هيئة علماء المسلمين في العراق

يحيا التكامل العربي.. يسقط دافوس! – حازم يونس
يحيا التكامل العربي.. يسقط دافوس! – حازم يونس يحيا التكامل العربي.. يسقط دافوس! – حازم يونس

يحيا التكامل العربي.. يسقط دافوس! – حازم يونس

ما أشبه الليلة بالبارحة، هذا المثل العربي الشهير وجدته يلح على ذهني وأنا أتابع الخلاف الدائر بين مناهضي العولمة ومؤيديها حول إقامة منتدى دافوس بشرم الشيخ؛ ففي حين يذهب دعاة العولمة إلى أن المنتدى فرصة للانفتاح على الآخر، فإن مناهضيها يرونه وسيلة لتمكين الشركات العملاقة من ابتلاع العالم النامي.
وهو نفس الموقف الذي شاهدته بنفسي عندما كنت أقوم بتغطية فعاليات الاجتماع الذي دعت إليه بالقاهرة شبكة المنظمات الأهلية العربية غير الحكومية في ديسمبر 2005 لتحديد رؤية عربية موحدة لمواجهة سلبيات اتفاقية الجات؛ فوقتها تحول الاجتماع إلى ما يشبه ساحة المعركة، وتبارى الحاضرون في تسفيه آراء بعضهم، وكانت النتيجة في النهاية "اتفاق على عدم الاتفاق".

والشبه بين الموقفين كبير، فاتفاقية الجات -التي اجتمعوا لتحديد رؤية لمواجهتها- تهدف في الأساس إلى تحرير التجارة البينية بين الدول، وهو نفس الهدف الذي يسعى له منتدى دافوس، ولكننا بدلا من أن نشغل أنفسنا بكيفية التعامل مع هذا الهدف -الذي سيتحقق إن عاجلا أم آجلا، وسواء رضينا أم لم نرض- شغلنا أنفسنا بمناقشته من حيث سلبياته وإيجابياته، والموقفان خاطئان.

فدعاة تحرير التجارة نقول لهم: ما هي المقومات التي نملكها تؤهلنا لأن نكون ندا في عالم التجارة العالمية؟ ودعاة الانغلاق من مناهضي العولمة نقول لهم: وهل تضمنوا لنا أن نظل منغلقين على أنفسنا، وألا يفرض هذا الاتجاه علينا مستقبلا، خاصة أن بوادره بدأت تفرض نفسها علينا وبقوة؟.

إذن فالعقل يقول إن امتلاكنا للمقومات التي تجعلنا ندا في عالم التجارة العالمية هو السبيل لإرضاء الطرفين، وتوفيرها هو ما يجب أن يشغلنا، بدلا من الاهتمام بمناقشات لن تؤدي إلا إلى توسيع هوة الخلاف بيننا. وهذه المقومات هي تحقيق مزيد من التكامل الاقتصادي العربي عبر مزيد من تحرير التجارة البينية بين الدول العربية.

واقع مخز ومحاولات بائسة
وإذا نظرنا إلى الواقع فسنجد أن حجم التجارة بين دول المنطقة العربية ضعيف جدا إذا وضع في مقارنة مع حجم التجارة بين مناطق أخرى بالعالم؛ ففي حين يصل حجم التجارة البينية بين الدول العربية إلى 10% وفق إحصائية صادرة عن معهد التخطيط العربي عام 2005، نجد أن حجم التجارة بين دول الباسيفيك يصل إلى 70%، وبين دول الاتحاد الأوروبي إلى 67%.

ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل إن هذا الحجم الضئيل لم يكن بين أقطار متباعدة جغرافيا كما تشير نفس الإحصائية، بل تميز في غالبيته بالتركيز بين دول عربية مجاورة لبعضها؛ فعلى سبيل المثال تركزت الصادرات البينية لسلطنة عمان في دولة مجاورة واحدة وهي الإمارات بنسبة 80%، وتركزت صادرات البحرين في دولتين وهما السعودية (34%) والإمارات (24%)، ويتجه نصف الصادرات البينية لتونس إلى ليبيا، كما يتجه نصف صادرات الجزائر البينية إلى المغرب.

ورغم المحاولات التي بذلت من قبل الجامعة العربية عن طريق إقرار اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، كمرحلة لإنشاء السوق العربية المشتركة، فإن هذه الاتفاقية وبالرغم من انقضاء 6 سنوات على انطلاقها لا تزال تعاني بعض القيود التي تحول دون استفادة قطاع الأعمال العربي من التسهيلات والامتيازات التي توفرها؛ وهو ما وصل بنا إلى هذا الوضع المتردي الذي كشفت عنه الأرقام السابقة.

قيود تنتظر من يفكها
يعتبر تحديد المشكلة بداية لحلها، وهذا ما عملت الجامعة العربية على تحقيقه عن طريق العديد من الدراسات والمسوحات الميدانية التي قامت بها، وكان من نتيجتها تحديد قيود بعضها جمركي، والآخر غير جمركي.

ومن هذه القيود تعددية المواصفات لنفس المنتج، وفرض معايير ومواصفات مغايرة لتلك التي تفرضها الدولة على سلعها المحلية، وكثرة الوثائق غير الضرورية التي تطلب مع البضاعة، والقيود التي تفرضها بعض الدول على إجراءات التحويل، وتعدد أسعار الصرف، وفرض العديد من الدول لرسوم عديدة كرسوم طوابع وإحصاء وبيطرة ومرور على الطرق، وغياب آلية لتسوية المنازعات التي تنشأ مع زيادة حجم التبادل التجاري، وعدم الاتفاق حتى الآن على قواعد المنشأ التفصيلية للسلع العربية والتي بمقتضاها نمنع دخول سلع أجنبية للاستفادة من المميزات التي تتيحها المنطقة للسلع العربية.

كما تمثل الإجراءات المعقدة التي تفرض لتخليص سلعة من المنافذ الجمركية واحدة من أهم المشاكل، حيث تشترط بعض الدول الحصول على موافقات يصل عددها إلى العشرين؛ وهو ما يجعل معاملات التصدير والاستيراد تستغرق أكثر من شهر، وهذا يقود إلى ارتفاع تكاليف التجارة الخارجية، ومن ثم تدني القدرة التنافسية للسلع العربية، ناهيك عن تعرض بعض البضائع للتلف.

هذا فضلا عن مشكلة النقل بين الدول العربية كالتكلفة العالية وعدم وجود وسائل نقل منتظمة بين المغرب والمشرق العربي، ونقص المعلومات الاقتصادية والتجارية ذات العلاقة بالقوانين والتشريعات التجارية الخاصة بالأسواق العربية، وصعوبة الحصول على تأشيرات بعض الدول العربية.

الحل لا يزال غائبا
ولكن رغم أن المشكلة صارت معروفة ومحددة، فإننا ما زلنا عاجزين عن حلها، بل ولم نتخذ خطوات ملموسة لحلها، وأصبح كل ما يشغلنا هل نحن مع إقامة دافوس أم لا، ونبذل في سبيل ذلك جهدا كبيرا عبر مظاهرات ينظمها مناهضو العولمة، ليرد عليهم دعاتها بتنظيم مؤتمرات تهاجم أفكارهم، وهو ما يضيع جهدنا في أمور لا طائل منها، لننسى القضية الأهم وهي تحقيق التكامل الاقتصادي الذي لن يتحقق إلا إذا نجحنا في إزالة القيود التي تعوق تنفيذه.

وهذا الموقف يعيد إلى الأذهان قصة كنت قد قرأتها في أحد كتب الاقتصاد كمثال على العمل الذي بلا جدوى والذي لا ينال صاحبه إلا بذل الجهد دون أن يكون أمامه هدف ملموس يسعى لتحقيقه، وهي قصة مأخوذة عن إحدى الأساطير اليونانية حيث أمر خلالها الإله الملك الظالم بعد وفاته بأن يرفع الحجارة إلى أعلى الجبل، وعندما يصل إلى أعلى تسقط منه، ليأمره بالنزول مرة أخرى لحملها، وعندما يصل لأعلى تسقط منه مرة أخرى، ويظل هكذا لمرات عديدة.

فليسقط دافوس
إذن فإن ما ننشده في النهاية هو أن نأخذ موقفا إيجابيا يضع نصب عينيه توفير مقومات تمكننا من مواجهة التحديات التي يفرضها النظام العالمي الجديد الذي يعتبر منتدى دافوس أحد مظاهره، ووقتها سننضم كلنا لمظاهرات مناهضي العولمة لنقول "فليسقط دافوس" و"يحيا التكامل الاقتصادي العربي".

اسلام اون لاين

أضف تعليق