هيئة علماء المسلمين في العراق

امريكا اللاتينية تتحد لمواجهة واشنطن والعولمة الرأسمالية
امريكا اللاتينية تتحد لمواجهة واشنطن والعولمة الرأسمالية امريكا اللاتينية تتحد لمواجهة واشنطن والعولمة الرأسمالية

امريكا اللاتينية تتحد لمواجهة واشنطن والعولمة الرأسمالية

عقب أعوام من الليبرالية الجديدة الضارية، تلقّت أمريكا اللاتينية خلال الآونة الأخيرة دفعة قوية من خلال اتجاه الحكومات اليسارية، التي تأخذ في الامتداد في دول المنطقة، إلى التكامل، سواء الاقتصادي أو التجاري أو الاجتماعي، في مواجهة مخططات واشنطن لفرض هيمنتها على القارة الجنوبية واستغلال ثرواتها. وبدت أول دفعة حقيقية لدى اتخاذ الرئيس البوليفي اليساري الجديد 'إفو موراليس' قرار الانضمام للبديل البوليفاري لأمريكا اللاتينية والكاريبي 'ALBA'، تلك الاتفاقية التي كانت فنزويلا قد اقترحتها كبديل للمخطط الأمريكي 'اتفاقية التجارة الحرة للأمريكتين'، والتي تؤكد العديد من المنظمات السياسية والاجتماعية أنها محاولة من الدول الغنية في نصف الكرة الغربي لاستغلال الفقراء.


وتلت ذلك دفعة جديدة تمثلت في دعم فنزويلا والأرجنتين والبرازيل لقرار موراليس بتأميم قطاع النفط والغاز الطبيعي، متجاوزين الخلافات والأضرار التي قد يفترضها ذلك القرار بالنسبة للأرجنتين والبرازيل، أكبر مستهلكيْن للغاز الطبيعي البوليفي، الأمر الذي لعبت فنزويلا دورًا رئيسًا في تسويته خلال قمة جمعت رؤساء البرازيل وفنزويلا والأرجنتين وبوليفيا في مدينة بويرتو إجواثو الأرجنتينية في 4 مايو، تلك القمة التي وصفها موراليس بأنها تمثل القاعدة من أجل وحدة أمريكا الجنوبية حتى تتمكن القارة من مواجهة تحديات النظام الدولي الجديد، حيث أكّد الرؤساء الأربعة خلالها تعهدهم بالتكامل بوجه عام والتكامل في مجال الطاقة بوجه خاص.

ولا يخفى الدور المحوري للرئيس الفنزويلي 'هوجو شافيز' في السعي وراء ذلك التكامل منذ بداية عهده الذي يطلق عليه اسم الثورة البوليفارية - نسبة للثوري المعروف سيمون بوليفار الذي اختير رئيسًا لجمهورية فنزويلا عام 1819، ثم صار رئيسًا لجمهورية كولومبيا العظمى 'كولومبيا، فنزويلا، إكوادور، بنما'؛ والذي كرس الأعوام الأخيرة من نضاله للدعوة لاتحاد دول أمريكا اللاتينية-.
ومن هذا المنطلق، يسعى شافيز لحشد الدعم من أجل سياسات ومؤسسات إقليمية، وتشجيع دور قيادي مستقل لدولته في أمريكا اللاتينية، كما يحث على معارضة العولمة والسياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، داعيًا إلى العمل على خلق عالم متعدد الأقطاب يمكن من خلاله مواجهة الهيمنة الأمريكية.

وعليه، اقترح الرئيس الفنزويلي البديل البوليفاري لأمريكا اللاتينية والكاريبي 'ALBA'، كما سعى لإقامة تحالف لشركات البترول المملوكة للدولة في دول أمريكا اللاتينية 'Petrosur' لتشجيع تكامل إقليمي أقوى في قطاع الطاقة، في الوقت الذي طرح فيه كذلك فكرة تكامل جيوش أمريكا اللاتينية، وإقامة حلف دفاعي إقليمي بدون مشاركة الولايات المتحدة.

وقد بدا ذلك الدور الفنزويلي جليًا في الصحافة اللاتينية؛ حيث أبرزته العديد من الصحف، بل وأرجعت إليه بعضها قرار التأميم البوليفي، ومن بينها صحيفة 'لا ناثيون' الأرجنتينية التي كتبت في مقال لها:

'تأتي الخطوة التي اتخذها الرئيس البوليفي في إطار نهضة تيار يدعو إلى العودة إلى الممارسات التأميمية في أمريكا اللاتينية، والتي يدفعها نفوذ الرئيس الشعبي الفنزويلي 'هوجو شافيز' الذي يزداد وضوحًا يومًا تلو الآخر. وليست مصادفة أن يأتي إعلان موراليس لذلك القرار عقب ساعات من القمة التي جمعته بالزعيم الفنزويلي و'الرئيس الكوبي' فيديل كاسترو، اللذيْن وقّع معهما معاهدة تجارية في إطار البديل البوليفاري لأمريكا اللاتينية والكاريبي 'ALBA'، كبديل لاتفاقية التجارة الحرة للأمريكتين 'FTAA' التي تدفعها الولايات المتحدة.

فقد استخدم موراليس نفس منهاج الرئيس الفنزويلي من أجل تنفيذ ذلك الإجراء، حيث أرسل قوات الجيش من أجل السيطرة على الشركات التي كانت تستغل موارد النفط والغاز الطبيعي، تمامًا كما فعل تشابيث عندما صادر أراضي زراعية في دولته؛ حيث اعتبرها أراضي جدباء في الأيدي الخاصة'.

وفي مقال لصحيفة 'كرونيكا' المكسيكية، نوّه الكاتب بشكل أوضح إلى النفوذ الفنزويلي في أمريكا اللاتينية وسعيها من أجل اعتلاء المزيد من الزعماء اللاتينيين اليساريين السلطة في بلادهم, والذين يتفقون على رفض سياسات الإلحاق الأمريكية والعولمة الرأسمالية التي تروّج لها واشنطن، وفي الـمقابل السعي لتدعيم العلاقات الاقتصادية والتجارية وغيرها من العلاقات بين دول المنطقة في توسيعٍ لرقعة التكامل الإقليمي، نذكر منه:

'اعترف موراليس منذ أسبوعين فقط بأنه على قرار التأميم الذي تعهد به أن ينتظر؛ لأن الدولة لم تكن معدة بعد لتولي مسئولية التحكم الكامل في تلك الصناعة الاستراتيجية، إلا أنه من المحتمل أن تعهد شافيز بإمداد بوليفيا بالوسائل التكنولوجية في حالة 'توقف' الشركات متعددة الجنسيات قد شجّع موراليس على إصدار قرار التأميم.

وقد وجّه موراليس هذه الضربة الشعبية كذلك، إثر سلسلة الاحتجاجات المطالبة بالإصلاحات العمالية في مختلف أنحاء الدولة، على مشارف الانتخابات التشريعية في 2 يوليو - والتي تتزامن مع الانتخابات المكسيكية - من أجل محاولة الحصول على الغالبية البرلمانية المطلقة.

وقد يكون السبب وراء حرص الرئيس الفنزويلي على اتخاذ هذا القرار بشكل عاجل هو الرغبة في رؤية ما إذا كان ذلك قد يساعد نصيره البيروي 'أويانتا أومالا' الذي سوف يواجه الرئيس السابق 'ألان جارثيا' في 4 يونيو. وبالفعل، عقب معرفة قرار التأميم، ذكر أومالا أنه يعتزم اتخاذ نفس الإجراء في دولته.
وبينما تحذّر منظمات وجهات مثل ذا وول ستريت جورنال وفينانشيال تايمز من الإشارة السلبية التي توجهها بوليفيا للعالم, ومن خطر فقد الدولة للمستثمرين، يواصل موراليس وكاسترو وتشابيث تكاملهم الشعبي و'الانعزالي'، مديرين أظهرهم للعولمة، ويراقبون باهتمام العمليات الانتخابية في بيرو والمكسيك, آملين في 'فوز' أومالا ومرشح حزب الثورة الديمقراطية اليساري لوبيث أوبرادور'.


وعودةً إلى القمة الرباعية الأخيرة للزعماء اللاتينيين، نسوق مقالاً لمجلة 'كوبا ديباتي' الكوبية للصحافي 'ألفريدو جارثيا' من أجل توضيح أبعاد وأهمية تلك الخطوة في السبيل نحو التكامل:

'اجتمع رؤساء الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا وبوليفيا في منطقة بويرتو إجواثو الأرجنتينية من أجل تنمية التكامل في مجال الطاقة في الساحة الإقليمية الجديدة عقب القرار البوليفي بتأميم قطاع النفط والغاز الطبيعي.
وجاء اللقاء عقب زيارة مفاجئة للرئيس الفنزويلي هوجو شافيز للعاصمة لاباث من أجل الاتفاق على التحالف الاستراتيجي الذي سوف يتم توقيعه في غضون أسبوعين بين شركات النفط الفنزويلية التابعة للدولة وشركة النفط البوليفية العامة. وتمتلك الدولتان كلتاهما أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في القارة.

وقد شكّل تأميم قطاع النفط والغاز الطبيعي في بوليفيا مركز الصراع الشعبي في الدولة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة الماضية، حيث غادر ثلاثة رؤساء السلطة لعدم قدرتهم على تحقيق مطلب غالبية الشعب البوليفي - الذي يعيش تحت خط الفقر منذ عشرات الأعوام-. وقد شكّل تأميم المصادر الطبيعية أساس برنامج الزعيم النقابي الهندي من السكان الأصليين إفو موراليس خلال الحملة الرئاسية، والذي تم انتخابه بغالبية ساحقة.

وعليه، فإن قرار موراليس لم يكن مفاجأة لأحد، إلا أن أول رد فعل دولي قد بدا في سوق الأوراق المالية، فقد سقطت أسهم شركات النفط العاملة في بوليفيا، بينما وصل السعر الدولي للنفط الخام في سوق لندن إلى الرقم القياسي وهو ما يقرب من 98 دولارًا.

ووسط حملة إعلامية تراوحت بين 'المفاجأة والمعارضة' للقرار السيادي للبوليفيين، كانت شركة بتروبراس البرازيلية وريبسول الإسبانية وترانسييرا الأرجنتينية أولى الشركات التي أعربت بشكل رسمي عن استعدادها لاحترام قرار التأميم. ولعل النبأ الجيد هو أنه بدءًا من الآن سوف يمكن للحكومة البوليفية ضمان الأمن القانوني للشركات متعددة الجنسيات ومصالحها، فاتحةً بذلك آمالاً أفضل لاستثمارات جديدة.

وعلى الرغم من كثرة النقاط الاستراتيجية المشتركة التي تجمع البرازيل والأرجنتين ببوليفيا، إلا أن الحكومتين كلتيهما بشركاتهما كانتا تمثلان جزءًا من الاستغلال الليبرالي الجديد للموارد الطبيعية البوليفية، فالبرازيل والأرجنتين يعدان أكبر مستوردي الغاز البوليفي، حيث يستورد الأرجنتينيون 4% من استهلاكهم الكلي، بينما ترتفع تلك النسبة في البرازيل لتصل إلى 24%، حيث يأتي 75% من الغاز المستخدم في مدينة سان بابلو - المحرك الصناعي للدولة - من بوليفيا.
ويصل السعر الحالي للغاز إلى حوالي ثلاثة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية 'BTU'، وتعتزم بوليفيا زيادة السعر إلى خمسة دولارات، ذلك السعر الذي لا يزال يعتبر سعرًا تفضيليًا بالنسبة للبرازيليين والأرجنتينيين. ويسمح قرار التأميم لبوليفيا بدخل مالي 780 مليون دولار.

ومن خلال المباحثات النشطة والشفافة بشأن البديل البوليفاري لأمريكا اللاتينية والكاريبي 'ALBA'، بالمقارنة مع العملية البطيئة والملتوية لاتفاقية التجارة الحرة، يأتي إنقاذ السيادة البوليفية لمواردها الطبيعية في صالح أربع دول مهمة بأمريكا اللاتينية. وتأتي بوليفيا ذاتها في المقام الأول، حيث قررت البرازيل والأرجنتين وفنزويلا أن تنضم الحكومة البوليفية إلى العمل على الإعداد والتخطيط لمشروع مد خط للغاز الطبيعي بين دول أمريكا اللاتينية - بطول 12 ألف كيلومتر وبتكلفة تبلغ نحو 20 مليار دولار-. وسوف تساعد فنزويلا بوليفيا اقتصاديًا على الفور من أجل إنشاء مصنع للغاز في منطقة تاريخا الجنوبية.

وعقب 48 ساعة من قرار تأميم قطاع النفط والغاز الطبيعي، تم إصدار قرار يقضي بزيادة الحد الأدنى للراتب من 450 إلى 500 بوليفي '63 دولارًا'، فضلاً عن إعادة الاستقرار العمالي الذي كان قد قضى عليه نموذج الليبرالية الجديدة منذ عام 1985'.

ولم تغفل القمة كذلك مشروع السوق المشتركة لأمريكا اللاتينية 'ميركوسور' - التي تضم البرازيل والأرجنتين وبراجواي وأوروجواي وفنزويلا، إلى جانب بوليفيا وتشيلي كعضوين مشاركين - حيث أعلن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا لدى ختام القمة تعزيز ميركوسور، مشيرًا إلى أن هذا الاتحاد يقدم رؤى جديدة من أجل تجنب اعتماد دول المنطقة على الولايات المتحدة وأوروبا.

وقد ربطت العديد من المقالات الصحافية اللاتينية بين تنامي الاتجاه اللاتيني نحو التكامل وسياسة التهديد والعدوان التي تنتهجها الولايات المتحدة ضد دول المنطقة، نذكر منها جزءًا من مقال لوكالة 'برينسا لاتينا' الكوبية للصحافي 'خابيير رودريجيث':

'إن إصرار الولايات المتحدة على سياسة الاعتداءات والتهديدات ضد كوبا ودول أخرى في المنطقة يشكل أكبر مقاومة لرياح التكامل التي تجوب أمريكا اللاتينية والكاريبي اليوم... ولعل أكثر ما يبرز عدم تناغم البيت الأبيض مع واقع أمريكا اللاتينية هو التقدم الواضح لمشروع البديل البوليفاري لأمريكا اللاتينية والكاريبي 'ALBA'، الذي نشأ في فنزويلا ودفعته كوبا وانضمت إليه الآن بوليفيا.
وفي ذلك الإطار، تندرج أعمال مهمة تتعلق بالعناية التربوية والطبية المجانية للمواطنين، إلى جانب التبادل الاقتصادي، الذي وصل عام 2005، في حالة كوبا وفنزويلا فقط، إلى 2400 مليون دولار.

وبعيدًا عن 'ALBA'، تمثل المساندة التي أبدتها الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا الآن لتأميم قطاع النفط والغاز الطبيعي في بوليفيا وللاستثمارات فيها ردًا جديدًا واضحًا على الحملات التي بدأتها الولايات المتحدة بالفعل ضد العاصمة البوليفية لاباث.
وفي نهاية الأمر، يمكننا أن نقول دون خوف من أن نكون على خطأ: إن إدارة بوش لا تزال تدير ظهرها لمصالح أمريكا الجنوبية'.

وفضلاً عن سياسة الضغط المباشر التي تنتهجها واشنطن بشكل واضح ضد دول المنطقة التي ترفض أنظمتها اليسارية الهيمنة الأمريكية والعولمة الرأسمالية، تحاول واشنطن زعزعة تلك الأنظمة، كما تسعى إلى الإيقاع بينها وبين الأنظمة اليسارية الأكثر حذرًا.

تقرير مترجم
إعداد: مروة عامر

وكالات

أضف تعليق