بسم الله والصلاة والسلام على محمـد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعــد...
فان الأمر خطير والخطب جلل والمصاب عظيم والمصير مجهول إذا لم نتخذ القـرار الصائب والعـادل الذي يجنبنا وبلدنا ومنطقتنا المقاتِل والفتن والأهوال والمحن، و لات حين مناص.
إن القـرار حتى يكون عادلا يجب أن يكون صالحا وصوابا، لذا كان لزاما أن يُقر من أهل العلم والبصيرة المشهود لهم بالتقوى والصلاح والشجاعة في قول الحق وثباتهم عليه، وكلما كان أثر القرار على عدد اكبر من الناس كلما كان اتخاذه أصعب وكتمان الشهادة فيه آثم والمسؤولية الملقاة على عاتق من يبت أعظم، فما بالكم بقـرار يتعلق بمصير بلد مثل العراق و سلامة أراضيه ومستقبل شعبه، وهنا تكمن أهمية رصانة القـرار وضرورة تجنب اتخاذه من قبل أناس أثبتت لنا الأيام تنكرهم للحق وتحريفهم له، وركونهم إلى المحتلين الظالمين والتذلل لهم، وإضاعة الحقوق وهدر الكرامة، وتمريرهم لمخططات المحتل وتنفيذ مآربه الخبيثة التي سيبقى يعاني منها العراق حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، ولا يخفى على أحد أن للقـرار الخاطئ تداعيات خطيرة وآثارا مدمرة على البـلاد والعبـاد، ولا يعالج صلب المشكلات بل يؤدي إلى تفاقمها مما يسبب مصائب أدهى ومصائر أبشع.
لقد قالوا قديما إن العلم يؤخذ من أفواه العلماء وليس من بطون الكتب، ولهذه المقولة دلالات عميقة على أن لكل منطوق معنى ومضمونا، والمعنى يتضح أكثر من خلال التمعن في المضمون، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بورود منابع العلم الصافية من خلال مجالسة أصحاب العلم الفضلاء ومجالستهم والتعلم منهم والتأسي بهم لمعرفة أسرار العلوم وأبعادها، ومن هنا يمكن تصور واقع الأحداث الجارية في عراقنا الجريح والفوضى العارمة التي نعيشها وغياب الأمن والاستقرار عن مجتمعنا وندرة العناصر الايجابية في جميع الميادين والحقول وخلو الساحة السياسية من القياديين الصادقين من أبناء الوطن النجباء، وشيوع توكيل الأمر لغير أهله، وهذا مما عانيناه منذ الاحتلال، وأخير هذه الأحداث وليس آخرها، طرح موضوع الإقليم والتقسيم، وهو أمر دخيل على ثقافتنا وغريب على مسامعنا وقاتل لروح الانتماء المتأصلة فينا، ونرى أن الذين يقولون بالتقسيم قد تغاضوا عن الأضرار الكبيرة والخسائر الفادحة التي يسببها على جميع المستويات، وهم إما جاهلون بعظم الخطب الذي يدعون له غير واعين لما يخلفه من مآسي مذبذبين لا يعرفون ما يفعلون ولماذا، فهم إمّعة، ومثل هؤلاء علينا وعظهم والقول لهم في أنفسهم ليصوبوا خطأهم ويصلحوا موقفهم، أو من الذين يدعون له تنفيذا لأجندة المحتل البغيض وخدمة لمصالحهم الحزبية والشخصية الضيقة، فهم يحاولون لي أعناق النصوص بما يوافق آرائهم الشاذة بغية إدخال البلد في دوامة الفتن المهلكة وتفتيته وتركه فريسة للطامعين، وصرف الناس عما يجب فعله تجاه القضايا المصيرية للوطن والأمة، فهؤلاء لُعنوا بما قالوا واُبْسِلوا بما كسبوا وضُربت عليهم الذِلّة، ولأنهم فاسدون في أنفسهم مفسدون لغيرهم لذا يجب تحصين المجتمع منهم وبكل السبل المتاحة، ولا خِيَرَة في ذلك، كيف لا، وهم يصورون الهزيمة من الواقع والسعي وراء السراب على أنها أنجع الحلول المتوفرة، ويدلسون على الناس حجم التنازلات الجسيمة الواجب تقديمها قربانا للإقليم، والصدمة والندامة وخيبة الأمل التي ستصيب الجميع من جرائه، والخزي والعار اللذان سيلاحقان منظريه أبد الدهر.
إن التملص من المسؤولية والتراجع عن المطالبة بالحقوق والخوف من مواجهة الواقع لا يمكن أن يكون طريقا لخلاصنا ولا حلا للمعضلات التي تواجهنا، فمتى كانت الهزيمة نصرا والذِلّة عِزّة، وهنا أقول إن الثبات على الحق هو أقصر الطرق لنيل المرام، ومواجهة الظالم هو أفضل وسيلة لانتزاع الحقوق السليبة، وهذه الحقيقة ليست تحت طائلة التجربة ولا الابتداع لأن الأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة لا مجال لسردها والوقوف عليها، ومفادها أن الحقوق تُؤخذ ولا تُعطى، والأرض لمن يذود عنها ويحميها، والشرف لمن يصونه ويسلمه من الأذى، وهذا لا يكون إلا بالدعوة إلى الحق والثبات عليه والتضحية في سبيله، والعمل على دحر الباطل ومخلفاته، وعدم الضرر ممن أراد أن يخذلنا وحاد عن مسار وحدتنا، حتى يأتي فتح الله أو أمر من عنده، فيصبحوا على ما أَسرّوا في أنفسهم نادمين.
وبالرجوع إلى الثقات من أصحاب العلم والبصيرة، والذين نحسبهم على خير ولا نزكي على الله أحدا، والذين ما انفكوا يؤدون الأمانة وينصحون الأمة، والذين وقفوا بوجه الباطل بثبات قلّ نظيره، فهؤلاء هم المثل الذي يُحتذى، وهم أئمة الأمة وأمامها في مواجهة الأخطار ودعاتها إلى الخير بإذن الله، ويتجلى ذلك في ظهورهم على الحق وحكمهم بين الناس بالعدل بردّهم الأمر إلى الله وإلى الرسول واجتهادهم في إصدار القـرارات العـادلة وبيان الأدلة من الكتاب والسنّة، وبما نحن فيه هذه الأيام من جهر بموضوع الإقليم وما صاحبه من اختلاف واضح في وجهات النظر وصل حد الخلاف، فلقد صرحت مراجعنا الكبار، بعد التوكل على الله وتوفيق منه، بفتاوى بينوا فيها حرمة المطالبة بالإقليم والتقسيم واعتبروها انهزاما من مواجهة الظلم وهروبا من الواقع وتنصلا من المسؤولية، ولهم علينا وجوب السمع والطاعة، ما أطاعوا الله فينا، فيجب على الجميع الالتزام بهذه الفتاوى وتفعيلها والدفاع عنها وقطع الطريق على من يريد التصيد بالماء العكر وخلط الأوراق وإرباك الناس الآمنين واستغلالهم.
إن مَثَلَ القـرار العـادل والصبر عليه وتحقيق منافع إنفاذه كمثل البذرة الطيبة التي تؤخذ من أصولها المعروفة والتي تحتاج لبذل المال والجهد والوقت حتى نستفيء ظلال شجرها الوارفة ونجني ثمارها اليانعة، وعندما يكتمل العطاء نستشعر حينها نعمة الله علينا وتكريمه لنا، وكذلك القـرار العـادل فهو يؤخذ من المراجع المشهورة بالملاءة والمتانة، ويحتاج لمن يصطبر عليه ويقدم الغالي والنفيس في سبيل إحقاقه وتنفيذه، ويأمر الناس بفهم حيثياته والتمسك بعروته والالتزام بما جاء فيه حتى ينبلج الحق وتشرق شمس العدالة ويتبين للجميع عظم المصالح المتحققة من تطبيقه والسير على نور معانيه، وعندها لا نملك إلا أن نَخِرَّ ساجدين لله سبحانه أن وفقنا للحق وأرشدنا للخير وأزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.
والحمـد لله الذي هدانـا لهذا وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانـا الله القائل:
((أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون)) الأنعام: 122
القـرار العـادل / د. أيمن العانــــي
