هيئة علماء المسلمين في العراق

قبل فوات الأوان يا دعاة الإقليم / د.عبد الملك الزبيدي
قبل فوات الأوان يا دعاة الإقليم / د.عبد الملك الزبيدي قبل فوات الأوان يا دعاة الإقليم / د.عبد الملك الزبيدي

قبل فوات الأوان يا دعاة الإقليم / د.عبد الملك الزبيدي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم اما بعد : يقول المولى جل وعلا في كتابه العزيز: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) والذين نحن بصدد مناصحتهم لانصفهم ولانشبههم بالكفر حاشا لله ولكن نشبه الحال بالحال والنتيجة بالنتيجة لان العبرة كما يقول الفقهاء بعموم اللفظ لابخصوص السبب. ولتوضيح معنى الاية الكريمة قال المفسرون : السراب هو ما يرى في الفلوات من ضوء الشمس في الهجيرة حتى يظهر كأنه ماء يجري على وجه الأرض  يحسبه الظمآن ماء  و الظمآن العطشان أي يظن العطشان أن السراب ماء فيأتيه ليشربه فإذا جاء خاب ما أمل وبطل ما ظن وكذلك  قال الأزهري السراب ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبيه الماء الجاري وليس بماء ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً والمراد في معناه أنه لم يجده شيئاً نافعاً كما يقال فلان ما عمل شيئاً وإن كان قد اجتهد او المراد حتى إذا جاءه أي جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه او المراد  الكناية للسراب لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء , فهذا مثل ضربه الله لرجل عطش فاشتد عطشه فرأى سرابا فحسبه ماء فظن انه قدر عليه حتى أتى فلما أتاه لم يجده شيئا ... أو كظلمات في بحر لجي  قال يعني بالظلمات الأعمال وبالبحر اللجي قلب الانسان  يغشاه موج  يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر , كذلك أعمال الكفار بمنزلة السراب ترى ويظنها الجاهل الذي لا يدري الأمور أعمالا نافعة فتغره صورتها ويخلبه خيالها ويحسبها هو أيضا أعمالا نافعة لهواه وهو أيضا محتاج إليها كاحتياج الظمآن للماء  ولكن النتيجة كانت ضياع في ضياع وتيه في تيه نسأل الله السلامة ونسأله العفو والعافية.

وهاهي الاصوات قد تعالت مطالبة بالاقليم السني في العراق في الوقت الذي كانت تهمس  فيه على استحياء وتنتقل هنا وهناك مطالبة بالتأييد لهذا المخطط الذي  ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب وهم يزوقون وينمقون له بشتى الشبه  وليت شعري كيف قد انساق وراءهم بعض اهل العلم وانطلت عليهم المسألة ناسين ومتناسين ان هؤلاء انفسهم الذين طبلوا للعملية السياسية وتعاموا عن نصيحة من نصحهم ثم ماذا كانت النتيجة ان ما نصحهم به الناصحون قد وقع فوقعوا واوقعوا الناس في اوحال ومتاهات ليس لهم منها مخرج والحال نفسه مع الدستور وها هو المشهد يتكرر في قضية الاقليم مع الشخوص انفسهم والنصيحة تاتي من الجهات نفسها والشبهات ذاتها فكيف ينساق الناس هكذا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) ولعل من ابرز الشبه التي وقع الناس فيها هي اقليم كردستان الذي يحتجون به على الناس لما يراه الزائر له من سيادة القانون وتحقيق الامان فيه وهذا لم ولن يتحقق في الاقليم السني المزعوم لاسباب دستورية وطائفية وواقعية يعرفها المتخصصون فسيغرقون انفسهم ومن يتبعهم في متاهات جديد وعندها لا تنفع ساعة مندم كما لم تنفع من قبل عند اشتراكهم في العملية السياسية والتصويت على الدستور فالنتيجة ستكون – اذا وافقت الحكومة على اعطائهم ما يطالبون به وفق الدستور- فمن الناحية الدستورية فان المادة (117) من الدستور نصت على الاتي :

( اولا : يقر هذا الدستور عند نفاذه اقليم كردستان, وسلطاته القائمة اقليما اتحاديا. ثانيا: يقر هذا الدستور الاقاليم الجديدة التي تؤسس وفقا لاحكامه ) – أي وفقا لاحكام الدستور الجائر الذي اوكلوا تفسير بنوده عند النزاع الى (المحكمة الاتحادية) التي هي بواقع الحال مسيسة كما هو معلوم للقاصي والداني, فاقليم كردستان منصوص عليه في الدستور انه بسلطاته القائمة اقليم اتحادي , وذلك لان اقليم كردستان كان قائما واقعيا قبل الدستور ومنذ نهاية عام (1991م) وقبل ذلك كان ممنوحا حكما ذاتيا منذ اوائل السبعينات مما مهد له ان يكون اقليما ثم بعد عام 1991م تمت رعايته بارادة دولية استمرت على مدى عقدين من الزمن تكونت فيه خلالها قوة دفاع من البشمركة بالاضافة الى الى قوى الامن الداخلي في الوقت الذي لم تكن الحكومة المركزية تملك جيشا الا الحرس الوطني اذ كان جيش الاحتلال له كامل السيطرة والاكراد شركاء حقيقيون في العملية السياسية تدعمهم الارادة الدولية مع واقع الحال والقوة التي يمتلكها تمكنوا من اخذ مثل هذا الاقليم في الوقت الذي يفتقر مطالبو الاقليم السني الى هذه المقومات كلها .

وحتى هذا الاقليم –اقليم كردستان- فان حكومة المركز تتمنى لو انها لم تعطه يوما فهي بين الحين والاخر تحشد جيوشها على حدوده بغية اقتحامه او تهديده على الاقل ولولا القوة الكائنة فيه والتي هي متمرسة على الحروب اذ انها قامت بالتصدي لحكومة المركز منذ عهد الملك فيصل ونوري السعيد وقد تجلى ذلك واضحا على مرأى ومسمع من دول العالم مقاتلتهم وتمردهم على نظام صدام حسين وجيوشه الجرارة الجبارة فلازال معهم في كر وفر حتى سقوط نظامه عام 2003م.

وهاهي حكومة المركز تضايقهم في تصدير النفط بل حتى ميزانية الاقليم لم تسلم من كونها ورقة ضغط على حكومة الاقليم اذ تقوم حكومة المركز باعطاء الميزانية كل شهر بشهره حتى تضمن عدم استقلال الاقليم بالسياسة والسيادة ليبقى محتاجا الى حكومة المركز فتضغط عليه ليوافق مخططاتها ونحن نرى ونسمع ان حكومة الاقليم كلما اتخذت قرارا منفردا ضغطت حكومة المركز عليها حتى تجبرها على التراجع عن موقفها.

ومن نافلة القول ان اقليم كردستان يعاني حاليا من مشاكل اقتصادية وسياسية ومعيشية لا يدركها من يزور الاقليم لأيام او ساعات فيشاهد البنايات العالية بانبهار! وهو لا يعلم بانها اقيمت على اسس هاوية بناء على صفقات عاجلة واستثمارات خارجية وقتية ,والا فكيف لمدينة عريقة كاربيل وهي تحاول التماشي مع التقدم الذي تشهده المدن العالمية والعربية ان تقوم على بنية تحتية لا تشتمل على ابسط مقومات المدن الحديثة وهي (شبكة المجاري) .

اما الناحية الامنية فهي محكومة بقبضة من حديد كما هو معلوم لكل منصف في الاقليم وغيره.
اما عن حكومة الاقليم الجديد في حال تشكيله فانه سيحكم من قبل الحكومات المحلية المنتخبة والكل يعلم كيف وصل هؤلاء الى الحكم من التزوير والعمالة والفساد الاداري والرشاوى وسرقة المال العام لتثبيت كراسيهم والابقاء على مناصبهم وموالاتهم للمحتل الكافر اولا ولحكومة المركز ثانيا فهم لا يأبهون بمصالح ابناء محافظاتهم بقدر حرصهم على مناصبهم وما سيجنونه من اموال من خلالها وما مضى من اعوام واحداث خير دليل وشاهد على ما نقول وهؤلاء مستعدون لدفع الاموال التي سرقوها من المال العام لإسكات وابعاد أي صوت وطني او ديني او جهة سياسية تنافسهم بفبركة الملفات وتلفيق التهم بل تصل الى الاغتيالات وهذا مشاهد ومعلوم حتى لدى حكومة المركز والدوائر الاستخبارية المحلية والدولية المهتمة بشؤون العراق.

لذلك ليس المطالبة بالإقليم حلا , بل الحل يكمن في المطالبة بإسقاط العملية السياسية الجائرة برمتها والغاء دستورها المتهالك مهما كانت التضحيات واعادة بناء العراق على مبدأ المهنية والتعايش والوحدة الوطنية وان قدمت التضحيات تلو التضحيات فهذه الشعوب المتحضرة ما وصلت الى ما وصلت اليه دون تقديم التضحيات.
ان اريد الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله العلي العظيم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

أضف تعليق