هيئة علماء المسلمين في العراق

كيـف نحـارب العـدو ونـحن متخاصــمون؟ - صلاح الدين حافظ
كيـف نحـارب العـدو ونـحن متخاصــمون؟ - صلاح الدين حافظ كيـف نحـارب العـدو ونـحن متخاصــمون؟ -  صلاح الدين حافظ

كيـف نحـارب العـدو ونـحن متخاصــمون؟ - صلاح الدين حافظ

ثمة اعتقاد راسخ في أعماقي‏,‏ أن هذا السؤال يتردد علي كل لسان هذه الأيام‏,‏ في ظل ارتفاع وتيرة الاحتقان والصدام والعراك السياسي الاجتماعي‏,‏ الذي يضفي علي الساحة مسحة من التوتر الشديد‏!‏ ويبدو الأمر‏,‏ أمر التوتر والاحتقان‏,‏ كأنه حدث مفاجيء وشيء طاريء‏,‏ سرعان ما تزول آثاره‏,‏ لكن الحقيقة أن عوامل التوتر ومحركات الاحتقان والصدام‏,‏ عديدة ومركبة‏,‏ بدت ملامحها منذ فترة طويلة‏,‏ ثم تراكمت‏,‏ مع عدم الاهتمام بالحل‏,‏ وصولا إلي ما يشبه الانفجار الآن‏...‏

برغم أن أسباب كل ذلك داخلية في الأصل والأساس‏,‏ مثل الفقر والبطالة والأمية وانفجار الأسعار والسلب والنهب والفساد والاستبداد‏,‏ فإن التحريض الخارجي وجد في هذه الأرض المتوترة‏,‏ ساحة نموذجية لممارسة مهمته‏,‏ ولعلنا نذكر القراء‏,‏ بأننا مع غيرنا من الكتاب والمحللين‏,‏ نبهنا وحذرنا قبل سنوات‏,‏ من نظرية الفوضي الخلاقة التي اخترعها عتاة المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية‏,‏ وراحوا يؤصلونها ويروجون لها في العالم‏..‏

وخلاصة هذه النظرية المدمرة‏,‏ تقوم علي زعزعة الأوضاع في دولة ما‏,‏ حتي لو كانت حليفة أو صديقة‏,‏ وتحريض القوي السياسية والاجتماعية في الداخل‏,‏ لتتحرك رفضا لنظام الحكم القائم‏,‏ حتي يجد نفسه أمام أحد احتمالين‏,‏ إما أن يسقط نهائيا‏,‏ وإما يخضع للضغوط الأجنبية في الأساس‏,‏ وينصاع لمطالبها‏,‏ وفي الحالتين يستطيع مهندسو الفوضي الخلاقة إعادة بناء الدولة وتركيب قواها ومؤسساتها وفق مخططهم وأهدافهم‏..[‏ نماذج أوكرانيا وجورجيا ورومانيا وغيرها‏]...‏

وها نحن هذه الأيام العصيبة نمر ونواجه نوعين من الفوضي الخلاقة الأمريكية‏:‏ نوعا حادا خشنا هكذا بدأ‏,‏ وهكذا سينتهي‏,‏ ونوعا أقل حدة وخشونة حتي الآن لكنه يدفع دفعا نحو الصدام الأكثر حدة‏..‏

النوع الأول نجد مثاله النموذجي في العراق‏,‏ حيث بادر جيش الاحتلال الأمريكي في هدم كل شيء منذ بداية الغزو عام‏2003,‏ وفي إطلاق كل قوي الفوضي والسرقة والنهب والقتل والثأر والتصفية العرقية والطائفية‏,‏ بينما هو يتفرج في انتظار انتهاء حالة الفوضي‏,‏ إلي حالة جديدة خلاقة يبنيها علي عينه‏!‏

غير أن الأمر كما ترون لم يتحقق وفق الوهم الأمريكي‏,‏ وها هي أكثر من ثلاث سنوات علي الاحتلال قد انقضت‏,‏ بينما الفوضي الخلاقة قد انقلبت علي أصحابها‏,‏ لتغرقهم في مقتلة دموية لن يخرجوا منها بسهولة‏,‏ وإن أصابت الفوضي شعب العراق في مقتل لا براء منه في القريب لأن الأساس قد تهدم‏!!‏

وقد ينطبق الوضع ذاته علي فلسطين وعلي السودان وعلي الصومال‏,‏ حيث انطلقت القوي والتيارات المتصارعة والمتنافسة‏,‏ فيما يشبه الحرب الأهلية‏,‏ يلعب فيها الاحتلال الصهيوني والحليف الأمريكي الدور الأعظم‏,‏ تحطيما لكل ما هو قائم‏,‏ علي أمل بناء جديد فوق أنقاضه‏,‏ يتناسب مع المشروع الصهيوني الأمريكي‏..‏

أما النوع الثاني من الفوضي الخلاقة الأمريكية‏,‏ التي تبدو أقل دموية من المشهد العراقي أو الفلسطيني أو الصومالي‏,‏ فهو يتمثل حاليا في ثلاث ساحات رئيسية‏,‏ تمثل كل منها قوة رئيسية فاعلة في المنطقة العربية والإسلامية‏,‏ ونعني إيران التي دخلت مع أمريكا والغرب لعبة الشد والجذب حول برنامجها النووي‏,‏ في ظل استقواء داخلي وارادة ذاتية حديدية‏,‏ بينما مازالت أمريكا وحلفاؤها مترددين في الانقضاض العسكري الساحق علي إيران‏,‏ لأنهم يعلمون أن رد الفعل الإيراني سيكون مدمرا للمنطقة‏,‏ وخصوصا في الخليج والعراق‏...‏ ولذلك فإن اختيارات الفوضي الخلاقة مازالت تحت الاختبار حتي اللحظة علي الأقل‏..‏

وعلي الجانب الآخر‏,‏ مارست قوي المحافظين الجدد الأمريكيين‏,‏ شكلا من أشكال هذه الفوضي الخلاقة‏,‏ في المملكة العربية السعودية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي‏,‏ مارسته بالضغط الناعم ولكن الحاسم‏,‏ واستغلت بالضرورة اندلاع الهجمات الإرهابية العديدة‏,‏ التي عانت منها السعودية‏,‏ سلاحا إضافيا لتوسيع دوائر الفوضي الخلاقة الضاغطة علي نظام الحكم من ناحية‏,‏ ولممارسة سياسات ابتزازية ضد السعودية لإجراء اصلاحات داخلية‏,‏ من ناحية أخري‏,‏ وهي تعلم أنها تتعامل هنا مع أكبر مصدر للنفط وأهم شريك للغرب عموما‏..‏

ولا أتردد كثيرا في الربط بين العمليات الإرهابية‏,‏ والابتزاز الخارجي الحاد‏,‏ وبين نظرية الفوضي الخلاقة الأمريكية هذه‏!‏

أما الجانب الأعوص والمشكلة الأكثر تعقيدا‏,‏ في إطار نظرية الفوضي الخلاقة هذه‏,‏ فهي ما يجري في مصر المحروسة‏,‏ وهو أمر لايمكن التهوين من خطورته ولا مجال للادعاء بأنها مجرد مظاهرات احتجاجية محدودة العدد محدودة الأثر‏,‏ يجيد الأمن التعامل معها بالشدة اللازمة‏..‏

للأسف ظل بعض السياسيين والمحللين‏,‏ الذين غالبا لا يقرأون السياسة الأمريكية جيدا‏,‏ يرددون أن مصر الحليف الأهم لأمريكا التي لا يمكنها الاستغناء عنها‏,‏ وبالتالي فإن أمريكا لايمكن أن تخاطر بممارسة لعبة الفوضي الخلاقة في الحالة المصرية‏,‏ احتفاظا بنظام حكمها الحليف قويا متماسكا‏...‏

لكن الحقيقة أنه جدت في الأمور أمور‏,‏ وما كان بالأمس مسلما به‏,‏ لم يعد كذلك‏,‏ ومن راهن علي الصداقة الأمريكية الدائمة‏,‏ خانته الصداقة غير الدائمة‏,‏ لأن المصالح هي الأهم‏,‏ باختصار من تغطي بأمريكا فهو عريان كما ولدته أمه‏..‏ تماما كما أن من كان يتصور أن مصر بلد مسالم وشعبها هادئ صبور وربما خنوع‏!‏ قليلا ما يثور وينفجر في وجه غاصبي حقه‏,‏ جاء رهانهم خائبا بنفس الدرجة‏..‏

أتذكر أنني قرأت مقالا مهما للدبلوماسي الأمريكي المحنك وخبير الشرق الأوسط وليم كوانت في بداية يناير من عام‏2006,‏ قال فيه جملة بليغة وهي إن الرئيس الأمريكي بوش لم تكن لديه فكرة عما يجري في المنطقة العربية خلال عام‏2005,‏ وأنه ليس لديه أي فكرة أيضا عما يمكن أن يحدث في العام الحالي‏2006...‏ باختصار وصفه بالجهل بحقائق ما يجري هنا‏..‏

وحقائق ما جري هنا في مصر تحديدا عام‏2005,‏ امتدادا للعام الحالي‏,‏ هو تغير حقيقي وعميق في التفكير والمزاج والسلوك المصري‏,‏ وصل إلي حدود الاشتباك الحاد وربما الصدام العنيف‏,‏ بين قوي سياسية اجتماعية محتجة متمردة‏,‏ ترفض الأوضاع الراهنة المتجمدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا‏,‏ وتريد تغييرها سلميا بإصلاح ديمقراطي وطني حقيقي‏,‏ وبين قوي بيروقراطية مازالت متحكمة في الحكومة والحزب الوطني الحاكم‏,‏ تري في القوي المحتجة مجرد بلطجية وراغبي سلطة لا يزيدون علي بضع مئات‏,‏ يستغلون وسائل الإعلام والفضائيات‏,‏ لإظهار مصر وكأنها في فوضي شاملة أو صدام دموي‏,‏ أو ثورة شعبية‏,‏ تحركها قوي التدخل الأمريكي باسم الفوضي الخلاقة‏...‏ ثم يصل التطرف إلي وصف هؤلاء بالخيانة والتبعية لأمريكا‏!!!‏

وفي اعتقادي أن أمريكا ونظريتها في الفوضي الخلاقة‏,‏ لابد ستستفيد من هذا الحراك السياسي والاحتقان الاجتماعي الجاري في مصر‏,‏ لكن المحرك الأصلي لما يجري في مصر هو محرك مصري وطني صميم‏,‏ وجد في التغيرات السياسية التي حدثت علي مدي السنوات الثلاث الأخيرة‏,‏ دافعا للمطالبة بإصلاح ديمقراطي وبإطلاق الحريات وصيانة حقوق الإنسان‏,‏ وحماية حرية الصحافة والرأي والتعبير واستقلال القضاء والجامعات‏,‏ وضمان حقوق المواطنة ومحاربة التطرف والفتنة الطائفية‏,‏ وكلها أمور باتت تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي ولاستقرار مصر ووحدتها التاريخية‏.‏

وبدلا من الاحتكام إلي الحوار العقلاني الديمقراطي‏,‏ والعودة إلي الوسطية المصرية الشهيرة‏,‏ وإعمال الاجتهاد متعدد المنابع‏,‏ لإعادة اللحمة السميكة للسبيكة المصرية‏,‏ اندفع تيار التسلط والعنف داخل البيروقراطية المصرية‏,‏ إلي المواجهة بالقوة الأمنية الباطشة‏,‏ قبضا واعتقالا وضربا وسحلا واعتداء شرسا‏,‏ لا يفرق بين عابر للشارع ومتظاهر‏,‏ وبين صحفي يؤدي عمله أو قاض يمضي نحو منصته‏..‏

وللأسف الشديد‏,‏ فقد كانت الصور الحية التي نقلتها بعض الصحف والفضائيات العربية والأجنبية‏,‏ عن معارك الشوارع بين قوات الأمن المدججة بالسلاح‏,‏ والمتظاهرين‏,‏ أمرا مشينا لكل مصري‏,‏ ودليلا علي شدة الاحتقان‏!!‏

بقي أن أقول إننا نخوض معركة بالغة الشراسة مع منظمات وقوي الإرهاب المسلح‏,‏ الذي أطل علينا من جديد‏,‏ خصوصا عبر سيناء الحبيبة‏,‏ ربما ستكون مواجهته أشد عنفا وشراسة مما جري في الصعيد‏,‏ خلال عقدي الثمانينات والتسعينات‏,‏ لاختلاف الظروف والدوافع والجغرافيا السيناوية الملاصقة لإسرائيل والمفتوحة علي الخلجان والبحار‏..‏

ولذلك أتساءل حقا‏,‏ كيف يمكن لنا أن نتكاتف لنحارب هذا العدو الأشرس‏,‏ ونحن متخاصمون مختلفون مشتتون‏,‏ ما بين صدام مع القضاة والصحفيين والمحامين والمهندسين وأساتذة الجامعات‏,‏ إلي اضرابات العمال وشكاوي الفقراء من التهاب الأسعار وزيادة البطالة‏,‏ والكدر الذي يلوح الوجوه العابسة‏!!‏

إن الأمر أخطر من تلك التقارير المزيفة‏,‏ التي تدعي أن المظاهرات شوية عيال وأن القضاة والصحفيين يبحثون عن دور سياسي‏,‏ وأن المثقفين محترفو كلام‏,‏ وأن العمال تحت السيطرة‏,‏ وأن الأمن فوق الجميع‏!‏

وختاما‏...‏ إن كان البعض قد نسي‏,‏ فلن ننسي أنه لولا دور قوي المجتمع هذه‏,‏ خصوصا من المثقفين والدعاة المستنيرين‏,‏ لما تمكنت عصا الأمن وحدها من القضاء علي عصابات الإرهاب في الصعيد‏,‏ لأن محاربة الإرهاب عمل مجتمعي‏...‏

ونحن اليوم إذن في حاجة إلي مصالحة حقيقية‏,‏ تفض هذه المخاصمات والصدامات والاستقواء‏,‏ لكي نتفرغ حقا لمحاربة العدو الإرهابي الشرس‏,‏ وظهيره من قوي الفوضي الخلاقة‏!!!‏


الاهرام القاهرية

أضف تعليق