اللقاء الواسع الذي دعا له الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ضم نخبة من كبار علماء الأمة ذوي النفوذ الواسع بسبب احترام الرأي العام لهم، علما وقدوة وفتوى،
واهتماما بهموم الأمة وقضاياها الكبرى، جاء ليؤكد مرة أخرى أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في مقدمة المهتمين بالقضية الفلسطينية، المناصرين لها، لاسيما في أوقات الضيق والشدة.
هذا اللقاء خطوة أخرى في تعزيز تضامن الشعوب الإسلامية مع الشعب الفلسطيني. وهو ما يعتبر شرطا لاستعادة وحدة الأمة العربية والإسلامية التي مزقتها التجزئة، وتكالبت عليها القوى الخارجية، والتابعة، لتمزيقها وتشتيت جهودها تحت الموضوعة القائلة: دولتي - قطري أولا، أو «فليقلع كل شوكه بيديه». فهذا الموضوعة هي السم الهاري في جسد الأمة إذا لم تدحر من خلال التضامن والوحدة. ومَن أولى من كبار علماء الأمة في التصدي لهذا السم وإبطاله.
كان الداعي لعقد هذا اللقاء في الدوحة - قطر ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من حصار مالي وسياسي أمريكي - أوروبي - إسرائيلي، وبمشاركة بعض العرب تواطؤا، وبعضهم عجزا عن تحدي الضغوط الأمريكية، وانضمت المصارف للمساهمة في هذا الحصار من خلال الامتناع عن استقبال الأموال ونقلها إلى فلسطين. وقد بالغت بعض المصارف إلى حد الامتناع عن نقل أموال متواضعة يرسلها فلسطيني في الخارج إلى أهله.
من هنا ندرك أهمية ما ورد في خطاب الشيخ يوسف القرضاوي، في افتتاحه للقاء - المؤتمر، بمقاطعة كل من يحاصر، أو يشارك في حصار الشعب الفلسطيني بما في ذلك المصارف. وهي صرخة إنذار يجب أن تؤخذ بكل الجد الضروري لأن الشيخ القرضاوي ومعه العلماء يعبرون من خلال هذا الموقف عن مشاعر الغالبية الساحقة من العرب والمسلمين. وإذا ما استجيب لها، بأسرع ما يمكن، فإن النتيجة ستكون مضمونة في التراجع عن تلك المواقف المخزية إزاء حصار الشعب الفلسطيني. فما دام المعنيون لا يفهمون إلا لغة الضغط الاقتصادي والسياسي. فالرأي العام العربي والمسلم يملك أوراقا أشد فعالية من الأوراق التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية. فعلى سبيل المثال أن المصارف العربية تقوم على أكتاف المودعين والمتعاملين العرب أولا وقبل كل شيء. وإذا ما وضعت بين مقاطعة شعبية، ولو جزئية، وضغوط أمريكية فستفكر مائة مرة قبل أن تختار الخضوع لتلك الضغوط.
المهم أن يدرك الفرد العربي أن باستطاعته أن يفعل شيئا ويفرض احترامه إذا ما اقتنع بجدوى المقاطعة التي يقوم بها حتى لو لم تكن جماعية ودفعة واحدة. الأمر الذي يتطلب ارتفاع الوعي لدى الفرد العربي، مجرد الفرد (إذا لزم أن يتحرك وحده)، أن مبادرته للمقاطعة، ولو منفردا ستؤثر في مواقف غيره ممن يعانون ما يعانيه من فقدان الثقة بأن بمقدورهم أن يفعلوا ويؤثروا إذا ما اتخذوا قرارا فرديا بالمقاطعة. بل على الفرد أن يقتنع بأن مقاطعته وحده تثري شخصيته، وتزيد من احترامه لنفسه، وتسهم في تخليصه من الشعور بالعجز. وذلك حين يتحرق لفعل شيء إزاء مواقف تتحدى الأمة وتتركه يميز غيظا، كما وقع في التحدي الذي مثلته الرسوم «الدنماركية» التي أساءت للرسول صلى الله عليه وسلم. أو كما يحدث يوميا مع الشركات الأجنبية التي تحصد المرابح الخيالية من بلادنا وفي الوقت نفسه تقدم جزءا مهما منها دعما للدولة العبرية ناهيك عن المواقف السياسية لبعض الدول.
إن امتلاك الفرد، كفرد، لوعي المقاطعة، انطلاقا من ذاته، سوف يحدث قفزة تتلوها قفزات على طريق نهضة الأمة ووقف الاستهتار بها، فكيف حين تصدر فتوى في المقاطعة وتصبح اتجاها جماعيا؟ ثم ما أسهل أن يقرر الفرد أن يقاطع ولو منفردا ما دامت البدائل متوافرة مثلا نقل ودائعه من مصرف إلى آخر، أو شراء سلعة بدلا من سلعة أخرى. وأضف أن ما من تضحية في ذلك، ولا من محاسبة قانونية أو من خطر يمكن أن يتعرض له ذلك الفرد.
من هنا فإن التجاوب مع البيان الختامي للقاء علماء الأمة في الدوحة سيكون له أكبر الأثر في دعم شعب فلسطين، وفي استعادة الهيبة لشعوبنا، وقد أضاعها المفرطون من المتنفذين في دنيا السياسة والمال. لقد أضاعوها حين لم يغضبوا لما تتعرض له الأمة من استهتار بحقوقها وحتى كرامتها، فكيف مع الخضوع وطأطأة الرؤوس.
لقاء علماء الأمة في الدوحة … منير شفيق
