هيئة علماء المسلمين في العراق

نحو تصحيح مسار الحراك الشعبي في العراق/ د. عبد الملك الزبيدي
نحو تصحيح مسار الحراك الشعبي في العراق/ د. عبد الملك الزبيدي نحو تصحيح مسار الحراك الشعبي في العراق/ د. عبد الملك الزبيدي

نحو تصحيح مسار الحراك الشعبي في العراق/ د. عبد الملك الزبيدي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين لقد قضت حكمة الله تعالى في ادم وذريته ان لا يكونوا معصومين عن الخطأ والزلل الا من عصمه الله من النبيين لذلك تجد ان اعلم الناس واحكمهم واحلمهم لابد وان يصدر منه الخطأ والزلل لذلك كانت عادة الحكماء والعقلاء ان يراجعوا انفسهم علهم يهتدوا الى الصواب بعد الخطأ وفي ذلك يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن آدم : (كل ابن خطاء وخير الخطائين التوابون) فلابد لابن ادم من الخطأ لأن الصواب هو هداية من الله ينعم بها على من يشاء من عباده ساعة يشاء ويحجبها عمن يشاء من عباده ساعة يشاء حتى لو كان هذا العبد نبيا من النبيين قال تعالى : (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) (الأنبياء78)  (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ) (الأنبياء79)  فهنا اوتي سليمان عليه السلام وهو الابن فهما في هذه المسألة لم يؤته داود عليه السلام مع انه ابوه واقدم منه في النبوة ولاشك انه هو المعلم لسليمان في كثير من امور الدنيا مع كثرة النصوص من الكتاب والسنة التي تعلي من شأن داود بما هو اهل له.

وهذا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم في اعظم غزوة يغزوها في بدر حيث اتخذ لجيشه موقعا فقال له  الحباب بن المنذر بن الجموح  : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟
قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ، فقال : يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نُغَوِّر ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أشرت بالرأي .

فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس ، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغورت ، و بنى حوضا على القَليب الذي نزل عليه ، فمُلىء ماء ، ثم قذفوا فيه الآنية , ففي هذا الموقف فتح الله على الحباب بن المنذر مالم يفتحه على نبيه ومصطفاه من خلقه وهذا الموقف يبين أيضا أن القيادة يجب عليها أن تستمع لآراء الناس خصوصا إن كانوا من أهل العلم والخبرة، حتى وإن كان رأيهم يخالف رأيها، ولا تعيب عليهم، ولا تقول ما أدراكم أنتم بذلك، ونحن لسنا بحاجة لنصيحة، ونحن عندنا علماءنا، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل الرأي من صحابي واحد، مع أنه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أعلم الناس بالدين.

واليك اخي القاريء حادثة اخرى يرجع فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن رأيه بعد ان تبين ان المصلحة في تركه كونه من امور الدنيا لامن امور الدين فقد أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصا " تمرا رديئا" فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا.. قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم.
وقد بوب له النووي في شرحه على صحيح مسلم فقال: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سيبل الرأي.اهـ  والله عز وجل يقول : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب21) فاذا كان هذا الفعل وهذا الخلق العظيم القويم صادر من صاحب الرسالة فغيره من باب الاولى ان يكون كذلك لبعد الاول عن الخطأ وكثرته عند غيره من الناس .

ولعل ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده والبيهقي في  السنن الكبرى  كتاب آداب القاضي  عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه الى ابي موسى الاشعري رضي الله عنه يقول له فيه : ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَه بالأمس فراجعتَ فيه نفسَك وهُديت فيه لرشدك أن ترجع عنه؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.

المراقب اليوم لما يجري في الساحة واخص منها ما يجري في العراق وفي ساحات الاعتصام وانوه هنا الى من تصدروا الناس وتزعموا امورهم تجدهم احيانا يتخذون مواقف غير مدروسة بتأن بل جراء اندفاع حماسي او بسبب تأثير العامة فتتخذ مواقف تزيد الامور صعوبة وتعقيدا فتأتي نتائجها مغايرة تماما وعلى خلاف ما ظنوا فيوقعون انفسهم ومن معهم في حرج آخر هذه بحد ذاتها مشكلة ولكن الادهى والامر هو الثبات على هذا الخطأ ومحاولة ايجاد ثغرات ضيقة او مبررات له احيانا ولكن دون جدوى تذكر, وليت شعري لو انهم تعاملوا مع ماقرروه بمثل تعامل من هو خير منهم الانبياء والمرسلين وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم لما تعقدت امورهم بهذا الشكل الحاصل الان اما وصية عمر رضي الله عنه فهي البلسم الشافي والدواء الناجع للخروج من اي ازمة قد يمر بها مسلم ناتجة عن اتخاذ قرار خاطيء .

هذه نصيحتي للمشايخ والدعاة والسياسيين القائمين على ساحات الحراك ولا يمنعكم قضاءٌ قضيتَموه بالأمس فراجعتَم فيه انفسَكم وهُديتم فيه لرشدكم أن ترجعوا عنه؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.  وخذوا بنصيحة غيركم ولا تكونوا ممن تأخذه العزة بالاثم .
سدد الله خطاكم ونصركم على عدوكم والف بين قلوبكم وفرج عنكم كربكم امين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.

أضف تعليق