هيئة علماء المسلمين في العراق

وبدأ الصراع داخل إدارة بوش!!
وبدأ الصراع داخل إدارة بوش!!  وبدأ الصراع داخل إدارة بوش!!

وبدأ الصراع داخل إدارة بوش!!

مع غرق القوات الأمريكية في المستنقع العراقي، والتيه في دروب الرافدين، تعاني إدارة بوش من التفكك والانقسام، بما يفوق التوقعات. ويبدو أن حرب العراق الظالمة تسببت في حرب من نوع آخر داخل أركان الإدارة الأمريكية ووكالاتها. فالاتهامات المتبادلة حول المسؤولية عن الفشل أصبحت ظاهرة متنامية، خرجت من وراء المكاتب إلي صفحات المجلات والصحف. وتحول الجدل إلي صراعات شرسة بين من يوصفون بأنهم صقور الإدارة. أبرز مظاهر الانقسام ما يحدث من صراعات بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وسعي بعضها للهيمنة علي البعض الآخر. و ظهور شخصيات متنفذة تتصارع فيما بينها للسيطرة علي هذه الوكالات.



لم يكن قرار إقالة بورتر غوس مدير وكالة المخابرات الأمريكية سوي حلقة من حلقات هذا الصراع الذي يشير إلي أزمة هذه الوكالة التي كانت لها سمعة ومكانة كبيرة، إلى أن فقدت مصداقيتها أمام الشعب الأمريكي بعد ثبوت كذب تقاريرها.



بدأت cia  تتلقي الضربات منذ أحداث 11 سبتمبر وزاد الهجوم عليها وعلي غيرها من الوكالات ووزارة الدفاع مع أول ظهور لفشل الاحتلال العسكري الأمريكي في العراق. كان تقرير لجنة التحقيق في أحداث 11 سبتمبر بداية لهذا الصراع الذي بدأ وتفاقم حتى اليوم بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية. فقد أشار التقرير إلى عدم وجود تنسيق بين المخابرات المركزية والأجهزة الاستخبارية  الأخرى، مما أوجد الثغرات التي استغلها من قاموا بتفجير برجي مبني التجارة العالمي.



ومع تسريب المعلومات عن كذب تقارير المخابرات عن أسلحة الدمار الشامل في العراق و كذب ما أعلن عن صفقة اليورانيوم من النيجر، وغيرها من تقارير اعتبرت مضللة وسببا في تورط الجيش الأمريكي في حرب خاسرة اضطر جورج تنت مدير الـ cia  السابق إلى تقديم استقالته لتجنب المساءلة.



اختار جورج بوش بورتر غوس في سبتمبر 2004 خلفا لجورج تينيت ليدير الوكالة، وكانت المجاملة الحزبية واضحة في الاختيار. وكان بوش يهدف إلى السيطرة علي الوكالة وتقييدها لاحتوائها ليضمن مساندتها له في الحرب حتى النهاية وليضع حدا لتسريب المعلومات المحرجة له والتي تساهم في تحريض خصومه الديمقراطيين ضد سياسته وتؤلب عليه الشعب الأمريكي.



اختيار بوش لم يرض العاملين في الوكالة، فقد تسبب بورتر غوس في إثارة الانتقادات داخل الـ cia  كما تسبب في تشويه صورتها، إذ قام المدير الجديد بانتشال شخص مغمور نسبيا في الوكالة، كيلي فوغو ، ليكون المدير التنفيذي، أي الرجل الثالث في السي آي أيه، والذي فتح بابا واسعا لانتقاد الوكالة في وسائل الإعلام والتشهير بها . اتهم المدير التنفيذي للوكالة بتلقي رشاوى والتورط في وقائع فساد متعلقة بإسناد عقود دفاعية بطرق غير شرعية لأحد أصدقائه، وقد صاحب هذه الاتهامات تسريب معلومات تمس سلوكه الشخصي عن إدمانه لعب البوكر في فنادق في العاصمة الأميركية.



صبت الصحف انتقادات لاذعة  لـ cia والفساد المرتبط بها، الأمر الذي شكل عبئا علي بوش نفسه، فأجبر علي إقالة صديقه الذي لم يدم في موقعه أكثر من عام ونصف. لكن هناك سبب آخر ساهم في الإطاحة بـ غوس وأدي إلى سرعة الخلاص منه، وهي صراعه مع المدير الوطني للاستخبارات الذي يريد فرض سلطته علي cia  وباقي الوكالات. فقد حاول غوس أن يكون له بصمة يقنع بها العاملين في الوكالة وأنه يعمل علي استعادة هيبة ومكانة الوكالة، والتصدي لمحاولة وتذويبها والسيطرة عليها.



نجروبونتى والسيطرة علي cia



مع التعثر في العراق والفشل المخابراتي بشكل عام قامت الإدارة الأميركية  بإعادة تنظيم استخباراتها باستحداث منصب جديد مهمته التنسيق بين الوكالات الاستخبارية،  فتمت تسمية مدير وطني للاستخبارات هو جون نيجروبونتي للإشراف على السي آي أيه وعلى 16 وكالة استخبارات أميركية.



يعتبر جون نجروبونتى شخصية متنفذة في الإدارة الأمريكية، وله علاقات واسعة، فقد خدم في الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ 40 عاما، بالإضافة إلى ذلك فإن له تاريخا دمويا في أمريكا اللاتينية أثناء حكم الرئيس ريجان وفى الفترة ما بين 1981 و 1985 عندما كان سفيرا لبلاده في هندوراس. وكان آخر منصب له قبل رجوعه إلي واشنطن سفير الاحتلال في المنطقة الخضراء ببغداد، وقد لوحظ أنه لم يخرج منها طوال فترة وجوده إلا نادرا، وظل ملتزما مكانه خشية الاغتيال حتى تم سحبه إلى منصبه الاستخباراتي.



كان أمام نيجروبونتي عقبتان لتنفيذ مهمته. الأولى: cia  ، والثانية: وكالات وزارة الدفاع الخاضعة لرامسفيلد وزير الدفاع والمدعوم بقوة من نائب الرئيس ديك تشيني. ورأي نيجروبونتي أن cia هي الأضعف بسبب الاضطراب الذي تمر به منذ تفجير البرجين وأدائها الذي لم يحظ بأي دعم وتأييد، خاصة مع فشل الدور المخابراتي في تقييم الوضع في العراق بشكل حقيقي. وقرر نيجروبونتي الدخول بحرص علي الوكالات العسكرية حتى لا يستفز رامسفيلد  ويدخل في معركة غير محسوبة تفقده المنصب قبل أن يذوق حلاوته.



ما أن تقلد نيجروبونتي منصبه الجديد كمدير للاستخبارات القومية حتى سارع إلى بسط سلطته على وكالة الاستخبارات المركزية ليصبح المسئول عن قراءة الموجز اليومي الاستخباراتي على الرئيس بوش بدلا عن 'بورتر غوس' الذي لم يستطع أن يفرض نفسه لحداثة عهده وللفشل الذي لازالت الوكالة تتحمل مسؤوليته.



كان حلول نيجروبونتي بدلا من مدير الوكالة قربا من الرئيس الأمريكي يمثل أكبر ضربة للوكالة إذ أعطي انطباعا بتراجع دورها وزوال مكانتها.



وأصبح نيجروبونتي هو المتحدث باسم المخابرات في الكونجرس، وهو الذي يقدم الإفادات حول النشاط الاستخباري أمام الجهات العليا.



ما فعله نيجروبونتي لم يثر غضب العاملين في cia وحدهم، وإنما امتد الغضب إلى الوكالات العسكرية التي تسعي هي الأخرى للتوسع والسيطرة علي العمل الاستخباري علي حساب cia. فالمعركة كانت في الأساس بين cia و البنتاجون وزادت المنافسة مع الدور الذي بدأ يلعبه الجيش الأمريكي منذ حرب أفغانستان والعراق.



الصراع بين cia  ووزارة الدفاع



العلاقة بين cia ووزارة الدفاع متوترة. فالتنافس  بين الطرفين  علي المخصصات والنفوذ موجود منذ فترة، إذ أن الأجهزة التابعة لوزارة الدفاع تحتل مركز الصدارة في الموازنة السنوية المخصصة للأجهزة الاستخباراتية الأميركية. فرغم الطبيعة السرية لمثل هذه الأمور فإن  وكالة الاستخبارات المركزية تحصل على خمسة مليارات دولار سنوياً، وهو أقل من ستة إلى ثمانية مليارات دولار التي تحصل عليها وكالة الأمن القومي سنوياً. ويحصل المكتب القومي للاستطلاع التابع لوزارة الدفاع على ستة إلى ثمانية مليارات دولار في السنة، علاوة على الوكالات الأخرى المرتبطة بوزارة الدفاع مثل الوكالة القومية للاستخبارات الفضائية التي تستفيد من ثلاثة مليارات دولار سنوياً، والمرافق العسكرية المستقلة التي تتوفر على أجهزتها الخاصة لجمع المعلومات وتحليلها.



لكن العلاقة بين cia ووزارة الدفاع ازدادت توترا منذ تعيين رامسفيلد وزيرا للدفاع، لرغبة الأخير في تقوية نفوذه والتوسع في العمل الاستخباري لوزارة الدفاع علي حساب الوكالة.



من الخطوات التي اتخذها رامسفيلد  التي توضح حبه للسيطرة وولعه بالتغول و التمدد، ما قام به الجيش الأميركي مؤخراً عندما نشر فرقا صغيرة من 'قوات العمليات الخاصة' في عدد من السفارات الأميركية بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية. هذه الخطوة نظر إليها من جانب قادة وكالة المخابرات المركزية علي أنها تعديا علي عملهم وتجاوزا لا يقبلونه، ويعد تضاربا في المسؤوليات.

تم إرسال مجموعات صغيرة من أفراد 'العمليات الخاصة' إلى أكثر من اثنتي عشرة سفارة في إفريقيا وجنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية.



هذا التحرك من رامسفيلد سبب أزمة مع cia ووزارة الخارجية أيضا.  ففي واقعة حظيت بنقاش ساخن بين الهيئات الثلاث قامت وحدة عسكرية من هذه الوحدات التي أرسلت إلى الباراغواي دون علم السفارة بقتل لص مسلح قابلهم أثناء نزولهم من سيارة أجرة، الأمر الذي سبب إحراجا للسفير وفتح الباب لمناقشة هذا التضارب وعدم التنسيق.



هذه السيطرة الكاملة لرامسفيلد علي هذه الوحدات الخاصة، خارج سيطرة مدير الاستخبارات الوطنية الجديد نيجروبونتي أوجدت معركة أخري بين الطرفين.



صراع رامسفيلد ونيجروبونتي

   

إذا كان جون نيجروبونتي  قد أزاح  'بورتر غوس' الذي حاول التصدي لمحاولاته للسيطرة على cia فان معركته الكبرى مع وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أكثر ضراوة، فالثاني يريد هو الآخر أن يسيطر علي ما تبقي من الأجهزة الاستخبارية، متجاهلا  المدير الوطني للاستخبارات.



سعي رامسفيلد من جهته للحد من سلطات نيجروبونتي وتجاهل وجوده وسار في مخططه، بكل قوته، وبرر موقفه بأنه لا يريد إضعاف وزارة الدفاع وقال في شهادة أدلى بها أمام الكونجرس : 'نحن لا نريد أن نضع حواجز جديدة بين القادة العسكريين في الميدان وأجهزة الاستخبارات العسكرية التي تقدم لهم الدعم'.



وقد تسبب هذا التخبط والتنازع بين أجهزة ووكالات المخابرات في خروج الانقسامات إلى السطح. وتشير حدة الحملات المتبادلة إلى أن الأمر خرج عن السيطرة. هذا الصراع بين الأجهزة الاستخباراتية وراء ما عرف بحرب تسريب المعلومات التي تفضح الإدارة الأمريكية بشكل عام.



ففضائح سجن أبي غريب وتسريب الصور عن الانتهاكات كان في إطار هذه الحرب الدائرة في دهاليز العمل الاستخباري ، كان المقصود منها إدانة الاستخبارات العسكرية. ونفس الأمر فيما يتعلق بنشر فضائح المخابرات المركزية حول أسلحة الدمار الشامل المزعومة  في العراق وغيرها مثل فضيحة السجون السرية.



هذه الحملات الإعلامية ضد رموز الإدارة الأمريكية بغض النظر عن دوافعها تأتي في إطار تصفية الحسابات بين مجرمي الحرب. فالكل يريد التهرب من مسؤولية الانهيار الحادث للهيبة الأمريكية وضياع حلم الإمبراطورية علي أيدي المقاومة في العراق وأفغانستان.

الصراع الذي نشاهده بين أركان إدارة بوش يكشف جانبا لم ننتبه إليه من قبل وهو أن خسائر أمريكا ليس فقط ما تتكبده  في العراق، وإنما هناك خسائر ناتجة عن هذه الحروب في عقر الدار، وأن الترويع ارتد إلي المعتدي وأصاب العصب، وشيئا فشيئا سيصيب الشلل الدماغ لتموت أذرع الإخطبوط وتتآكل، ربما قبل أن يستطيع سحبها لتكون نهاية إمبراطورية الشر إلي الأبد.

أضف تعليق