنفيذه، فاختار الرئيس بوش لتجربته واجهة أفغانستان أولا فواجهة العراق. ولئن كان مردّ اختيار واجهة أفغانستان إلى وجود زعماء القاعدة في كهوفها وجبالها، فإن اختيار شن الحرب على العراق جاء لخدمة مصالح “إسرائيل” العليا بناء على نصيحة هذه الأخيرة.

وها هي الولايات المتحدة سجينة في قبضة العراق لا تستطيع أن تفلِت، وقد دخلت حربُها ضد العراق السنة الرابعة ولما يظهرْ لها نهاية. فلا نظام طالبان قد سقط، ولا ألقي القبض على ابن لادن حيا أو ميتا كما كان يتوقعه بوش ويتمناه وأعلنه في عدد من تصريحاته. والعراق لم يستقر بعد، ولا يبدو أنه على وشك الاستقرار. وما زال الأمريكيون بالعراق في “جنتهم الجهنمية” يسقط منهم كل يوم المزيد من القتلى ويرتفع عدد المصابين.

في كل تدخل عسكري قامت به الولايات المتحدة لحد الآن اضطرت إلى الفرار من المعركة (ومُكره أخاك لا بطل). وكان بدء الفرار الأمريكي من المعركة في جمهورية الصومال في التسعينات من القرن المنصرم. ولم يصل بها عدد الموتى الأمريكيين إلى ما هو عليه اليوم في العراق بل كان أقل بكثير.

اعتاد الجيش الأمريكي عندما ينسحب من المعركة - وقد حمي وطيسها- أن يترك للفصائل الوطنية حاملة السلاح البدائي سلاحا أمريكيا متطورا لا تتمكن به من الانتصار على الفصائل الأخرى، لكنه يساعد على إذكاء نار الاقتتال بما يجعله يمتد ويطول.

وقد ذكرت مصادر الإعلام الأسبوع الماضي أن التطاحن الذاتي في الصومال أفرز أن بعض الفصائل تتوافر على هذا السلاح المتطور الذي زوّدها الأمريكيون به، وأنه سلاح غريب عن الصومال ولم يسبق أن استعمل مثله في الحروب القبائلية الصومالية. وزاد الإعلام يقول: إن هذا السلاح تستعمله الحركة الإسلامية التي تسمى حركة “المحاكم الشرعية”، والتي تدعمها أمريكا ويقال عنها إنها تواجه في الصومال تنظيم القاعدة، بينما تؤكد الأوساط المطلعة أن لا وجود للقاعدة في الصومال.

مشهد واجهة القتال في العراق أمسى قاتم الصورة ومزعجا للأمريكيين ومُربكا لوعود الرئيس بوش لشعبه بقرب الانسحاب من العراق وتحقيق النصر الموعود. وفي كل مرة يتحدث الرئيس عن واقع العراق - وهو يتحدث عنه بتفاؤل مرتين في اليوم على الأقل- تنزل شعبيته إلى الحضيض.

لقد بلغت شعبية الرئيس الأسبوع الماضي في عملية استطلاع الرأي 29% فقط. وهي شعبية لم يتدنّ إلى مستواها أي رئيس أمريكي سابق منذ نشأة الولايات المتحدة وإلى الآن. وإذا ما اضطر الجيش الأمريكي للانسحاب من العراق (وهذا وارد) فقد يترك لبعض الفصائل المقاتلة بالعراق بعضا من سلاحه ليحْمى وطيس الحرب أكثر، ويتفرج عليها الرئيس الأمريكي من البيت الأبيض قبل أن يودعه سنة 2008.

يقوم المخطط الأمريكي سالف الذكر على تقسيم أوطان الشرق الأوسط الكبير وتقزيم عمالقتها ليصبح الشرق الأوسط مجموعة كيانات صغيرة الحجم، تحكمها أقليات عددية تسودها وتستفرد بها “إسرائيل” التي يشغلها ويؤرّقها حجمها المحدود حيث لا تتجاوز خمسة ملايين نسمة رغم ما قيل عن تنامي الهجرة إليها. ولا يمكنها - وحالتها هي هذه - أن تسود وتحكم أوطانا ذات حجم ديمغرافي كبير، مثل إيران، ومصر، والسودان، لذا فالمخطط الأمريكي “الإسرائيلي” يراهن على تقزيم الأوطان لترشيح “إسرائيل” لقيادتها على أن يعوض قوة - جيشها وهو الجيش الرابع في عالم اليوم-، وسلاحها النووي نقصها على مستوى الحجم الديمغرافي.

ولعل البيت الأبيض يكتفي في المرحلة الأولى بمكسب تقزيم الأوطان تمهيدا لتحقيق مشروع بسط السيطرة على المنطقة العربية وخلق نظام شرق أوسطي جديد تحكمه “إسرائيل” بالنيابة عن الولايات المتحدة، وقد أصبح العراق مقسما إلى طوائف.

وتتوالى ضغوط التقسيم على حكومة السودان، وتطالبها الإدارة الأمريكية بالتعامل مع إقليم دارفور كما لو كان كيانا مستقلا عن الخرطوم. ويُتلفِن الرئيس بوش الذي قاطع رئيس جمهورية السودان الجنرال البشير ليضغط عليه أن يقبل حضور القوات الدولية الى الاقليم في سعي لتدويل قضية النزاع، وأن يحل مشكلته على غرار حل مشكلة تحرير الجنوب السوداني بتقاسم السلطة والثروة وتسمية نائب عن الإقليم في منصب نائب رئيس الجمهورية الثالث.

وبلغت عملية الشد والجذب أشدها وتكاد تدقّ طبول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. وترفض الأولى محاورة الثانية للوصول إلى حل توافقي لمشكلة تخصيب اليورانيوم. وقيل إن البيت الأبيض يبحث في إيران عن حليف ينصاع إليه.

وفي مصر يبدو أن حركات الاحتجاج والتظاهرات ضد النظام المصري، والمواجهات بين المسلمين والأقباط المسيحيين من جهة، والمواجهة الساخنة بين النظام والحركات الإسلامية من جهة ثانية، وخلق جو الفوضى الغريب عن مصر، كل ذلك تراهن عليه الولايات المتحدة لتحقيق شرخ مجتمعي يُفضي إلى تقسيم مصر الدولة الكبرى إلى دويلات.

لا يحسن أن نختم هذا المقال على نغمة التشاؤم، فأماني الولايات المتحدة في تقزيم كيانات الشرق الأوسط ستتبخر كما تنوسي مخطط الحروب الاستباقية ودخل في خبر كان. وحملة الانتخابات الرئاسية التي ستجري سنة 2008 بدأت منذ الآن في الولايات المتحدة وسبقت أوانها، والاتجاه السائد هو فوز معارضي سياسة الرئيس بوش في الانتخابات.

والكل مُجمع على أن المطلوب هو إيجاد بديل عن سياسة بوش ومراجعتها بما يعيد إلى الولايات المتحدة سمعتها ومكانتها في المجتمع الدولي. وهذا ما سيجعل من الانتخابات الرئاسية محطة تحول جذري وما سيميزها عن الانتخابات الروتينية السابقة التي كان فيها الحزبان الوطنيان الكبيران يكرران نفسهما ولا يختلفان على شيء لا في السياسة الداخلية ولا في السياسة الخارجية.


الخليج الامارتية

أضف تعليق