هناك مثل عراقي شعبي يقول نراويك الموت حتي ترضي بالسخونة ، بمعني عندما يهددك الموت سترضي بالحمي. وهذا هو ما يجري في العراق حاليا. فمنذ ان تفضلت ادارة الاحتلال الانكلو ـ امريكي علي مستخدميها المحليين الصغار
بحكومات لاتتجاوز في حضورها وفاعليتها عسكريا واقتصاديا وسياسيا غير ركن صغير من المنطقة الخضراء، بينما احتلت هي العراق كله، ومنذ ان تحصن المحتل ومعاونوه بالقوانين والاجراءات التي تمنحه حق ان يفعل ما يشاء في العراق بما في ذلك الاعتداء والقتل، انخفض سقف توقعات الناس ومتطلباتهم من الحكومة الي ادني المستويات. وبات هم المواطن الاول ان يبقي هو وافراد عائلته علي قيد الحياة.
ان ينتهي نهاره بخير وان يستقبل صباح اليوم التالي وهو في بيته لا في سجن مظلم من سجون الداخلية او دهليز تابع لوزارة الدفاع او معسكر من معسكرات الاحتلال.
تغطي عباءة الموت الاسود أهلنا جميعا بأرقام واحصائيات مذهلة. اذ كشف معهد الطب العدلي يوم 10 ايار/مايو ان عدد الجثث التي تم العثور عليها في بغداد وحدها 1901 جثة خلال الشهر الماضي. فماذا كان رد فعل المسؤولين الحكوميين المنتخبين بالاصابع البنفسجية؟ وماذا كان رد رئيس الوزراء؟
بعد مرور أربعة أشهر علي اعلان نتائج الانتخابات مازلنا بانتظار ان يتحاصص ويتصالح من تم انتخابه مع من لم يتم انتخابه والأهم من ذلك كله ان يستوفي الجميع شروط ادارة الاحتلال الامريكية. مما يعني، في الواقع، اننا بلا حكومة وليس هناك مسؤول فعلي وان كان هناك رئيس وزراء منتهية ولايته، ورئيس وزراء ستبدأ ولايته حالما تحل اشكالية المحاصصات الطائفية والعرقية وليس الاقتصاد او الاحتلال او جرائمه. وكما ترون، المسألة شائكة حقا. لذلك سأختار رد فعل جلال طالباني نموذجا، لأنه المسؤول الحكومي الوحيد المثبت حاليا.
يخبرنا بيان صادر من مكتب رئيس الجمهورية طالباني بأنه تلقي تقرير معهد الطب العدلي وقرأه. وانه قام بعملية حسابية لصالح الشعب العراقي أضاف فيها عدد الجثث التي لم يتم العثور عليها او الجرائم المماثلة المرتكبة في المحافظات فتبين له بأن العدد الإجمالي للضحايا (يغدو مثيرا للقلق العميق والغضب الشديد) بتعبيره. ولم يكتف بذلك بل استرسل موضحا لنا دلالة الرمز في العدد، قائلا:
(ويدل علي اننا نواجه حالة لا تقل خطورة عن الأعمال الارهابية المماثلة في السيارات المفخخة والتفجيرات الغادرة). ثم تابع طالباني مبينا بأنه شعر (بالصدمة والحزن والغضب) لدي متابعته تقارير تكاد تكون يومية عن العثور علي جثث مجهولة الهوية وأخري لأشخاص قتلوا علي الهوية، وغالبا ما تسجل التقارير حالات تمثيل بالجثث وتعرض الضحايا لتعذيب وحشي قبل تصفيتهم، حسب ما جاء في البيان.
ان ما يثير الانتباه في بيان طالباني كونه يتحدث وكأنه مؤسس لجمعية غير حكومية. جمعية من جمعيات المجتمع المدني المسجلة لتوها وتتوخي الحصول علي منح ومساعدات. ويعرف مؤسس الجمعية، بعد ان تلقي دورة تدريبية مكثفة عن كيفية ملء الاستمارات، بأنه لن يحصل علي المنحة الا بعد ان يملأ الاستمارة، وفق الأسس والشروط المطلوبة. أهم الشروط هو التحلي بهلامية الموقف او اللاموقف عموما.
أي تجنب المواقف السياسية والاخلاقية الصريحة والفعالة والتركيز، خاصة، علي تجنب اتخاذ القرارات مهما كانت ملحة. وان يجيد كتابة التقارير بدون عمل حقيقي مع مراعاة اضافة او استخدام تعبيرات معينة جاهزة لاتعني شيئا، تعابير علي غرار (يغدو مثيرا للقلق العميق).
والنقطة الثانية التي تثير الاهتمام في البيان هي ان طالباني، بالاضافة الي تجاهله الكلي لجرائم الاحتلال، وهي مسألة لم تعد بحاجة الي توضيح، حين يتحدث عن المأساة اليومية للمواطن وجرائم القتل البشعة التي يتعرض لها وعجز الحكومة المطلق عن اتخاذ اي قرار، يتحدث عنها باعتبارها واقعا منفصلا عنه، تجري لآخرين لاعلاقه له بهم، ولاتمسه من قريب او بعيد. انها امور تصيب شعبا آخر، تقتضي قواعد اللعبة الدبلوماسية اصدار بيان يتم فيه توثيق ابداء القلق والحزن والصدمة احيانا. فقط لا غير.
وتظهر الطهرانيه من تحمل اي مسؤولية سياسية او اخلاقية مهما كانت ظاهرية بحكم مركزه الافتراضي كرئيس للجمهورية، من الجرائم المرتكبة بحق ابناء الشعب، بأوضح صورها حين يحمل المسؤولية الاحزاب السياسية (وكأنها الاخري وافدة من كوكب آخر وكأنه هو نفسه ليس رئيسا لحزب سياسي) مطالبا اياها بادانة الجرائم كما فعل هو (بشدة وصراحة ووضوح)، وداعيا علماء الدين، مسلمين ومسيحيين، الي (اصدار فتاوي تستنكر هذه الأفعال وتدين مقترفيها).
هذه المسؤولية الهلامية، المتنافية مع كل المفاهيم بدءا من مفهوم العمل السياسي وانتهاء بالقيم الاخلاقية، هي التي يعيش في ظلها المواطن. انها لا تدعه ضحية القتل اليومي فحسب بل الصراع المنهك المستهلك للحصول علي ابسط مقومات الحياة الكريمة.
بات الكفاح اليومي الشاق من اجل الحصول علي حقوقه الاساسية من طعام ودواء وماء نظيف وكهرباء ووقود وبنزين معركة يناشد فيها الحكومة ويستعطفها. واستنفد الهم الاول اي هم المحافظة علي البقاء قدرة المواطن العقلية والجسدية فلم يعد قادرا علي رفع الصوت محتجا او معترضا.
ضاعفت وزارة النفط اسعار الوقود الي خمسة اضعاف ما كانت عليه بحجة وضع حد لتهريب البنزين ظاهريا وخضوعا لاوامر البنك الدولي عمليا ولاستيعاب تزايد السرقات والنهب والعقود الوهمية.
فيواصل المواطن، ابن البلد الذي يملك ثاني اكبر احتياطي نفط في العالم، وقوفه بمعدل يزيد علي الخمس ساعات في طوابير السيارات المصطفة قرب محطات التعبئة بانتظار الحصول علي البنزين، اثر تفاقم ازمة الحصول علي الوقود بمختلف انواعه. تضاعف سعر اسطوانة الغاز السائل في السوق السوداء لأن الحصول عليها من محطات التعبئة شبه مستحيل. اصبح سعر 20 لترا من وقود (الكاز) 13 الف دينار بعد ان كان بمبلـــــغ 7500 دينار.
وتنعكس أزمة الوقود وانقطاع الكهرباء علي كل شيء آخر في حياة الناس. فمن ارتفاع اسعار الخبز والمعجنات والثلج واجور المواصلات والخياطة والمحاصيل الزراعية الي توقف المصانع وعدم وجود التهوية او التدفئة في قيضا الصيف وبرد الشتاء.
واذا ما حدث وتساءل المواطن عن السبب وراء كل البلاء الذي يعيشه ويتعرض له والسرقات المفضوحة ترتفع اصوات الوزراء منددة بالارهاب وجرائم الارهاب. تري ما هي علاقة القاعدة وابو مصعب الزرقاوي باختلاس الاموال المخصصة من صندوق اعمار العراق للقضايا الانسانية في محافظة ديالي والبالغة (1200) مليون دولار؟ حيث تم توزيعها بواسطة بعض المنظمات الانسانية لانجاز مشاريع الخدمات الاساسية للعوائل المهجرة، الا ان المشاريع لم تنفذ وبقيت العوائل تعاني وضعا مأساويا لا يطاق. فاختفت المبالغ المخصصة لحفر (120) بئراً للمهجرين ولم يحفر غير (35) بئراً دون المواصفات المطلوبة وان عدد المناقصات المكرسة لمعسكر سعد الذي يضم العوائل المرحلة هو مئة لم ينفذ منها غير أربع. كما اعلن مدير مكتب ديالي ذاري محمد عبد الطائي، مطالباً الجهات المختصة ولجان النزاهة بفتح باب التحقيق بالمبالغ المختفية!
يخذل السياسيون الطائفيون والحكام الصغار المواطن اليوم، كما خذلته سابقا قوي الاستبداد بغطرستها الفارغة من جهة وعبيد التبعية الفكرية لليبرالية الجديدة من جهة أخري. فما الذي يفعله من عاش خذلان الانظمة والحكومات التي عول عليها ولو لفترات؟ كيف يواجه المواطن المعتد بكرامته تحول مفهوم المسؤولية الوطنية الي فتات خطب؟
في ظل اعصار الموت المظلم، سيرفع المواطن رأسه عاليا ليعلن استعادته للمسؤولية، لحقه في فرض شروط حياته. سيرفع ذراعه عاليا ليقترب بيديه من السماء. سيحملها كما الاحلام في داخله. سيتخلص من الموت والحمي معا. ستزهر بفعل مقاومته أحلام اوسع من المطالبة بطب عدلي نظيف يستقبل الجثث المتناثرة والمرمية في ارجاء العراق، ستشرق في نفسه آمال تريد ما هو اكثر من ثلاجات تتسع للقتلي من الاحباء. سيصنع أياما تنشر الضياء ويزرع الحدائق والحقول الممتدة امتداد الوطن، يمدها بالينابيع، ليكبر فيها اطفاله.
القدس العربي
بفعل المقاومة سيصنع العراقي أحلام مستقبله - هيفاء زنكنة
