كثير من الأصوات الأكاديمية في الغرب (وأقل منها في الشرق) صارت تطرح بقوة وفظاظة فكرة التقسيم كحل وحيد للخروج من المأزق الحالي الذي يواجهه العراق. الأطروحة الممجوجة تقول إن العراق مكون من ثلاثة أجزاء غير متوحدة عملياً
: الأكراد في الشمال, السُّنة في الوسط, والشيعة في الجنوب. هناك عدة ملاحظات على هذا الطرح من حيث مضمونه, ومن حيث موقع المدافعين عنه.
أولاً: ومن ناحية نظرية بحتة لا تشكل حالة العراق حالة استثنائية في حالات الدولة/ الأمة بشكلها المعاصر, لجهة تكويناتها الإثنية أو الدينية أو القومية المتعددة, وأحياناً المتنافرة. ولو كان التقسيم هو الحل الوحيد للخروج من الصراعات الدينية والقومية داخل كل بلد من البلدان في العالم, لتضاعف عدد الدول الموجودة حالياً على الأقل خمس مرات. أميركا نفسها قامت على ولايات بدا في مطلع أمر التأسيس شبه استحالة توحدها لتنافراتها الدينية والولائية وشبة القومية. بريطانيا قائمة على وحدة بين أربعة أجزاء (ويلز, أنجلترا, أسكتلندا, وإيرلندا الشمالية) وقع بينها من الصراعات والأحقاد ما لم تزل آثاره حتى الآن حية وتعبيراته ظاهرة. أسبانيا وألمانيا وبلجيكا وسويسرا قامت هي الأخرى على قوميات داخل كل بلد بعضها غير منسجم, وبعضها متنافر, وبعضها شبة مُعادٍ للآخر كما هو حال بلجيكا. وفي سويسرا هناك ثلاث أو أربع قوميات بلغات مختلفة. وفي أسبانيا هناك إقليما كتالونيا والباسك, وهكذا. لم تكن العلاقات بين القوميات والمكونات التي شكلت هذه البلدان على أفضل ما يرام في عقود تشكلها الأولى. لكنها تركت لتتطور وتصل إلى معادلاتها الوطنية من دون تدخلات وتوظيفات القوى الخارجية, ومن دون أن تجر جراً للحل الأقصر لكن الأكثر مرارة وفشلاً. على ذلك, فإن العراق اليوم يواجه تحدياً كبيراً, هو الأخطر منذ تأسس, وهو الوحدة أم الانقسام. وهو تحد أكبر من تحدي الاحتلال الأميركي, فالاحتلال زائل طال أمده أم قصر, لكن سؤال الوحدة أم الانقسام هو الباقي على الأرض.
ثانياً: أن اشتراطات الوحدة الترابية في العراق يجب أن تقوم على تساوي الحقوق والواجبات بين القوميات وتصميم عملية طويلة الأمد تخفف من حدتها وتغولها شيئاً فشيئاً لصالح مفهوم المواطنة. وبحيث يرى المواطن العراقي من خلالها أن انتماءه لعراق موحد أفضل له من ناحية عملية وحياتية من الانتماء إلى أجزاء مقسمة من العراق. كما أن تلك الاشتراطات يجب ألا تقوم على فكرة سيطرة أو تغلب القومية العربية التي أسيء استخدامها من قبل "البعث" الذي لم يبعث سوى التطرف القومي العربي, ومعاكسه التطرف القومي الكردي في العراق.
ثالثاً: الطرح المتسرع والفج القائل إن الحل الوحيد لعراق اليوم يكمن في التقسيم يوجه ضربة قاصمة لفكرة الديمقراطية والحرية وتقرير المصير, ويعزز في المقابل الديكتاتورية. فهنا يصبح ما هو مطروح على شعوب المنطقة وكأنه واحد من خيارين كلاهما مر وسيئ, وهو إما الوحدة مع الديكتاتورية, وإما الديمقراطية مع التجزئة والتقسيم. ستتترسخ قناعة خطيرة مفادها أن أي انفتاح ديمقراطي في أي بلد من البلدان العربية سيعني توفير الخيار للدعوات الانفصالية لتحقيق أحلام تقسيمية. وهنا, ونظراً لرومانسية فكرة الوحدة في الوجدان العربي العام, فإن الانحياز سيكون مع الوحدة ولو كان ذلك مرافقاً لبقاء الديكتاتوريات في المنطقة. التحدي الحقيقي هو المحافظة على وحدة هذه البلدان لكن في إطار ديمقراطي تعددي حر. وذلك لأن الوحدة التي توفرها الديكتاتورية وحدة هشة وقسرية بل لا تتعدى مجرد قشرة خارجية سرعان ما تتحلل وتتفتت أمام أي اختبار.
رابعاً: الأمر الآخر المثير بشأن الأكاديميين الغربيين لمقترح تقسيم العراق, وربما أعلاهم صوتاً الآن غاريث ستناسفيلد وويليام أندرسون اللذان كتبا كتاباً يدعوان فيه بقوة لتقسيم العراق, هو أنهم يطلقون هذه الدعوات من على منابر مدعومة. وطبعاً ليس من المنطق محاكمة أي كان على أي فكرة يطرحها, لكن من حقنا أن نتساءل فيما إن كان الممولون لمراكز بحثية أكاديمية في الغرب يرصدون أموالهم لتصميم مشاريع تقسيمية للمنطقة تاركين الأجندات الأكاديمية والسياسية تتشكل وفقاً لـ"الطيش الأكاديمي", خاصة وأن بعض الأطروحات تأتي من باحثين جدد لم يتجاوزوا مطالع الثلاثينات من أعمارهم.
خامساً: على المال الذي يريد أن يدعم البحث الأكاديمي الخاص بالشرق الأوسط في الغرب أن يساعد في خلق نوع جديد من الأكاديميا أجندته مختلفة عن الأجندة الغربية ويخلق تقاليد بحث قائمة على باحثين عرب مهمومين بمستقبل غير مخترق وغير مرتهن للسياسات والأجندات الغربية. لقد انقضى عصر الاستشراق الكلاسيكي الجيد منه والسيئ, وصار أغلب الباحثين والمختصين في المنطقة من أبنائها. وتطورت أجيال من الباحثين والأكاديميين العرب الذي صار لهم حضور مهم وفاعل في تشكيل صورة أكثر دقة عن واقع المنطقة, وبإمكانهم صوغ سيناريوهات لا تعيد إنتاج المستشرقين الكولونياليين الأوائل الذي ساروا في ظل مدافع الاستعمار واشتغلوا بإمرته.
نعم هناك جيل جديد من المراهقين الأكاديميين الغربيين يظنون أن المناخ الشرق أوسطي الراهن بقي كما كان أيام جيرتهارد بيل البريطانية الكولونيالية التي رسمت حدود العراق الجنوبي في ليلة وأرسلت إلى والدها في بريطانيا تشتكي كيف أن السهر أرهقها وهي تخط حدود العراق! وأفضل أمثلة على المراهقة الأكاديمية والبحثية الغربية بشأن الشرق الأوسط والقضايا العربية هو سيل الكتب الذي غثه أكثر بكثير من سمينه. ما هو مطلوب عربياً هو عدم السقوط الانبهاري أمام النص الغربي الأكاديمي الراهن, ففيه من البزنس والتسلق والتسرع أكثر مما فيه من البحث الرصين والجاد, هذا مع رفع القبعة وتقديم الاحترام الشديد لكل ما هو رصين وجاد كي لا يغمط حقه.
* نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الاماراتية
تقسيم العراق أكاديمياً... ثم عملياً!- خالد الحروب
