انتهت مطلع هذا الأسبوع في عمان أعمال ندوة \"العولمة وانعكاساتها على العالم الإسلامي في المجال الثقافي والاقتصادي\"، التي نظمها كل من المعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن)، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الرباط) وجامعة آل البيت الأردنية .
وعلى مدار يومين ناقش عدد كبير من الباحثين العرب والأردنيين مفهوم العولمة ومساراتها وفلسفتها وما هي الفرص والتحديات والمشكلات المرتبطة في التعاطي العربي- الإسلامي معها. وخرجت الندوة بجملة كبيرة من التوصيات تدعو في مجملها إلى ضرورة بناء إطار حضاري إسلامي للتعامل مع العولمة وضرورة شحذ وتطوير البني السياسية والثقافية والاجتماعية العربية لتكون مؤهلة لمواجهة تحدي العولمة، كما دعت إلى ضرورة وجود مراكز متخصصة في دراسات العالم الإسلامي لبناء قنوات من التفاهم والتواصل بين الشعوب العربية- المسلمة في وقت أصبح فيه العالم قرية صغيرة بفعل العولمة وما يرتبط بها من وسائل وأدوات تواصل واتصال.
في فقه العولمة وتشريحها
تناول المحور الأول "ظاهرة العولمة في الحضارة المعاصرة" وقدمت ثلاثة أوراق عمل؛ الأولى لنائب رئيس جامعة القاهرة أ.د حامد طاهر بعنوان "العولمة وكيف تكون لصالحنا" تناول فيها التعريفات والمقاربات المختلفة أيدلوجيا ومعرفيا لظاهرة العولمة، مستعرضا آثارها السياسية والاقتصادية والثقافية- الإعلامية مطالبا بتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والإعلامية بين الدول العربية والعمل على تعزيز الإمكانيات العسكرية لمواجهة التحديات المختلفة.
أما د. سعيد شبار، رئيس مركز دراسات المعرفة والحضارة بجامعة القاضي عياض بالمغرب، فقدم ورقة بعنوان "الثقافة والعولمة: قراءة في جدل المحلي والكوني" مقدما مناقشة نقدية وفكرية رفيعة حول الثقافة المحلية والعولمة وتداعياتها الثقافية من منظور التواصل بين الحضارات. وهو إذ يؤكد على حيوية مفهوم "الثقافة" وانفتاحها وعلى عديد من المعاني الخطيرة عابرة الحدود فإنه يربط قدرة الثقافة المحلية على مواجهة تحدي العولمة بشرطين رئيسين؛ التطوير والتجديد والمراجعة النقدية الذاتية من جهة، والتثقيف والانفتاح من جهة أخرى.
وتناول د. عبد العزيز برغوث "ظاهرة العولمة ومساراتها بين المقاربة الأيديولوجية والمقاربة الحضارية، مستعرضا المقاربات المختلفة للعولمة والقراءة الفكرية العربية لها، ومميزا بين ثلاثة منظورات رئيسة: أيدلوجية، علمية أكاديمية، حضارية. مؤكدا على أهمية بناء منظور حضاري عالمي في التعامل مع المشكلات العالمية نظرا لعدم قدرة أي مجتمع أو حضارة منفردة على صوغ ووضع الحلول لمشكلات العالم أجمع.
"القيم العليا" بين الإسلام والعولمة
أما المحور الثاني فتناول مسألة العولمة والقيم، وقدم بهذا الخصوص د. رضوان زيادة من سورية ورقته بعنوان "العولمة وتغيرات العالم، كيف تخلق العولمة فرصا للنهوض العربي؟" مبينا أن النظام السياسي العربي يبدو عاجزا عن التفاعل مع ميكانزما العولمة وغير قادر على تجديد أدواته المختلفة، ورأى زيادة أن العولمة - بما تتيحه من حرية كبيرة وتطور وسائل الاتصال والتواصل وضعف سيطرة الدولة على المجتمعات- تخلق فرصا واسعة للشعوب العربية للإفادة لكن المستفيد من العولمة هي المجتمعات والشعوب التي تعيش عصر العولمة كما هو لا مجرد "شاهد" على هامشه. في حين قدم د. زياد الدغامين ورقة بعنوان "تأثر منظومة القيم الإسلامية بظاهرة العولمة" مبينا سمات القيم الإسلامية ومقدما قراءة مقارنة بين العولمة وقيم إسلامية رئيسة كالعلم والجمال.
وتناول د. عزمي طه السيد قيم العولمة (السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية..) برؤية نقدية تفكيكية، مستخدما معيار "إنسانية" هذه القيم، منهيا بحثه بسؤال "هل يمكن إصلاح قيم العولمة؟" مشيرا إلى ضرورة العودة إلى "الوحي" لاستعادة إنسانية قيم العولمة.
موقفنا من العولمة
المحور الثالث عنوانه "العولمة: تحديات وفرص" كتب فيه أستاذ الاجتماع التونسي محمود الذاوي ورقة بعنوان "العولمة الثقافية في ميزان طرح فكري مختلف" حيث رأى أن خطر العولمة على العالم العربي والإسلامي يتمثل بحالة "الاستلاب الفكري" إذ تحدث النخب السياسية والثقافية - في تفاعلها مع الحضارة الغربية مركز العولمة الثقافية اليوم- قطيعة مع رموزها الثقافية وتراثها الفكري والحضاري.
المفكر السعودي زكي الميلاد قدم ورقة بعنوان "الفكر الإسلامي المعاصر.. وتجديد منهج النظر إلى العولمة" استعرض خلالها تطور مفهوم العولمة ومساراتها والجدل الفكري العالمي، مبينا أن الفكر الإسلامي لا يزال في حالة من الشك والتوجس والصدمة في التعامل مع العولمة. وطالب الميلاد إلى الانتقال إلى رؤية علمية محكمة تستند إلى شروط رئيسة أبرزها: التفريق بين العولمة وأيدلوجيا العولمة، الموازنة بين سلبيات العولمة وإيجابياتها تكوين معرفة بالعولمة الاقتصادية، تأسيس مراكز ومعاهد لدراسة العولمة وتجلياتها.
من جهتهما قدم الباحثان الفلسطينيان عبد عساف وعلي حبايب دراسة كمية على طلبة جامعة النجاح الفلسطينية للعولمة وبينت الدراسة وجود موقف سلبي متشكك لدى الطلبة من العولمة وتداعياتها الثقافية وعلاقتها بالدين. في حين قدم د. أنور الزعبي في ورقته "في الرؤية الكونية الإسلامية وسيناريوهات العولمة" ملامح الرؤية الكونية الإسلامية والسيناريوهات والصيغ المتعددة لمستقبل العولمة.
العولمة واللغة العربية
في اليوم الثاني عقدت عدة جلسات؛ تناولت الجلسة الأولى موضوع العولمة واللغة، وقدمت عدة أوراق عمل لتأثير العولمة على اللغة واساليبها وعلاقة ذلك بالهوية، من قبل أ.د يحي اليحاوي ود. وفاء أبو حطب ود. صالح الرقب. وكان من أبرز الأوراق التي قدمت في هذا المحور ورقة د. عيسى برهومة بعنوان "أثر العولمة في اللغة العربية ولغات الشعوب الإسلامية" منتقلا من الأبعاد الثقافية للعولمة إلى انعكاسات العولمة على اللغة العربية.
وعرّف برهومة بخصوصية اللغة العربية في النسق الحضاري العربي- الإسلامي من حيث علاقتها الوطيدة بالدين- القرآن، التاريخ، التراث الثقافي التقاليد الاجتماعية والهوية. واستعرض الباحث أبرز جوانب التأثير اللغوي للعولمة من خلال المدارس الأجنبية البرامج التلفازية، الانفوميديا. أما أبرز مظاهر العولمة اللغوية فهي: أن اللغة الإنجليزية أصبحت اللغة الثانية مع انتشار المدارس الأجنبية ، كما أن اللغة الإنجليزية هي لغة المنتديات العالمية وسوق العمل..الخ.
وفي إطار المقارنة بين اللغة العربية والإنجليزية اليوم أشار برهومة أن مشكلة اللغة العربية ليست في ذاتها بل بأهلها، فالتحدي الأكبر للغة العربية ينبع من الداخل من النفسية العربية المهزومة ومدى إحساسها بهويتها واعتزازها بلغتها.
العولمة والاقتصاد الإسلامي
العولمة واقتصاديات العالم الإسلامي كانت عنوان المحور التالي حيث استعرض الباحث كمال حطاب أثر منظمة التجارة العالمية على الدول الإسلامية، وتناول رياض المومنين، الأستاذ في قسم الاقتصاد بجامعة اليرموك، واقع ومستقبل الاقتصاديات الإسلامية في ظل العولمة مقدما من خلال الأرقام الفجوة الاقتصادية بين الدول العربية والعالم الغربي والنتائج السلبية للعولمة الاقتصادية مقترحا الإفادة من "التجربة الصينية" التي قامت على إصلاح بناها الاقتصادية، دفع عملية التنمية، الاعتماد على مواردها الذاتية، تشجيع الاستثمار. وطرح مصطفى عبد العال، استاذ الاقتصاد المصري، مفهوم "التكامل الاقتصادي العربي" كاستراتيجية رئيسة لمواجهة الأزمات الاقتصادية العربية في عصر العولمة.
الجلسة التالية تناولت "العولمة في واقعنا الاجتماعي" وتناولت الأوراق المقدمة أثر العولمة على الأسرة المسلمة وعلى الخصوصية الثقافية للمجتمعات المسلمة. بالإضافة إلى ورقتي كل من د.عبد الستار الهيتي ود. عبد الله الكيلاني ورولا الحيت حول أثر العولمة على قيم وقوانين الأسرة المسلمة فقد تناول د. إبراهيم ميرغني موضوع "العولمة والخصوصية الثقافية" دراسة حالة العلاقة بين المشرق العربي الإسلامي والغرب الليبرالي" مبتعدا عن المجال الاجتماعي مستغرقا في الأبعاد السياسية بين المشرق والمغرب مصنفا التيارات العربية في التعامل مع العولمة بين ثلاثة" الرافضون، القابلون، الوسطيون.
الجلسة الأخيرة تناولت "جهود مناهضة العولمة"، فقدمت دعاء فينو ورقتها حول المسؤولية الرسالية للإسلام في عصر العولمة، وخالد سليمان حول حركات مقاومة العولمة على المستوى العالمي والإسلامي ود. مولود عويمر حول حركات مناهضة العولمة في أوربا وكيف يستفيد منها المسلمون ومحمد الأحمد بعنوان "توجهات العولمة نحو الهيمنة: ظواهر تاريخية، وقائع معاصرة.
أخيرا.. على الرغم من تعدد محاور الندوة وأوراق العمل التي قدمت إلا أن التباين في مستوى الأوراق كان واضحا للعيان من جهة، والتكرار والاجترار بين الأوراق كان ملاحظة أخرى، وأخيرا لم تتسم الكثير من التوصيات والآليات المقترحة بالعملية والمرحلية ، وإنما بالعمومية واللغة المطلبية البعيدة عن تحسس حقيقة الواقع وشروطه وإمكانياته.
وكالات
العولمة وانعكاساتها على العالم الإسلامي
