مشاهد تدمي العين والقلب في العراق . أكثر من تسعين قتيلاً في يوم واحد، والجرحى كما العادة أكثر . الضحايا كلّهم مدجّجون بالخشوع والسبحات الخرزية، كانوا يغادرون محاريب صلواتهم في المساجد . قبل يوم سقط عشرات في مساجد أخرى . أماكن العبادة تستهدف، اليوم لهذه الطائفة وفي اليوم التالي لتلك . مجالس العزاء والأسواق والشوارع باتت مسارح للموت المتنقّل لا لسبب سوى أن أجساد الناس يراد لها أن تكون أوراقاً للرسائل، ودماءهم حبراً لكتابتها .
بعثة الأمم المتحدة في العراق تقول إن 712 قتيلاً في إبريل/ نيسان الماضي، وهذا أعلى رقم لضحايا شهر واحد منذ خمس سنوات، مثلما تخبرنا الأمم المتحدة . أما عدد القتلى منذ بداية هذا العام فوصل إلى 1500 قتيل، وما زال حبل الموت يدور على جرار الفتنة .
الاستهداف المتبادل أصبح طقس موت يومياً في ظل مناخات مصنّعة في معامل الفتنة وميليشياتها . الخطاب الطائفي يتصاعد على ألسنة بعض السياسيين، وهو يتيح لأطراف أن تستثمرها من أجل نقل الطائفية من الطبقة السياسية المتاجرة بالدم إلى المجتمع الذي لم يعرف ولم يعش الطائفية في يوم من الأيام . واضح أن هناك من يسعى لتمزيق نسيج الشعب العراقي الذي تربط أبناءه وشائج الوحدة والمصاهرة والعلاقات اليومية التي كانت تحسدهم عليها نخب متنوّرة لدى شعوب أخرى متناحرة .
إذا استمر هذا الاستهداف المتبادل بتمويل وتغذية وتحريض يطفو على السطح ولم يعد خفياً، وإذا ارتفعت في ظل هذا المناخ وتيرته، فإن العراق مقبل على ما هو أسوأ، وقد يأتي على سيناريو أكثر دموية ورعباً . لكن، ما زال الأمل يحدو الحريصين على العراق بأن يعمل القادة المخلصون من كل الأطراف على محاصرة أصوات الفتنة وتجار الدماء، ومنعهم من أخذ هذا البلد العريق إلى الهاوية التي يخططون ويعملون لأجلها .
هل يحتاج المرء إلى جهد لوضع اليد على الجرح الدامي والعوامل التي تصب الزيت على نار الفتنة، سواء في العراق أو غيره من دول الفسيفساء الطائفية والعرقية؟ يكفي لقراءة بعض وسائل الإعلام المكتوبة على صفحات الورق والانترنت، ومشاهدة وسائل الإعلام المرئية . هذا البعض من وسائل الإعلام بلا قلب أو إحساس بالمسؤولية الإنسانية، ولا ينحاز إلا للتمويل المشبوه من أصحاب الأجندات والمأجورين . إن مجرد ذكر الهوية الطائفية والمذهبية للضحايا تحريض وصب زيت على نار الفتنة . كل إعلامي أو محلل يستخدم التصنيفات التقسيمية والعصبيات مندس ومشبوه ومأجور أو جاهل . هؤلاء يذهبون بنا إلى عصر داحس والغبراء، فيما تعمل دول لا يجمعها جامع على توحيد عملاتها وأسواقها وشعوبها وأهدافها . هؤلاء يعيدوننا مئات السنين إلى الوراء، ولا يهمّهم سوى الاستثمار بالدم .
من المؤكّد أن عشر سنوات ليست فترة انتقالية كافية للعراق لكي ينعم ب “الحرية” التي حملتها الطائرات والدبابات الأمريكية وأسقطتها عليه على شكل أطنان من صواريخ الديمقراطية وقذائف حقوق الإنسان . ومن المؤكّد أن الذين دافعوا عن غزو العراق وسمّوا احتلاله إحلالاً، لن يقفوا أمام المرايا لمحاكمة أنفسهم ومراجعة ضمائرهم عن جريمة دفاعهم عن استباحة بلد عربي أرضاً وشعباً وتاريخاً ومستقبلاً . لقد آن الأوان كي يصحو الوحدويون في الأمتين العربية والإسلامية لنبذ الفتنويين وإخراجهم من دائرة الفعل والتأثير، قبل أن ينجحوا في تمرير مخططات العدو الأوضح من الشمس.
العراق والسيناريو الأسوأ / أمجد عرار
