هيئة علماء المسلمين في العراق

أحاديث من ساحات الحراك الشعبي العراقي/ أ. جهاد بشير
أحاديث من ساحات الحراك الشعبي العراقي/ أ. جهاد بشير أحاديث من ساحات الحراك الشعبي العراقي/ أ. جهاد بشير

أحاديث من ساحات الحراك الشعبي العراقي/ أ. جهاد بشير

ليس من المصلحة بحال أن نتطرق إلى الأوصاف والمسمّيات التي تصاحب الحراك الشعبي والجماهيري في العراق، سواء ما كان يتعلق بتسمية الحراك ربيعًا أو ثورة أو أي شيء آخر، أم ما كان متعلقًا بشعارات يوم الجمعة والأسماء التي تطلق عليها، ولكن لن يكون المتابع مبالغًا أو مجانبًا الصواب حين يصف المرحلة التي يمر بها الحراك بعد نحو خمسة أشهر من ولادته؛ بأنها أزمة، سواء أكان القصد أزمة فكر أم أزمة أداء. ولعل منطلق الأزمة يكمن في السؤال المطروح: ماذا يُريد الحراك؟
وحتّى تكون الإجابة عن هذا السؤال منطقية؛ يجب أن تُصاغ وفق واقع ميادين الاعتصام وساحات صلوات الجمعة، لأن تلك الساحات تحوي ثلاثة اتجاهات نابعة من صنفين يمثلان الحراك؛ أحدهما: دعاة الإصلاح، والآخر: دعاة التغيير، وعلى هذا الأساس فإن الاتجاهات تكون وفق الآتي:

اتجاه يمثل العملية السياسية، وله حظوظ على عدد من المنصات، هو الذي يطالب بالإصلاح من باب أن التغيير يشمله، ولذلك فإن المتبنين له متذبذبين بين إرادة الجماهير وبين مصالحهم الخاصة، لكنهم يميلون إلى الأخيرة بوضوح، وبدا ذلك جليًا إبان حملة الانتخابات وما بعدها.

واتجاه يمثل القوى المناهضة لمشاريع الاحتلال ـ والعملية السياسية من أبرزها ـ ويدعو إلى التغيير الشامل والجذري، لكنه يعاني من هجمة إعلامية وتثقيفية وأخرى مبطنة أشد شراسة من أختيها؛ يشنها الاتجاه الأول.

والثالث هو الاتجاه العام من الجماهير والتي تتبنى رؤية مفادها الخلاص والحرية ونيل العيش الكريم الذي يليق بالإنسان، وهو إلى الاتجاه الثاني أقرب من حيث مبدئه ونظرياته وحتّى في وسائله، إلا أن سطوة الاتجاه الأول وإمكانياته المادية والإعلامية تجعله في الظاهر منقادًا له.

وعلى كل حال، فإن انطلاق الحراك الجماهيري والشعبي ما هو إلا امتداد للخط المقاوم في العراق، وخصوصًا أنه حظي بمباركة الفصائل واستعدادها للدفاع عنه وحمايته وقت اللزوم، فضلاً عن تبني قيادات للمقاومة اتجاهات واضحة، وقيامهم بنشاطات معلنة في سياق الحراك من طرف الاتجاه الثاني حصرًا.. ولذلك فليس من المشكلة فيما لو تعددت المشارب الفكرية للثوار أو تنوعت وسائل الحراك، مثلما هو الحال في الفصائل التي يعكس جنودها النسيج العراقي والفسيفساء التي يتألف منها المجتمع، فالمقاومة متنوعة الأفكار موحدة الهدف، والحراك كذلك لأنه نتيجة من نتائجها.

وعليه يكون الحراك من حيث المبدأ ظاهرة صحية تؤيدها الفطرة ويدعمها الشرع وتعضدها القوانين، ويكون من حيث العموم مشهدًا إيجابيًا ليس لأحد عذر في التخلي عنه وعن دعمه ومؤازرته.. إلا أن وجود نماذج تنتمي للعملية السياسية حشرت أنفسها في الحراك مستخدمة الطابع العشائري الذي تمتاز به المحافظات المنتفضة من جهة، واللعب على الوتر الطائفي لاستمالة عواطف المتظاهرين من جهة ثانية؛ ساهم بشكل فعّال في حرف البوصلة وصناعة مطبّات في المسار.

وعطفًا على السؤال الذي مر قبل قليل؛ فإن الاتجاه العام للحراك شخّص المشكلة، وسلك الطريق بحثًا عن حلّها، وهذا متفق عليه لدى جميع الاتجاهات، ولكن نقطة الخلاف التي تمثل محور الأزمة  كما أسلفنا تتركز في ماهيّة الحل..!

ولكي ندرك مواطن الخلاف بين الاتجاهين الرئيسيين في الحراك ـ اتجاه الإصلاح واتجاه التغيير ـ يجب الوقوف عند نقطة اتفق عليه الجميع ورفعوا لأجلها شعارات لم تخل منها ساحة ولم تغفل عنها جمعة، أعني قضية "إسقاط النظام".. ومصطلح النظام هذا يتباين لدى الاتجاهين، فمفهومه لدى دعاة الإصلاح يتمثل بالحكومة، لكن منطوقه عند دعاة التغيير يعني العملية السياسية التي تشمل (الحكومة والدستور)، ولا شك أن الفارق بين فهم الأول وإدراك الثاني واضح!

القدر المتفق عليه هو الذي يعطي للحراك وجهًا مشرقًا وأملاً مديدًا، لكن التباين في المعنى المطلوب أخذ يسلبه هذا الإشراق، فقد نمت بذرة الأزمة وترعرعت سريعًا؛ مع التصعيد الذي مارسته الحكومة تجاه المعتصمين بالتجاهل التام لمطالبهم، ومع المعتقلين بالممارسات التعسفية وحملات الإعدام بالجملة في تحدٍ واضح لإرادة الجماهير؛ فلم يلبث الثوّار حتى ألفوا شجرة الأزمة قد بدت متشعبة الأغصان، لكنها ـ بحكم الأحداث والسيناريوهات التي رافقت الحراك وسلوك الحكومة الذي أجبرهم على حرق المطالب ـ  أمست غير منتجة سوى ثمرتين؛ الأولى: التغيير الشامل بكل الوسائل المتاحة والقتال من أبرزها، والأخرى: الانزواء في إقليم يحسب مؤيدوه أنه يحفظ كرامتهم ويعطيهم حق حكم أنفسهم بأنفسهم، ويجنبهم إراقة الدماء.

إن تشخيص الحراك منذ البداية على أنه امتداد للمقاومة ومشروعها ـ ويؤكد ذلك سيل جارف من اللافتات والهتافات التي رفعها المتظاهرون ـ يُلزمنا أن يكون خطّه موازيًا للمسار الذي سارت المقاومة عليه، يُطالب بما تطلب ويسعى إلى ما تنشد، ولم يكن في حساب المقاومة التي أرغمت الاحتلال على التخلي عن أحد أذرعه، أن تتنازل عن العراق كله بغية المحافظة على رقعة جغرافية منه لا تتجاوز ثلث مساحته، كما لا تسمح أدبيات المشروع المقاوم أن تكون مشاريع الاحتلال وسائل  وأدوات لنيل الحقوق، لأنها مشاريع باطلة ولا تنتج غير الباطل، وما يحاول البعض تفسير ذلك بوجه آخر، فهو بعيد كل البعد عن الواقع فضلاً عن رفض العقل والمنطق له.

ولذلك فإن ثمرة الإقليم غير ناضجة وليست بمستساغة، ومن هنا جاءت هذه الدراسة للاعتراض على المبررات التي ألبسها دعاة الإقليم لباسًا شرعيًا يُلزم طالب العلم أن يوضح أمورًا ويرد على شبهات تجد إلى عقول الناس طريقًا سهلاً فتلج إليها وتفعل فعلها، حتّى يقع المحظور ..!

وقبل الخوض في التفاصيل لابد من لفت النظر إلى أن طروحات اتجاه التغيير في الحراك الشعبي والجماهيري العراقي لم تتبدل منذ انطلاقه وحتى حرق مطالبه، على عكس الفريق الثاني ـ خط الإصلاح ـ الذي كان يناور بثلاثة محاور لم يستقر إلا على آخرها، ولكل محور مرحلته، وهي المطالب، والمفاوضات، والإقليم..!
 
نقول ذلك؛ لكي تتضح الصورة لدى المتلقي الذي ينظر إلى القضية العراقي بعين التجرد والحياد؛ ليفرق بين أصحاب المبدأ الثابت الذي لا يتغير، وبين الطرف الآخر الذي تتحكم المصلحة فيه أيّما تحكم.

كاتب وباحث عراقي.

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"

أضف تعليق