يذكر جوناثان راندل في كتابه “أمة في شقاق: دروب كردستان كما سلكتها” الحكاية التالية على لسان إريك رولو السفير الفرنسي الأسبق الذي عمل محرراً لشؤون الشرق
الأوسط في صحيفة “اللوموند” الفرنسية، فقد أعلم رولو الأكراد أثناء زيارته للشمال العراقي، أن شاه إيران محمد رضا بهلوي، أدلى في تصريح له أثناء زيارته إلى باريس أنه يتحكم بوجود الأكراد وأنه يستطيع أن يقضي عليهم بكبسة زر عندما يشاء، ولذلك كان على الأكراد كما يرى رولو أن يدركوا مغزى هذا التهديد وأن يعتبروه إنذاراً. يقول رولو: “عندما فشلت معلوماتي هذه، في دفعهم إلى فتح أعينهم على حقيقة ما يجري حولهم، اعتبرت أن السبب يعود إلى ضعف خبرتهم في السياسة الدولية” وفي الحقيقة لا يكتفي رولو بذلك فهو يبدي شكوكاً عميقة في مقدرتهم على التحليل السياسي، هذه الشكوك تظل تلازم جوناثان راندل نفسه وتقصي أحلامه جانباً في رؤية كردستان مستقلة.
من وجهة نظر عديد من الخبراء السياسيين، أن الأكراد وعلى مسار تاريخي معاصر ظلوا يبدون ضعفاً في التحليل السياسي لما يجري حولهم، وهذا ما جعل من كردستان بلاد الألف ثورة وألف حسرة بحسب راندل، والأهم إصرارهم على عدم فتح عيونهم ليرقبوا ما يجري حولهم، فنشوة الظفر السريع كثيراً ما قادت الأكراد العراقيين إلى رسم خرائط وأوهام وتحالفات سريعة وهشة، سرعان ما تذروها الرياح.
يروي راندل أن البرزاني الأب ردّ مرة على الأسئلة التي وجهها إليه وفد من النساء الفلسطينيات عن علاقته مع “إسرائيل”، قائلاً: “انا مثل الشحاذ الأعمى الواقف عند باب الجامع الكبير في مدينة السليمانية، والعاجز عن رؤية من يضع في يده الممدودة، قطعة نقدية”.
منذ الاحتلال الأمريكي للعراق الذي يراه الأكراد فتحاً وتحريراً كما يصرح القادة الأكراد المتمسكون بالاحتلال الذي يعضون عليه بالنواجذ، أصبح العراق ميداناً للموساد “الإسرائيلي”، وبالأخص في شمال العراق كما كتب سيمور هيرش في مقالته عن الدور الكبير الذي يلعبه “الإسرائيليون” في التجسس على المنشآت الإيرانية انطلاقاً من شمال العراق وبخاصة من إربيل، حيث يرتدي هناك خبراء الموساد لباس البيشمركة الكردية، لا بل ان آية الله البغدادي صرح في دمشق 14/5/2006 بأن “الإسرائيليين” منخرطون في العراق في تأجيج الحرب الأهلية بين السنة والشيعة وأنه يملك وثائق مهمة في هذا الميدان.
حتى قبل الاحتلال وبعده إذا كان لا بد من هذا التاريخ البغيض، بقيت “إسرائيل” محجاً للباحثين عن حظوة أكاديمية في “إسرائيل” (الآلوسي وكنعان مكية الذي له أطروحة الدكتوراة الفخرية هناك) أو عن دعم “إسرائيلي” للعب دور معين في الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي تصوره الأمريكيون على هيئة أحجار الدومينو التي ما ان تسقط واحدة حتى يسقط الجميع، من هنا نفسر تمسك مسعود البرزاني بالعلاقة القوية مع “إسرائيل”، ومساعيه إلى فتح قنصلية “إسرائيلية” في إربيل والتي أثارت عليه ردوداً وفتحت عليه جبهة من التعليقات القوية كما جاء على لسان الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي وصفته “النيوزويك” الأمريكية ب”صانع الملوك في العراق” و”العصي على المواجهة”، التي طالبت البرزاني بالتراجع عن تصريحاته ف”الإسرائيليون” كما قال الصدر أعداء أمة ودين.
من يقرأ كتاب راندل يكتشف أن الكردي مسعود البرزاني يدين ل”إسرائيل” بمديونية معنى كما يقال في لغة الأنثربولوجيا. فمنذ العام ،1966 قدم الموساد ما يعتبره، بعض الأكراد، أهم خدمة أسدتها إليهم “إسرائيل”، فقد أسهم الموساد في تأسيس جهاز الاستخبارات الكردية الذي حمل تحت اسم “باراستين”، أو “الحماية” باللغة الكردية، وتولى قيادة هذا الجهاز مسعود البرزاني نفسه، الذي خضع كما يكتب راندل لدورات تدريبية مكثفة في كردستان و”إسرائيل”، وقام بإنشاء شعب تابعة له في مختلف التجمعات الكردية في الخارج.
في معظم تصريحات البرزاني في ما يتعلق بإقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، ظلّ البرزاني، وهو محق في ذلك، يحتكم إلى العلاقات العربية “الإسرائيلية” حيث تقيم الكثير من هذه الدول علاقات مع “إسرائيل” ما عادت خفية على أحد، ولكن ما يلفت النظر في تصريح البرزاني عن فتح قنصلية في إربيل، أن البرزاني يتصرف وكأنه نسيج وحده، وينسى أن الشمال العراقي جزء من العراق وأن حكومة إربيل ليست مستقلة ولا هي حرة في اتخاذ قرارها بإقامة علاقة دبلوماسية مع “إسرائيل” وبخاصة في هذا الظرف الصعب الذي يدل حقاً على أن نشوة الظفر عند الأكراد قد أعمتهم عن أي تحليل سياسي ناجع وعن رؤية صحيحة للعلاقات الدولية، فإيران التي تتعرض للكثير من الضغوط الأمريكية والتي تدرك أن إربيل باتت وكرا ل”الإسرائيليين” للتجسس عليها، تضع كردستان الآن تحت المجهر الإيراني وهذا ما يفسر القصف الذي تعرض له موقع سد دوكان شمال إربيل، كذلك الحشود التركية في شمال العراق والتي من المقرر أن تصل إلى ما يقارب 300 ألف جندي وتهديدات رئيس الأركان التركي بأنه سيجتاح شمال العراق من دون أن يأخذ رأي أمريكا في هذا المجال.
إن تصريحات البرزاني مهما كانت مديونية المعنى التي يدين بها ل”إسرائيل”، تأتي في غير وقتها، لتدل على ضعف خبرة الأكراد في السياسة الدولية. صحيح أنهم يتمسكون الآن بالعروة الوثقى الأمريكية، لكنهما يدركون أن العروة الأمريكية مخرومة ولا تزيد على كونها سرابا قد ينقشع بسرعة، وعندها تتضح الرؤية التي غابت عن الأكراد مطولاً لتجعل من كردستان بلد الألف ثورة وألف حسرة.
قنصلية \"إسرائيلية\" في إربيل ..... تركي علي الربيعو
