الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
اما بعد:
فهذا نداء أوجهه الى المتصدرين في ساحات الاعتصام جميعا :
مستعينا بالله اولا وآخرا ثم بجهود من كتب في هذا الموضوع من قبلي جزاهم الله خيرا.
اقول للمتصدرين في ساحات الاعتصام إنكم خرجتم لتناصروا المظلومين وقد أيدتكم الجموع الغفيرة المظلوم منهم وغير المظلوم وان كان الجميع قد وقع عليه الظلم مقارنة بما يحصل في جميع دول العالم الغنية والمتحضرة، فالظلم واقع بهم من حيث يشعرون او لا يشعرون, لذلك اقول لهم ان مما يثبت الناس حولكم قناعتهم بأنكم تحبونهم وحريصون عليهم وهذا غير مشكك به ولكن لإبراز هذا الامر وإحيائه في قلوب الناس وأخص منهم المعتصمين معكم اهمية كبيرة لذلك وصف الله تبارك وتعالى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأعظم الأوصاف التي تدل على رحمته بأمته وحرصه عليها، فقال سبحانه: ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (التوبة: 28 ). وكان هذا الحرص النبوي ـ للناس عامة ولأمته خاصة ـ نابعًا من شفقته ورحمته، فمن نعم الله علينا وعلى البشرية جميعا بعثة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي قال الله تعالى عنه: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) ( الأنبياء:107).
قال ابن كثير في تفسيره: " وقوله: ( عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ) أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، ( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم " .
وإن المتأمل في سيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجد صورا كثيرة لحرصه الشديد على أمّته, والشفقة بها، والتيسير عليها، ورجاء أن تكونَ في ظل الرحمن وجنّته يوم القيامة ..
وقد ظهر حرص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أُمَّته منذ اللحظات الأُولى لبعثته ودعوته حين أمر أصحابه بالهجرة فرارا بدينهم، لمَّا رأى ما يصيبهم من البلاء، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم، فقال لهم: ( لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه ) رواه البيهقي .
ومن صور حرصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أمته خوفه عليهم من النار، ورغبته أن تكون أكثر أهل الجنة، فعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو الذباب ) رواه أحمد، وعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أما ترضون أَن تَكونوا ربع أهلِ الْجنة؟، قَال : فَكَبَّرْنَا، ثم قَال: أَما تَرضون أَن تَكونوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجنة، قَالَ: فَكَبَّرْنَا ، ثم قَال : إني لأرجو أن تَكونوا شَطْرَ أَهْلِ الْجنة، وسأخبِركم عن ذلك، ما المسلمون في الكفار إِلا كشعرةٍ بَيْضَاءَ في ثَوْرٍ أَسود أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أَبْيَض ) رواه مسلم .
ما أجمل أن يكون القائد حريصًا على من معه، وأجمل من ذلك أن يكون هذا الحرص واضحًا وملموسًا من جانب هؤلاء الأتباع.
فكما هو معلوم قد يكون القائد حريصًا بالفعل على من معه، لكن لا يستطيع أن يعبر عن ذلك بالوسائل المختلفة التي تجعل هذا الحرص واصلاً ومفهومًا لأتباعه، كالأب الحريص على أبنائه، إلا أن أسلوبه في التعامل معهم يجعلهم يشعرون أنه ليس حريصًا عليهم، بل إنه ربما يعمل على مضايقتهم وإزعاجهم وتعكير صَفْوهم - هكذا يظنون!!
ومن هنا ليس مجرد الحرص على المصلحة وحده يكفي، لكن وصول ذلك للناس والتعبير عنه بوضوح أهم وأفضل؛ لذا فإن وصفه صلى الله عليه وسلم بذلك في القرآن يؤكد على مدى الوضوح الشديد لهذا الحرص.
وهناك الكثير من الأحاديث والمواقف التي يضيق عنها المجال تؤكد مدى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم ليس فقط على أصحابه بل على أمته.. حتى إنك تراه كثيرًا يقول: "أمتي، أمتي"، وذلك في المواقف التي تستدعى الحصول على مزيد من الرحمة لهم، ولذا فإن أحد الصفات المهمة لأي قائد، بل وأحد الأدوار الأساسية التي عليه أن يمارسها بإخلاص وكفاءة، هو أن يقوم بدور الحريص على مصلحة من معه من المرؤوسين..
فيحصل لهم على كل ما فيه منفعتهم، ويسعى لهم في الخير، سواء عند المستويات ولا يضيع فرصة دون أن يحصل منها على ما فيه مصلحتهم، ويفاجئ هؤلاء الأتباع من وقت لآخر بأعمال ومواقف تؤكد لهم مدى حرصه عليهم، دون أن يسعوا هم أو يسألوه ذلك، فيجب ألا يدخر القائد وسعًا في إنجاز كل ما فيه مصلحة الناس دونما أي تردد , يتلخص مما سبق ذكره ضرورة ايصال حقيقة مشاعركم تجاه الناس وتكرار ذلك بالقول والعمل وخصوصا المواقف التي تتطلب وقفة صادقة حازمة وجادة سواء على صعيد الفرد او الجماعة .
نسأل الله العلي القدير ان يسدد خطاكم ويوفقكم للخير كله
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نحو ترشيد مسار الحراك الشعبي في العراق 3/ د. عبد الملك الزبيدي
