هيئة علماء المسلمين في العراق

العلماء الربانيين وصفاتهم/ د.عبد الملك الزبيدي
العلماء الربانيين وصفاتهم/ د.عبد الملك الزبيدي العلماء الربانيين وصفاتهم/ د.عبد الملك الزبيدي

العلماء الربانيين وصفاتهم/ د.عبد الملك الزبيدي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين اما بعد: فيقول الله تعالى : ((مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)) (79) سورة آل عمران. يورد الامام الطبري رحمه الله اقوالا عدة  في تعريف الربانيين : حكماء علماء ,وعن الحسن  قال: كونوا فقهاء علماء. و قال: الربانيون: الذين يربُّون الناس , ثم قال الطبري  إذًا، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد: الرباني الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم. واهم ما يتصف به العلماء الربانيون:
1- 2- الإخـلاص و الإتباع:
مستنيرين بقوله تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) وبقوله صلى الله عليه وسلم
: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى". فالاخلاص سر قبول العمل فالعمل الذي لايكون خالصا لله لايقبل من صاحبه وان اداه على اجمل صورة لقوله تعالى في الحديث القدسي : (انا اغنى الشركاء عن الشريك) والذين ينتفع الناس بعلمهم على الحقيقة هم أهل الإخلاص.
  اذ  يشترط لقبول العمل شرطان:
الأول: أن يكون خالصا لله تعالى لا يقصد به إلا وجهه.وهذا ماذكرناه انفا.
والثاني: أن يكون العمل في ظاهره موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويعبر العلماء عن هذين الشرطين بقولهم: الإخلاص والمتابعة. قال الفضيل بن عياض -رحمه الله- في قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)[الملك:2] قال: أخلصه وأصوبه. وقال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصاً صوابا. قال: والخالص إذا كان لله عز وجل، والصواب إذا كان على السنة. وقد دل على هذا قول الله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) [الكهف:110] فلا بد أن يسلم العمل من الرياء المنافي للإخلاص، ومن البدعة المضادة للسنة.

إن العلوم الآن – عند الناس – كثيرة؛ لهذا كان الإتباع من أهم خصائص الربَّانيين،
يقول الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى: العلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور.
فلا يمكن أن يكون ربَّانيًا من سلك سبيل البدعة وابتعد عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
3- العلم:
إن العلم الذي يصل بصاحبه إلى الخير والهدى هو علم الكتاب والسنة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".
وطلب العلم من جملة العبادات التي ينبغي أن يخلص فيها العبد لله، ولهذا يقول الزهري – رحمه الله تعالى -: ما عُبد الله بشيء أفضل من العلم.
فالعالم في طلبه للعلم وتعليم الناس إنما هو في عبادة، والعلم ميراث الأنبياء، هكذا سماه أبو هريرة رضي الله عنه، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورَّثوا العلم.
وقد ورد عن الثوري – رحمه الله – أنه قال: لا أعلم بعد النبوة أفضل من العلم.
إنهم أقبلوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يتعلمون ما فيها ويعملون به ويدعون إليه ويعلمونه الناس: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ{
وقال ابن الأعرابي: لا يقال للعالم ربَّاني حتى يكون عالمًا معلمًا عاملاً.

4- العمل بما علموا:
يروى عن السلف قولهم : مَنْ عَمِلَ بِما عَلِمَ أَوْرَثَهُ الله عِلْمُ ما لَمْ يَعْلَمْ
ومعناه: أن من عمل بما يعلمه من واجبات الشرع ومندوباته، واجتناب مكروهاته ومحرماته، أورثه الله تعالى من العلم الإلهي ما لم يعلم من ذلك، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت/69).
5- قيامهم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر :
قال تعالى :  (( لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)) (المائدة:63)
لذا تجد ان الربانيين اشد الناس واسرعهم انكارا للمنكر خشية الوقوع في حذر الله منه الامم السابقة التي لم يكن اهل العلم منهم ينكرون المنكر فذمهم الله تعالى بقوله : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ((اما امتنا وعلماؤنا الربانيون فقد وصفوا بالخيرية لامرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ )( آل عمران110)

6- حسن الخلق:
فالربَّاني يخالط الناس بالمعروف، ويعاملهم بمكارم ومحاسن الأخلاق، كيف لا وقد هذَّب القرآن والسنة خلقه وطبعه، وكان له في رسول الله أسوة حسنة، وهو صلى الله عليه وسلم يقول: "خياركم أحاسنكم أخلاقًا".
إن علمه أورثه رقة وصفاء ورحمة لجميع الخلق: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران:159)

7 – الغنى بالله وزهد ما عند الناس:
فالعالم الذي أراد بعلمه وجه الله تعالى يستشعر عظم نعمة الله عليه بتوفيقه للعلم، فلا يذل نفسه أبدًا ولا يشتري بعلمه ثمنًا قليلاً من حطام الدنيا الفاني، ولهذا كان العلماء الربَّانيون في وادٍ والناس في وادٍ آخر.
إنه العلم الذي عرفوا به ربهم فعظموه ، وتمكنت خشيته من قلوبهم فهانت عليهم الدنيا.
يقول ابن تيمية رحمه الله: ما يصنع بي أعدائي؟ إن سجني خلوة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقتلي شهادة في سبيل الله.
ولقد كان شعار الأنبياء والمرسلين عند دعوتهم لأقوامهم: (لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً)
اذن فالذي يميز العلماء الربانيين عن غيرهم هو المنهج الذي يقتفونه، والنهج الذي يسيرون عليه، فالعلماء الربانيون المتبعون للكتاب والسنة قولاً وعملاً والمتمسكون بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، سواء في باب العقائد أو الأعمال، ينفون عن الدين ما ليس منه من البدع والخرافات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. صححه الشيخ الألباني.
وأما علماء السوء ودعاة الضلالة فهم على نقيض ذلك كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع: هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويلبسون على جهال الناس....
فهم أصحاب ابتداع وتحريف وتعطيل للنصوص الشرعية، يشترون الدنيا بالدين كما قال تعالى في أمثالهم من أهل الكتاب: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران:187).
وقال أيضاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (التوبة:34).
قد يأمرون بالمعروف ولكنهم لا يفعلونه وينهون عن المنكر ولكنهم يأتونه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه. رواه البخاري.
وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله: علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، وهؤلاء يجب الحذر منهم كما قال أبو قلابة من أئمة السلف: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما تعرفون.

  فالعلماء الربانيون نور يهتدى بهم في الطريق إلى الله تعالى .. ونبراس يستضاء به في السير إلى الدار الآخرة .. وهم ورثة الأنبياء ، وفضلهم معلوم لكل مخلوق حتى الحيتان في البحر والنملة في جحرها .
فهم يطلبون الله تعالى بعلمهم , فيطابق قولهم فعلهم , قال أبو عمر الزاهد سالت ثعلبا عن هذا الحرف وهو الرباني فقال سألت ابن الأعرابي فقال إذا كان الرجل عالما عاملا معلما قيل له هذا رباني فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني .ابن القيم : مفتاح دار السعادة 184.

قال النووي : " لعلماء الربانيون الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وسلم علماً وعبادة وأخلاقاً ودعوة، وهؤلاء هم أولو الأمر حقيقة، لأن هؤلاء يباشرون العامة، ويباشرون الأمراء، ويبينون دين الله ويدعون إليه" . شرح النووية 116.
قال بعض اهل العلم: "فالعالم بمفهومه الديني في الإسلام قائد؛ ميدانه النفوس، وسلاحه الكتاب والسنة، وتفسيرهما العملي من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفعل أصحابه، وعونه الأكبر على الانتصار في هذا الميدان أن ينسى نفسه، ويذوب في المعاني السامية التي جاء بها الإسلام، وأن يطرح حظوظها وشهواتها من الاعتبار، وأن يكون حظه من ميراث النبوة أن يزكي ويعلم، وأن يقول الحق بلسانه، ويحققه بجوارحه، وأن ينصره إذا خذله الناس، وأن يجاهد في سبيله بكل ما آتاه الله من قوة، أما الوسيلة الكبرى في نجاحه في هذه القيادة فهي أن يبدأ بنفسه في نقطة الأمر والنهي.

وهذا حقيقة ما نراه اليوم من قيام العلماء الربانيين بما عليهم من حق تجاه الامة وماتتعرض له من اخطار جمة غير مبالين بمايقع عليهم من ضرر او تشويه لسمعة او غمز بهم او لمز او اذى او مضايقه بخلاف الاصاغر ذوي النظرة القاصرة المحدودة الذين يكون جل همهم الحصول على مكاسب دنيوية سريعة مائلين راكنين الى الدعة والراحة ناهيك عن اولئك غير الابهين بما يحدق بالامة من اخطار جسام وامور عظام فالامة في واد وهم في واد اخر ظانين انهم على الحق والاستقامة فتجد جهودهم تنصب في ثانويات الامور يقيمون الدنيا ولايقعدونها من اجل هيأة من هيئات الصلاة في الوقت الذي لاتتمعر وجوههم اذا مانتهكت الاعراض وسفكت الدماء وحلت بالامة النوازل .
نسأل الله العفو والعافية والسداد في الامر وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.

أضف تعليق