هيئة علماء المسلمين في العراق

شهود زور / محمد عبيد
شهود زور / محمد عبيد شهود زور / محمد عبيد

شهود زور / محمد عبيد

ما لبثت الذكرى العاشرة لغزو العراق تحل على البلاد وأهلها، حتى بدأت أسرار وخبايا الجريمة الكبرى بالتكشف، وحتى بدأ الكثير من المسؤولين، إبان الغزو بتأكيد، عملية بوح وكشف حقائق وتفاصيل الأوضاع عشية الغزو، ولعل كثيرين من هؤلاء الذين صمتوا دهراً قبل الإفراج عن المعلومات حبيسة الصدور، يحاولون تقديم شهادة للتاريخ، أو تبرئة ساحاتهم من اتهام التورط في ما حصل لبلادهم . كثير من المسؤولين الذين بدأوا يكشفون خبايا الغزو، كانوا منخرطين بشكل كامل في الأمر، ومتورطين في زج بلادهم في أتون الحرب وتضليل أصحاب القرار فيها، ومنهم كثيرون في بريطانيا، ومن طاقم رئيس الوزراء الأسبق طوني بلير الذي ثبت بعد زمن قصير من الحرب كيف أنه ضلّل  ودلّس، حتى يمرّر قرار المشاركة في الحرب، وكيف أنه انكشف أخيراً على حقيقته، حيث كان ينفذ أجندة للولايات المتحدة .

هؤلاء الذين “استيقظ” ضميرهم فجأة، يحاولون إقناع الناس بنزاهتهم وبراءتهم من الجريمة الكبرى التي ارتكبتها الولايات المتحدة ومن خلفها بريطانيا والغرب بحق العراق والعراقيين جميعاً، لكنهم في الوقت ذاته يدركون أن كذبتهم الجديدة لن تمر، كما يدرك المتابع أنهم انكشفوا على حقيقتهم بدلاً من كشفهم حقيقة الغزو وخفاياه، فهم ليسوا إلا شهود زور يحاولون الظهور بلباس “إنساني” .

لو لم يكونوا كذلك لما صمتوا سنوات رغم ما رأوا من فظائع، ولكانوا انتصروا ل”إنسانيتهم” المزعومة، بدلاً من المضي في مخطط تدمير العراق وتفتيته ودق أسافين الفتن بين طوائفه وأعراقه . لو لم يكونوا شهود زور لحيدوا أنفسهم عن التورط في هذه الجريمة التاريخية بحق الإنسانية . لو كانوا شهود حق فعلاً لتقدموا بشهاداتهم أمام المحاكم الدولية، بدلاً من تقديمها على منابر الإعلام .

العراق يغرق أكثر فأكثر في دوامة القتل والعنف على خلفيات عنصرية طائفية، وما زال سيل دماء المدنيين الأبرياء هادراً، فدعاة الفتنة كثر، وداعموهم من الداخل والخارج أكثر، والكل مشترك في مشروع واحد هدفه الأساسي القضاء على أي إمكانية لالتقاط الأنفاس ولملمة الشمل المبعثر، فعراق موحّد لا يشكل مصلحة لهؤلاء المتاجرين بالدم والأوطان .

بعد عشر سنوات من الغزو ترك العراق ليواجه مصيره، حتى الغزاة تركوه عندما تيقنوا أنهم أثخنوا في جسده، فلم يعد قادراً على الوقوف في وجه ما يحاك له، وبعدما تركوا خلفهم خير من يقوم بالمهمة، من ذوي العصبيات والأجندات المشبوهة الرامية إلى تقسيم العراق على أسس طائفية أو عرقية، أو حتى من دون أسس، ما دام المشروع تقسيمياً .

مئات الضحايا سقطوا خلال أيام قليلة خلت، ولو كان أدعياء الانتصار للإنسانية صادقين في ما يزعمون لكانوا تحدثوا عن الحقائق منذ زمن، لكنهم لم ولن يتجاوزوا حدود الدور المرسوم لهم، فهم ليسوا إلا شهود زور في أفضل الأحوال .

أضف تعليق