أسرار واشنطن موجودة في لندن. فما تقرأه في الثانية اليوم، قد يكون مسودة خطة خفية تنفذها الأولى غداً. وهذا عائد إلى أمرين اثنين:
الأول، فضائل الديمقراطية الإنجليزية العريقة التي تجبر قادة الأحزاب الثلاثة الأكبر (العمال والمحافظ والليبرالي الديمقراطي)، وأكثر بكثير من الحزبين الأمريكيين الجمهوري والديمقراطي، على مناقشة كل القضايا الرئيسية علناً في السياستين الداخلية والخارجية، قبل وضعها موضع التنفيذ.
والثاني، أن كل سياسة خارجية بريطانية هي بالضرورة سياسية خارجية أمريكية. وهذا بات أمراً واقعاً منذ أن تخلت المملكة المتحدة بعد حرب السويس 1956 عن امبراطوريتها لمصلحة الامبراطورية الأمريكية الناشئة، وقبلت أن تكون مجرد جرم يدور في فلك المركز العالمي الأنجلو سكسوني الجديد.
علام الجدل في لندن هذه الأيام؟
أولاً وأساساً، حول دعم أو لا دعم حرب أمريكية جديدة في الشرق الأوسط، هذه المرة ضد إيران. وهكذا، سمعنا أن رأس جاك سترو تدحرج على درج وزارة الخارجية بسبب تمرده على رئيسه الداخلي توني بلير والخارجي جورج بوش، بعد تجرؤه على الإعلان ان مثل هذه الحرب ستكون “جنوناً”. وهكذا أيضاً، كان حزب المحافظين، المنتشي بفوزه الكاسح في الانتخابات المحلية، يعتقد أن أحد أسباب فوزه هو رفض الناخبين حروب الشرق الأوسط، وهو يبحث الآن عن وسيلة تجعله يبدو (وإن شكلياً) حليفاً غير سهل للولايات المتحدة.
بيد أن الجدل الأهم، والأكثر وضوحاً، يجري داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي. فهذا الحزب لم يبل بلاء حسناً في الانتخابات المحلية كما كان يتوقع. وقادته يعتقدون أن السبب يكمن في عدم امتلاكه قضية كبرى يمكنها لفت اهتمام الناخب البريطاني وعطفه.
وأخيراً أوحى هؤلاء القادة أنهم عثروا على “الرصاصة الفضية” السحرية التي ستمكنهم من اختراق جدار هذا الاهتمام: إعلان معارضة “الحرب المقبلة” على إيران، جنباً إلى جنب مع شعارات “لا لحروب شرق أوسطية جديدة”، و”لا لغزو المزيد من أراضي الدول الإسلامية”.
“حرب مقبلة” ضد إيران؟ هل قادة هذا الحزب مقتنعون إلى هذه الدرجة بحتمية الحرب؟ أجل. وبقوة أيضاً. وقادته يتحدثون عن معلومات موثقة من واشنطن بأن قسماً مهماً من إدارة بوش مقتنع كل الاقتناع بأن تكاليف الحرب اليوم على إيران، ستكون أقل بكثير من تكاليف تحول إيران غداً إلى قوة نووية. ويضيفون أن الحرب قد لا تندلع فجأة أو هذا العام، لكنها آتية لا ريب فيها، وبدعم حماسي من اليمين الجمهوري الأمريكي الذي يرى في مواقف الرئيس الإيراني نجاد من “اسرائيل” هبة من السماء لتزييت عجلة آلة الحروب الشرق أوسطية مجدداً.
وبالتالي، أي برنامج انتخابي بريطاني أفضل من ذلك الذي يحذر من الآن من الكوارث التي ستتسبب بها الضربة ضد إيران، خاصة وانه من المحتم أن يليها “انفجار عظيم” في العمليات الإرهابية في كل أنحاء العالم؟
الليبراليون الديمقراطيون ليسوا وحدهم من يفكر على هذا النحو. هناك العديد من العماليين (كجاك سترو) والمحافظين الذين يناقشون الآن “مضار ومنافع” الحرب الجديدة المحتملة. وهذا لم يكن ليحدث لولا أنهم يمتلكون معلومات داخلية أمريكية حول هذه المسألة.
أسرار واشنطن موجودة في “هنا لندن”؟
بالتأكيد. وهذه أمر بديهي، فقديماً قيل: “خذوا أسرارهم من صغارهم”.
خذوا أسرارهم - سعد محيو
