هيئة علماء المسلمين في العراق

فبهداهم اقتده / د. أيمن العاني
فبهداهم اقتده / د. أيمن العاني فبهداهم اقتده / د. أيمن العاني

فبهداهم اقتده / د. أيمن العاني

الحمد لله الذي جعل أكثر من يخشاه من عباده العلماء، وفاضل بينهم وبين الجهلاء، وهم بالبيان أئمة الأمة وهداتها النجباء، ودعاتها للتضحية والإيثار والعطاء، والعلماء ورثة الأنبياء، الذين أخذوا بحظ وافر فوصفوا بالأتقياء، ويقولون الحق ولو على أنفسهم فهم قوامون بالقسط أوفياء، وبذلك كانوا لله شهداء، ولعباده الصالحين أولياء، وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة وعلى آله وصحبه أجمعين، القائل : «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ». إنّ العلماء الضرورة هم هداة للناس مجددون للدين، ويتجسد دورهم في الإرشاد والإصلاح ونصرة المظلوم والوقوف بوجه الظالم، وكلما كان الخطب أعظم كلما كان دورهم أدعى وأكبر وفي النفوس أثره أوقع وأبلغ.
إنّ ما جرى و يجري في العراق من فتن متلاطمة ترقق بعضها بعضا، أوجب على المرجعية الشرعية - كُبَّار العلماء العراقيين - أن تقول كلمتها لاستنقاذ البلد مما أصابه من ويلات ومصائب بسبب الاحتلال وأذنابه؛ وما لحقه من ضعف وهوان بالتسبب.

فقد تداعى (سبعة عشر من علماء العراق الكبار سناً وعلماً وقدراً) المشهود لهم بالخير، ولم يتأخر عنهم من تأخر إلا لظرف صحي أو أمني، وخرجوا ببيان حول الأوضاع الحالية التي يعيشها البلد، وكان هذا البيان بمثابة ورقة عمل الواجب اعتمادها وعدم الخروج في الأقوال والأفعال عن مضمونها، وإنّ أهمية هذا البيان تكمن في عراقيته الخالصة المعبرة عن كل أبناء البلد على مختلف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، فلقد تناول الأسس والثوابت التي تهم العراقيين جميعا دون استثناء، والمستجدات التي  طرأت على الساحة العراقية التي اكتوى بنارها الجميع دون تمييز، والكل معنيٌ بالعمل على تفادي مخلفاتها، ولقد ذكر البيان الأولويات الواجب اعتبارها من أجل إنفاذها لتستقيم أوضاع البلد بدءً من سيادة العراق المفقودة ووجوب العمل على استعادتها بإنهاء النفوذ الأجنبي وبقايا الاحتلال، ورفض أي شكل من أشكال الهيمنة أو الوصاية الخارجية، واعتبار أنّ الحفاظ على وحدة العراق طريق لاستعادة سيادته المفقودة؛ لذا أوجب الرفض القاطع لتقسيم البلد تحت أي ظرف أو عنوان، وهذا يتحقق بالإبقاء على التعايش السلمي بين أبناء الشعب الذين يحملون هوية العراق الجامع لهم بالمواطنة التي يتساوى فيها الجميع حقوقا وواجبات والتي سعى الاحتلال لقلب مفهومها بطرحه للعملية السياسية على مبدأ المحاصصة الطائفية وما نتج عنها من دستور مسخ يعزز حالة التمايز والتفرق التي فرضت على أبناء البلد؛ لذا أوجب البيان على الجميع نبذ العملية السياسية، صنيعة الاحتلال، ورفض دستورها الباطل لأنهما مسؤولان عما لحق بالعراق والعراقيين من ضرر بسبب ترسيخه الاستقطاب الطائفي والعرقي وما يسببه ذلك من  إقصاء وتهميش وتناحر أبناء البلد الواحد فيما بينهم، والدخول في حرب لا رابح فيها؛ لينتفع أصحاب الأجندات الخارجية من هذا التفرق والتشرذم الحاصل بالتسبب.

أما تناوله للأوضاع الحالية من حوادث التفجير المنظمة التي تطال الشعب بكل مكوناته ومسؤولية الحكومة وأجهزتها الأمنية عن ذلك وعجزها التام عن حماية المواطنين بل وتورطها في هذه الجرائم التي تحاول التستر عليها من خلال الاعتقالات العشوائية للأبرياء هنا وهناك دون إجراءات قضائية أصولية حتى وصلت الحكومة حد الهوس في الاعتقال اليومي للأبرياء دون وجه حق، وكذلك حملات التهجير الطائفي والعنصري التي تقوم بها المليشيات المدعومة من الحكومة جهارا نهارا دون رادع ولا رقيب؛ مما تسبب بتهجير نحو سبعة ملايين شخص أكثر من نصف هذا العدد هُجِّروا خارج العراق وهذا ما تؤكده الإحصاءات الصادرة عن منظمات دولية معروفة، فضلا عن قيام الحكومة بإعدام المعتقلين في السجون إضافة إلى عمليات الاغتيال المنظمة التي تستهدف المدنيين وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية.

ولعل من أكثر المحاور دلالة على عدم شرعية الحكومات المتعاقبة في ظل الاحتلال وعدم انتمائها للعراق وأهله هو المحور الذي تناول الفساد المالي والإداري - الذي بلغ مئات المليارات من الدولارات - وما يقابل ذلك من ارتفاع ملحوظ بنسب البطالة والفقر والأمية، مما يؤكد تبعية حكومات الاحتلال العميلة إلى الخارج وعدم اكتراثها بثروات ومقدرات البلد.
وفيما يخص الاعتصامات في المحافظات المنتفضة، فلقد بارك العلماء المجتمعون الوقفة المشرفة في ساحات العزة والكرامة والغيرة والشرف، وعدّوها ضربا من ضروب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يباركون التظاهرات الشعبية التي بدأت طلائعها في المحافظات الجنوبية داعين إلى أن ينتظم في هذا الاحتجاج الشعبي أبناء العراق جميعا، مؤكدين بذات الوقت إدانتهم للجرائم البشعة التي ارتكبتها الحكومة وأجهزتها الأمنية بحق المعتصمين والمتظاهرين، ويطالبون بملاحقة المسؤولين عنها قانونيا وتقديمهم للمحاكم المحلية والدولية.

كما أوصى العلماء الموقعون بالمطاولة وطول النفس لهذه الاعتصامات، وضرورة المحافظة على سلميتها، وعدم السماح للمندسين بتغيير مسارها، والأهم من ذلك عدم تسييس التظاهرات والاعتصامات بعدم السماح للسياسيين والنفعيين بأن يركبوا موجتها للوصول إلى أهداف شخصية لا تمت لأهداف المعتصمين بصلة.
ودعا الموقعون المنظمات العربية والإسلامية والدولية للوقوف إلى جانب الشعب العراقي في محنته، وإيلاء العراق ما يستحقه من اهتمام؛ لأنه دولة  لها ثقلها في التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

وختاما نسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظ العراق وأهله وأن يجمعهم على الحق إنه سميع مجيب.
((فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون)) يونس: 32

أضف تعليق