هيئة علماء المسلمين في العراق

النظام الأمريكي محكوم بخمس سلط ..... د. عبد الهادي بوطالب
النظام الأمريكي محكوم بخمس سلط ..... د. عبد الهادي بوطالب النظام الأمريكي محكوم بخمس سلط ..... د. عبد الهادي بوطالب

النظام الأمريكي محكوم بخمس سلط ..... د. عبد الهادي بوطالب

طيلة عشرين سنة درّستُ في كليات الحقوق بالجامعة المغربية مادتي القانون الدستوري والمؤسسات الماسية، والنظم السياسية العالمية. وعن هذه المادة الأخيرة أصدرتُ كتاب “النظم السياسية العالمية” وكتاب “النظم السياسية في العالم الثالث” باللغتين العربية والفرنسية. وعندما كنت أدرّس النظام السياسي الأمريكي كنت أقول لطلبتي إن هذا النظام لا تحكمه فقط سلطة الرئيس بل أيضا سلطة الكونجرس (بمجلسيه)، وسلطة القضاء وبالأخص المجلس الأعلى. وهو ما أجمعت عليه دراسات النظم السياسية القانونية العالمية.

لكن بعد أن تتبّعتُ عن كثب واقع هذا النظام ودرست أجهزته العاملة وآلياته التي يعمل بها والقوات التي تمسك بزمام الحكم فيه انتهيت إلى أن النظام الأمريكي لا تحكمه فقط ثلاث سُلط، بل خمس: الثلاث المذكورة آنفاً وهي سلطات دستورية نص عليها الدستور الأمريكي، وسلطتان أخريان لا ينص عليهما الدستور ولكن تمارسان الحكم الموازي في خفاء، ولهما تأثير مباشر على السلطات الثلاث. هما سلطة وكالة المخابرات الأمريكية (السي آي إيه)، وسلطة اللوبي الصهيوني الذي يمارس نفوذا مهيبا ويؤثر على توجهات السلطات الدستورية الثلاث.

يعتمد الرئيس والكونجرس على معلومات وكالة المخابرات، ويتلقى منها الرئيس الأمريكي تقريرا يوميا يضم معلومات عن المجتمع السياسي الأمريكي، وأخرى عن العالم كله. ولا يخرج الرئيس من مكتبه كل صباح إلا بعد أن يطلع على تقرير الوكالة الشامل. وما يرد عن الوكالة في صلب تقاريرها يعتمده الرئيس بحكم ثقته المطلقة في صدقية معلوماتها. وإذا كان جاء في المقولة المشهورة القول “إن التعليق على الخبر حر، لكن الخبر مقدس”، فإن خبر الوكالة المركزية أقدس الأخبار على الإطلاق عند رؤساء الولايات المتحدة. على معلومات الوكالة يعتمد الرئيس في تسمية كبار الموظفين وزراء وسفراء. فمن زكته الوكالة فاز بالوظيفة، ومن طعنت فيه نُحِّي عنها وحُرم منها. وسياسة وزارة الخارجية الأمريكية في المجال الدبلوماسي تتأثر بمعلومات الوكالة في تصنيف العلاقات الخارجية إلى علاقات دول صديقة ودول عدوة، وثالثة عليها نقطة الاستفهام ويجب التعامل معها بحذر.

أما سلطة اللوبي الصهيوني فهي سلطة مهيبة ولا تتورع عن استعمال جميع الوسائل والاستفادة من جميع الإمكانيات المتاحة لتؤثر على توجهات الحزبين السياسيين الكبيرين (الجمهوري والديمقراطي). وتحاصر هذه السلطة الرئيس وكتّابه المساعدين في سياسة دعم “إسرائيل” وتشجيعها على التمادي في سياستها. وتضغط على الرؤساء والكونجرس لتوفير الدعم السياسي والمالي ل “إسرائيل”، بالتأكيد على أن “إسرائيل” هي الحليف الاستراتيجي الوحيد للولايات المتحدة. ومن ترضى عنه “إسرائيل” هو صديق الولايات المتحدة، ومن تعاديه هو عدو أمريكا. واللوبي الصهيوني موجود وعامل في مصادر القرار الأمريكي : حاضر في مصادر الإعلام يوجهه في تجميل صورة “إسرائيل” وفاعل مؤثر التركيز على ترابط مصالح الولايات المتحدة مع مصالح “إسرائيل”. كما هو حاضر في مؤسسات القرض والسلف والبنوك، وحاضر بقوة في مجلسي النواب والشيوخ، وحاضر في مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني. وهو يصنع الحكومات الأمريكية ويدعم ترشيح من يرضى عنهم لعضوية الكونجرس، ويدعم أحيانا ماديا انتخابهم على كل مستوى سواء على صعيد الفيدراليات الجهوية في الأسفل، أو على صعيد الدولة الفيدرالية في الأعلى.

اكتشفتُ هذه الظاهرة (الخفية) عند بعض أعضاء الكونجرس عندما كنت سفيرا لبلادي (المغرب) لدى الولايات المتحدة في منتصف السبعينات من القرن المنصرم. وكنت ألاحظ أن عددا من المنتخبين في مجلس الشيوخ ومجلس النواب يلتقون على تأييد سياسة “إسرائيل” ودعمها. وأذكر أني قمت مرة بزيارة عمل لأحد الشيوخ وحين تحدثنا عن سياسة “إسرائيل” حيال العرب بعامة وفلسطين بالأخص بدا لي أن الرجل كان يُنصت إلي باهتمام دون أن يردّ ويدخل في الحوار. وقلت في نفسي إن هذا الشيخ المحترم ليس من صقور مجلس الشيوخ المتعصبين ل “إسرائيل”، خاصة وقد كان يشير لي بموافقته بحركات من رأسه على ما أقول دون أن يجهر بها. وفجأة قام من مكتبه وجلس بجانبي ليهمس إلي: إني متفق معكم على جميع ما قلتموه، لكن لا يسعُني إلا السكوت لأني مدين للوبي اليهود بمقعدي هذا الذي أشغله في المجلس. ولم أعلق على ما همس به ما دام قد سكت هو عن الكلام المحرم الممنوع.

استنتجتُ منذ ذلك اليوم الترابط العضوي بين العلاقات الأمريكية “الإسرائيلية” لكن ظل الأمل يخامرني أن يكون هذا واحداً من متغيرات السياسة الأمريكية لن يطول ويستمرّ. ومنذ ذلك لم أعد أفاجأ بتطورات السياسة الأمريكية في وجهة التقارب والتفاهم والتعاون الشامل مع “إسرائيل”. وكنت دائما آمل في قدرة الساسة الأمريكيين على ترشيد سياستهم حيال “إسرائيل” وعقلنتها. لكن منذ وصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض بقيادة الرئيس بوش خاب أمل من كانوا يتطلعون إلى حدوث تغيير في السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة وقيادة البيت الأبيض حاليا لم تتوقف عن التورط - كل يوم أكثر تحت ضغط اللوبي “الإسرائيلي” - في مساندة “إسرائيل” على حساب العالم العربي الإسلامي الذي صنفه البيت الأبيض في صنف الإرهابيين الأعداء. وهو بذلك إنما أدمج سياسة الولايات المتحدة في سياسة “إسرائيل” التي تصنف هذا العالم في نفس التصنيف. وإلى الأسبوع الماضي كان المحللون السياسيون يؤمّلون أن يراجع البيت الأبيض سياسته حيال العالم العربي الإسلامي، وخاصة في موضوع القضية الفلسطينية واحتلال “إسرائيل” للأراضي العربية، ضمن مراجعته الشمولية لسياسته السابقة التي كانت السبب الأساسي لفشله في العراق وفي أفغانستان، لكن هذا الأمل تبخر باندفاع البيت الأبيض إلى ارتكاب “ثالثة الأثافي” بطلبه من الكونجرس هذا الأسبوع اتخاذ قرار مكافحة الإرهاب الفلسطيني أي المقاومة.

وهذا القرار خطير، لا لأنه غير عقلاني ولا مبرر له فحسب - مثلما لم يكن مبرراً لقرار حرب العراق - بل لأنه يتنافى مع القيم الخلقية الإنسانية العالمية التي كانت الولايات المتحدة زعيمتها وناصرتها والمساهمة في تنظيرها لفائدة الشعوب المناضلة من أجل تحريرها والمقاومة للاستعمار. وإذا كان البيت الأبيض إنما أراد بالحصول على هذا القرار تقديم هدية ثمينة إلى “أولمرت” بمناسبة زيارته الأولى إلى البيت الأبيض (وقد قيل ذلك) فإن هذا القرار يعني أن اللوبي الصهيوني لم يقنع بما ناله من الرئيس بوش من توفير الدعم اللامشروط واللاأخلاقي إلى “إسرائيل”، بل زاد الطين بلة ووصل إلى حد ما يسميه الفرنسيون : “المُضْحِك الذي لا يقتل”. وسيذكر تاريخ الولايات المتحدة حقبة التراجع والتردي التي دخل فيها الحزب الجمهوري اليوم وغداً الكونجرس إذا صوت على القرار وسيؤاخذهما التاريخ الذي قد يُمهل ولكنه لا يُهمِل.

عاش العالم مع الولايات المتحدة الأسبوع الماضي نزاع سلطة الرئيس الأمريكي مع سلطة مدير وكالة المخابرات الأمريكية الذي قدّم استقالته من منصبه وعيّن بدله الرئيس الأمريكي جنرالا سابقا لقي تعيينه معارضة من أوساط مختلفة. وفجّر هذا النزاع ادعاءُ البيت الأبيض أن الرئيس اعتمد على معلومات الوكالة في شن الحرب على العراق بسبب دعوى امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. وتبيّن أن العراق لا يملكها. ونفى مدير الوكالة المستقيل أو المخلوع أن تكون معلومات الوكالة وراء قرار الرئيس لأن مصادر معلومات الرئيس متنوعة، وأن الوكالة غير مسؤولة عن خطأ الرئيس (وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون). ولقد شاهدنا عبر القنوات الفضائية جلسة اللقاء بين المتنازعيْن، الذي قدم فيه مدير الوكالة استقالته، ولم نسمع ما تحدث به المتنازعان المتخاصمان باستثناء فقرة سُرِّبت إلى الإعلام، وجهر بها المدير قائلا: “إني طبقت بأمانة تعليماتكم الرشيدة فيما يخص حرب العراق، وتعاونّا بصدق وحسن تفاهم”. وذلك من بليغ القول الذي لا يحتاج إلى تعليق.

إن الدراسة العلمية للنظام الرئاسي الأمريكي تؤكد أن السلطات التي تحكم الولايات المتحدة عديدة ومتنوعة، وأن الحكم في هذه الدولة العظمى مُشاع بين عدة سلط وفصائل، لكل واحدة مبادئها وأخلاقياتها (أو لا أخلاقياتها). وهي تتعاون في الأغلب فيما بينها تعاوناً وثيقاً. وما قد يحصل بينها من النزاعات يظل يخبو أحيانا تحت الرماد ولا يُعرف إلا متأخرا أو لا يعلم به أحد. وقد ينفجر بركانه أحيانا أخرى فيصيب سلطة منها وينشر فضيحتها. لكن في جميع الأحوال لا يلبث التاريخ أن يعرف المستور ويفضح خباياه. ولكل عهد دولته ونزاعاته ورجاله الذين يرفع التاريخ أقدارهم أو ينزلهم أسفل الدرجات.

“ولله في خلقه شؤون”.

أضف تعليق