في وقت تتسارع الأحداث بشكل يفوق التصورات؛ يشعر عامة الناس بالخوف من مصير مجهول، وربما يتحدث البعض عن فناء وانقضاء حقبة بكاملها، وذلك وفق حسابات مجردة مبنية على عاطفة وقصور في تصور أو تكاسل عن التفكر ـوليس في ذلك انتقاص لأنها من غرائز البشرـ خصوصًا حينما يسهم الأعداء بإيقاد جذوتها بطرق ماكرة بالطائفية تارة وبالمادية تارة أخرى، وبغير ذلك من الوسائل التي تمس حياة الناس.
ولكن الأمور عند أصحاب العلم من أهل الحل والعقد، والذين أمر الله تعالى المسلمين بالرجوع إليهم في حال كهذا؛ لا يُحسب بهذه الطريقة، وإنما يتناول العلماء الربانيون قضايا الأمة وفق ثوابت ومعايير لها لوازم ومحددات ومقتضيات، يبنون عن طريقها مستقبل الأمة ويرسمون مسار الخلاص لها مما تعانيه، وقد ظهر هذا بجلاء في الاجتماع الذي أجراه كبار علماء العراق مؤخرًا والذي صدر عنه بيان شخّص الأوضاع الحالية في البلاد، وبيّن كثيرًا مما غفل عنه الناس.
على الرغم من أننا هنا لسنا بصدد استعراض مفردات البيان أو ما جاء فيه، ولكن من المهم الإشارة إلى أن الواجب يحتم على جميع المتابعين للشأن العراقي خصوصًا، وعلى العراقيين والمسلمين بشكل عام، الاطلاع على البيان ودراسته وتحليل فحواه، دون الاكتفاء بمجرد القراءة، لأن ما جاء فيه ينطوي على الكثير من الدروس ويحمل رسائل قلّما تضمنها خطاب آخر.. ولعل الحد الأدنى من الواجب في ذلك؛ هو الاهتمام بأمر المسلمين بمعرفة حقيقة ما يجري لهم في العراق من مصدر موثوق منزه عن أكاذيب السياسيين وألاعيب دعاة الغزو الفكري الذي يجتاح الأمة.
إن بيان كبار علماء العراق بشأن الأوضاع الحالية في البلاد؛ لم يكن الأول من نوعه، فإنهم ما انفكوا يواكبون الأحداث ويرسمون للخلاص مساراته، ولكنه جاء في وقت ومرحلة يتشاركان في الأهمية أكثر مما سلف من نظيريهما، ما يكسبه أهمية وتميزًا، فضلاً عن الرسائل التي أودعها الكبار في بيانهم والتي اختار المقال أن يسلط الضوء عليها.
جاء بيان كبار علماء العراق بينما يحتشد ملايين العراقيين في ساحات الاعتصام وميادين صلوات الجمعة الموحدة، في أيام يبحث الجميع عن الحل، وينشدون أدوات الخلاص من قيود الحكومة الطائفية؛ منسجمًا لما طلب الله تعالى من عباده فعله في هذه الظروف بقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ..}، ومن اللطيف أن البيان افتُتِح بهذه الآية الكريمة، ما يعطي المشهد براعة استهلال وأملاً يتسع كثيرًا بما تحمله الرسائل من توصيات وإشارات ينبغي على العراقيين التحلي به.
لقد كثّف البيان الأحداث الجارية في العراق وأطّرها بشكل كلي، فحين نجده يتناول قضايا سيادة ووحدة وهوية العراق من جهة، والعملية السياسية والدستور من جهة ثانية ووضعهما معًا في تبويب (الأسس والثوابت)، ندرك أن مغزى العلماء من ذلك إيصال رسالة إلى المتلقي أن القضايا والمتعلقات المندرجة تحت هذه العناوين أمور غير قابلة للخضوع إلى مبدأ التفاوض أو المساومات، كما لا يمكن بأي حال أن تكون محلاً للخلاف بشأن مشروع تتباين فيه وجهات النظر سواء بتأصيله أو وسيلة قيامه، وليست هناك مبالغة أو تعسف في أن يقودنا فهم مراد كبار العلماء من هذه الرسالة أن وحدة العراق أو الدخول في العملية السياسية والاعتراف بدستورها، مسائل تمس العقيدة لا يجوز لأي كان المساومة عليها، وعلى أقل تقدير فإنها تدخل من باب الموالاة وعقيدة الولاء والبراء، كون العملية السياسة ودستورها الذي يهدف إلى تقسيم العراق، من بناة أفكار الكفار الذين احتلوا العراق وصنائعهم.
وفي ضوء ذلك؛ فإن الأسس والثوابت الواردة في بيان كبار العلماء، مشكاة لتسليط الضوء على جملة أحكام ملزمة، يكون على المكلفين فرض عين التمسك بها وتنفيذ لوازمها والعمل بمقتضياتها، والحذر من مخالفتها، حيث تستنبط منها أحكام تتعلق بوجوب المحافظة على بقاء العراق موحدًا وتحريره من القيود التي سلّم الاحتلال مفاتيحها لعملائه، ووجوب العمل على إزهاق العملية السياسية ودستورها وكافة المشاريع التي نتجت عنهما، بكل الوسائل التي من شأنها تحقيق ذلك، بما فيها المقاومة بكافة أشكالها.
ومما حمله البيان من المبشرات، أن اجتماع الكبار أعاد عجلة الزمن إلى ما قبل عشر سنوات خلت، حينما اجتمعوا أنفسهم فأصدروا بيان المقاومة الأول قبيل الاحتلال، فكانت جهودهم آنذاك بذرة خير نمت سريعًا وآتت أكلها، ولا يستطيع أدنى الناس حكمة أن يتنكر لتاريخ المقاومة العراقية وإنجازاتها التي ملأت القراطيس وجفت من كثرتها دَوَياتُ الكتّاب، وهو أمر يجعل من بيان الكبار اليوم سببًا لتجديد تلك الروح، وإعادة غرس البذرة، خصوصًا وأن محور البيان الثالث خصصه العلماء لقضية الحراك الجماهيري والشعبي الذي يعيشه العراقيون منذ تسعة أشهر.
ورغم أن البيان حث المعتصمين والمتظاهرين على المحافظة على سلمية التظاهرات وعدم السماح للمندسين بتشويه وجهها الناصع؛ إلا أن الكبار لم يغفلوا ـحاشاهمـ عن مكائد الحكومة وأحزاب عمليتها السياسية ومن يقف وراءهم من عتاة قوى الغرب؛ فشددوا في وصيتهم على المطاولة وطول النفس والصبر، مقرنين ذلك بتذكيرهم بالمجازر التي ارتكبتها الأجهزة الحكومية في الحويجة والموصل والفلوجة تجاه المتظاهرين خاصة، وبقية جرائم التهجير والتفجير فضلاً عن الفساد المالي والإداري الذي تصطبغ به العملية السياسية برمّتها بشكل عام؛ الأمر الذي يُفهم منه أن السلمية باعتبارها سلاحًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن تكون حائلاً دون استعادة العمل المقاوم متى ما اقتضى الأمر ذلك، لأن القرائن الواردة في البيان من جهة، وواقع الحال من جهة أخرى تعطي الضوء الأخضر للمقاومة في أن تتدخل وتعيد انتشار فصائلها حين تتطلب الحاجة.
ومما لا شك فيه أن التكامل الحاصل بين مشروعي المقاومة المسلحة والممانعة المتمثل في القوى الرافضة للاحتلال وفي طليعتها كوكبة كبار العلماء، يجعل المشروع المقاوم مهيأ من كافة الوجوه للإمساك بزمام الأمور وتغيير شكل الصراع على الوجه والتوقيت الذين تختارهما المقاومة لا الذين يفرضان عليها، ومن هنا على الجماهير أن تدرك لماذا شدّد بيان الكبار على توصيتهم بـ "عدم تسييس التظاهرات والاعتصامات، وعدم السماح للسياسيين والنفعيين بأن يركبوا موجتها للوصول إلى أهدافهم الخاصة".
ومن الجدير بالمتأمل لبيان الكبار أن يلاحظ الموقعين عليه، ليرصد أنموذجًا للوحدة في الرأي والموقف والمساحة المشتركة التي اجتمع عندها الكبار على تنوع اتجاهاتهم الفكرية، ليعطوا رسالة واضحة المعالم؛ أن قضايا الأمة المصيرية تسمو فوق كل اعتبار، فيلجموا أفواهًا طالما لعبت على أوتار الاختلاف الهزيلة، وحاولت أن تصنع منها خيوط مؤامرات تقتحم بها عقول بسطاء الناس فتنقل لهم صورًا مشوهة وانعكاسات عن مرايا مهشمة غايتهم منها تشويه ثوابت الأمة بتشويه صورة علمائها.
وختامًا؛ لا ينبغي أن يتبادر إلى ذهن الراصد للمشهد العراقي أن بيان الكبار مجرد موقف مبني على رد فعل إزاء الأحداث مثلما فعل البعض ممن له مشاريع يسقيها من سؤر العملية السياسية؛ فمثل هذا التفكير الذي تبناه ثلة من النفعيين وأصحاب التربص؛ لا يعدو كونه أكثر من سذاجة سطحية لا تؤتي أكلاً ولا ينبثق عنها أمر ذو بال.
نقلا عن موقع "قاوم".
رؤى من واقع العراق في ضوء بيان الكبار/ جهاد بشير
