هيئة علماء المسلمين في العراق

إيران تراجع تكتيكي أم إستراتيجي؟.....طلعت رميح
إيران تراجع تكتيكي أم إستراتيجي؟.....طلعت رميح    إيران تراجع تكتيكي أم إستراتيجي؟.....طلعت رميح

إيران تراجع تكتيكي أم إستراتيجي؟.....طلعت رميح

بدأت إيران الدورة العكسية في دعايتها السياسية والإعلامية في شأن صراعها حول برنامجها النووي. هذا ما تدل عليه وتشير إليه كل التصريحات الصادرة عن القيادات الإيرانية المختلفة خلال المرحلة الأخيرة. وإذا كان التشدد الإعلامي في التصريحات والسلوك الإيراني قد بلغ أشده في مرحلة ما قبل تحويل ملفها النووي إلى مجلس الأمن، فمنذ إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن ن والخط البياني للتشدد الإيراني هابط ، إذ دأبت إيران منذ هذا التطور على تقديم العرض تلو الآخر في حالة متراجعة تتضح يومًا بعد يوم. في البداية أعلنت طهران عن استعدادها لتنفيذ طلبات وكالة الطاقة والتعامل بإيجابية مع طلباتها؛ إذا ما أعيد الملف من مجلس الأمن إلى الوكالة، ثم تطور الأمر إلى إعادة إيران إيقاظ المشروع الروسي الذي سبق أن رفضته بتخصيب اليورانيوم على الأرض الروسية، ثم وجّه الرئيس الإيراني رسالة مباشرة إلى أمريكا بالتفاوض في حالة لم يعهدها المتابعون لتصريحات أحمدي نجاد من قبل.



وهكذا تواصل الأمر إلى أن أعلن الرئيس الإيراني أيضًا أن بلاده راغبة في التفاوض مع أي طرف كان [ما عدا النظام الإسرائيلي، حسب ما قاله] حول برنامجها النووي ، لكن ليس تحت التهديد .



وقد جاءت هذه العروض والتطورات والتصريحات الأخيرة معاكسة أو مختلفة عن التصعيد الإيراني الشديد الذي رد على فكرة المجابهة العسكرية من قِبل دوائر أمريكية بتصريحات بالمجابهة العسكرية أيضًا، وبإجراء مناورات عسكرية، والإعلان خلالها عن معدات واختراعات جديدة، وبفتح نوافذ إعلامه لشن حرب نفسية على الولايات المتحدة ومن يتحالف معها؛ من خلال الحديث عن مدى الخسائر التي ستمنى بها القوات الأمريكية إذا ما هاجمت إيران، كما لا يخفى على أحد أن التصعيد الإيراني كان خلف التصعيد العسكري الذي جرى فجأة ضد القوات البريطانية في جنوب العراق [إسقاط طائرة هليوكوبتر بريطانية، وحرق دبابتين في يوم واحد].



وفي ضوء هذه الحالة الجديدة المختلفة عما سبق؛ فإن السؤال الجوهري في متابعة المرحلة الراهنة من الأزمة هو: هل التراجع الإيراني الراهن هو تراجع تكتيكي تحاول من خلاله إيران الحصول على ميزات وقتية، أم أنه تراجع إستراتيجيي وأخير بعد أن أيقنت طهران أن احتمالات العدوان عليها هي احتمالات حقيقية، وأن الخسائر التي ستنجم عنه ـ بغض النظر عما ستصيب هي بالمقابل ـ هي خسائر ستؤثر على إيران حاليًا ومستقبلاً؟



إيران على الطريق الكوري !

لفهم ما تقوم به إيران الآن لا بد من مراجعة التجربة الكورية من أكثر من زاوية. لقد بدأ التحرش الأمريكي بكوريا قبل بدء التحضيرات للعدوان على العراق، وفي ظرف لم تكن كوريا قد وصلت بعد إلى امتلاك السلاح النووي أو إلى تطوير قدراتها الصاروخية لتصل الأراضي الأمريكية على نحو فعّال. وقتها أيقن الكوريون أن الولايات المتحدة في ظرف يمكنها ـ إن لم يكن من شن العدوان على بلادهم بحكم ظروف إقليمية تشكّل سياجًا ومنعة لكوريا، خاصة بحكم الوجود الصيني ـ فعلى الأقل بتجييش الحصار الدولي ضدها إلى درجة الخنق. ولذلك اتخذ الكوريون موقفًا متراجعًا عن التصعيد أو متنازلاً أمام الهجوم والضغط الأمريكي تمثّل في الموافقة على رقابة الوكالة الدولية للطاقة على المنشآت النووية الكورية، وتوقيع اتفاقات متعددة بهذا الشأن، مقابل إمدادات غذائية وإمدادات بالطاقة. غير أن كوريا وبعد أن تأكّد لها التورط الأمريكي في الهجوم على العراق ـ خلال عمليات التحضير للعدوان بحشد القوات في الخليج، وإرسال حاملات الطائرات والسفن والبوارج للمياه العربية بعد سحبها من مختلف مناطق العالم ـ ولتقدير منها بعدم قدرة الولايات المتحدة على شن هجوم على دولتين في وقت واحد ولإدراكها أيضًا بأن الهجوم الأمريكي على كوريا يتطلب وجود القوات الأمريكية في قواعد قريبة من كوريا ـ دون قدرة لكوريا على مهاجمتها ـ قررت كوريا وعلى نحو مفاجئ تصعيد لهجتها، كما وسّعت إطار معركتها باتجاه جر الولايات المتحدة إلى تصعيد مقابل تمكّنت كوريا في ظله من طرد المفتشين الدوليين وفض الأختام عن منشآتها النووية، ثم الإعلان عن امتلاكها السلاح النووي، ومن يومها وحتى الآن صمتت الولايات المتحدة، ولم تعد تأتي بسيرة البرنامج النووي الكوري، رغم ما أعلنته كوريا عن امتلاك كوريا لصواريخ قادرة على الوصول إلى بعض الأراضي الأمريكية ذاتها. وهو ما تم كله بشكل متدرج مع تصاعد حالة التورط الأمريكي في العراق.

وإذا عدنا للتجربة الإيرانية فإننا لا شك نجد أنفسنا أمام حالة قريبة الشبه بما جرى من قِبل كوريا، ووفق الظرف الخاص لإيران والمنطقة بطبيعة الحال، أو وفق عوامل ومقومات القوة والضعف لدى الطرفين الأمريكي والإيراني، إذ المرحلة الحالية هي المرحلة الثالثة التي يشهد الملف النووي الإيراني فيها تصعيدًا ثم تهدئة، وإن كان ثمة فارق واضح بين المرحلة الراهنة والمراحل السابقة فهو يتمثل أولاً: في أن الإعلانات الأمريكية والفرنسية عن إمكانية قصف المفاعلات النووية بالأسلحة النووية باتت أشد وضوحًا مما سبق [يجب ملاحظة أن أحدًا على الإطلاق لا يصرح بأنه سيقصف آخر بالسلاح النووي، وإنما يأتي الأمر تلميحًا وتسريبًا، وحتى في حالة تهديد فرنسا باستخدام الأسلحة النووية ـ كما فعل شيراك ـ فإنه لم يشر على الإطلاق إلى طرف بعينه]. وكذا هو يتمثل ثانيًا: في أن أوروبا قد خطت خطوات باتجاه الموقف الأمريكي على خلاف موقفها خلال الأزمات السابقة، التي كانت فيها الطرف المفاوض مع إيران والوسيط بينها وبين الولايات المتحدة. وهذا وذاك وغيرهما من العوامل هو ما دفع إيران إلى مناورتها الراهنة بالتهدئة تحديدًا.


التحرك الحالي

البادي أن إيران في الوقت الراهن باتت تتحرك من أجل استعادة الخطوط التي فقدتها خلال مرحلة تصعيدها بالحرب، أو بالأحرى أن إيران بدأت في ربط الخطوط التي كادت أن تنقطع بينها وبين آخرين؛ حتى لا يستغلها خصمها الاستراتيجي [الأمريكي والصهيوني] في تصعيد الهجوم عليها، أو كما يقال بلغة الاستراتيجية أن إيران باتت تتحرك باتجاه كسب الحلفاء الاحتياطيين بينها وخصومها؛ حتى لا يتحولوا إلى صف الخصم، وبشكل خاص دول الخليج وروسيا والصين؛ إذ شعرت طهران بالقلق من أن يحدث تراجع روسي أو صيني عن مساندتها في مجلس الأمن في ضوء بعض التصريحات الصادرة، إن كان دون لهجة تشدد، بخطأ إيران في تخصيب اليورانيوم خارج إطار رقابة الوكالة الدولية الصارمة. كما هي تحاول الآن الحصول على مكاسب تكتيكية جديدة تحافظ من خلالها على ما حققته على صعيد التخصيب ـ على الأقل ـ وتضمن لها عدم هجوم الولايات المتحدة عليها أو إسرائيل من خلال تعهّد واضح [كانت كوريا قد طلبت من الولايات المتحدة عقد اتفاق عدم اعتداء عليها أيضًا]، وذلك كله استعدادًا لمرحلة أخرى أو لجولة جديدة.

لقد أدركت إيران مغزى واحتمالات وخطر التحوّل في الموقف الخليجي، كما أدركت أن التهديدات التي أطلقتها في غمرة التصعيد مع الولايات المتحدة حول البترول وقطع الإمدادات يمكن أن تؤثر على القرار الخليجي، فالتقطت الإشارة التي أطلقها مجلس التعاون الخليجي في اجتماعه الثامن المنعقد في الرياض الأيام الماضية بحل مشكلة الملف النووي سلميًا، وكذا الإشارة التي أعلنها الرئيس المصري بحل مشكلة البرنامج النووي سلميًا، وكذا  المؤشر المهم الذي صدر عن كوفي عنان بمطالبته واشنطن بحوار مباشر مع طهران حول القضية، كما هي رأت ضرورة التعاطي بإيجابية مع المشروع الأوروبي الجديد لمجلس الأمن الذي يستبعد إصدار قرار من مجلس الأمن يستند إلى الفصل السابع الذي يجيز استخدام القوة.

لقد استهدفت إيران وقف دوران عجلة الحصار والعزل وتوجيه ضربات دبلوماسية استباقية للاستعدادات الأمريكية لتوجيه ضربات لها أيًا كان نوع هذه الضربات، في ضوء رؤيتها لملامح خطة أمريكية للتمهيد للعدوان عليها وحصارها، تمثّلت في بدء الولايات المتحدة إعداد الشعب الأمريكي لاحتمالات المواجهة مع إيران، وفي تليين الموقف الأمريكي تجاه الانسحاب من العراق من خلال طرح أفكار حول تدويل الأزمة في العراق، بما يضعف نقاط قوة إيران التي تعتبر الوجود الأمريكي في العراق أحد عوامل قوتها بوجود الجنود الأمريكان في متناول قدراتها العسكرية، وكذا هي تتمثل في التهديدات والتصريحات الأمريكية بأن الولايات المتحدة ستسعى مع حلفائها لاتخاذ خطوات ضد إيران خارج إطار مجلس الأمن، حيث أعلن نيكولاس بيرتز وكيل الخارجية الأمريكية أن إدارة الرئيس بوش ستسعى لفرض عقوبات على طهران مع الدول الحليفة لها بشكل منفرد في حالة فشل مجلس الأمن في التوصّل إلى اتفاق على قرار حول إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة.


الإستراتيجية الإيرانية

يمكن القول بأن الاستراتيجية الإيرانية بشأن ملفها النووي باتت واضحة، وأن ما يجري الآن هو تكتيكات ومناورات لمنع العدوان الأمريكي في المرحلة الحالية، والوصول إلى مرحلة لا يمكن فيها للولايات المتحدة شن العدوان على إيران [نموذج كوريا]، وأن إيران تبذل كل ما في وسعها حاليًا للحصول على مكاسب تكتيكية طوال الوقت للوصول إلى هدفها الإستراتيجي، وأن المرحلة الراهنة هي مرحلة تأتي مرتبطة بما سبقها من عمليات تصعيد، ثم الحصول على مكاسب، ثم التهدئة لا أكثر ولا أقل.

أضف تعليق