العراق إلى أين ؟!
بعد ثلاث سنوات بالتمام والكمال من البدء الفعلي للتحضير الأمريكي لغزو العراق وإزاحة النظام تمهيدا لكشف الحقائق الدامغة للعالم عن مسئولية النظام العراقي السابق عن قنبلة المنطقة نوويا وكيماويا وتهديده للإقليم ومن ثم تحويل العراق إلى جنة ديموقراطية وأنموذج في الحرية والسلام والتطور يحق للمواطن العربي أن يسأل ما هي النتيجة ؟!
الواقع أن هناك نتائج يمكن القطع بها دون ريب وقد تحقق ظهورها ولا يمكن الجدال في درجة مصداقيتها بحيث لا نحسب عاقلا حتى في الإدارة الأمريكية يمكنه أن يتبرّع للطعن بجملة هذه الحقائق الدامغة، فضلا عن أن تجد لها من يحاول الدوران حولها من أي مكان آخر في هذا العالم المفتوح اليوم تقنياً على مصراعيه.
أما أول هذه الحقائق فتفيد أن جملة المبررات التي رفعت للعدوان على العراق والمنطقة تالياً كانت فاقدة المصداقية تماماً هذا إذا استخدمنا تعبيراً ديبلوماسياً وحيث أن الموضوع بهذه الخطورة لذا يتوجب عدم استخدام هذه التعبيرات الديبلوماسية والنفاذ فوراً إلى الحقيقة المجردة التي تقول إن الإدارة الأمريكية قد كذبت علينا وعلى العالم وعلى نفسها فضلاً أن تكون قد كذبت على دافع الضرائب الأمريكي.
إذ لم يكن هناك حقيقة من أي نوع كان من أسلحة الدمار الشامل في العراق ولا كان هناك حتى من برامج فاعلة ولو بدائية في العراق وهو ما كان أكده الرئيس العراقي السابق قبل انهيار نظامه في لقاء متلفز بث للعالم، وثبت بالدليل القاطع أن النظام العراقي أيضا لم يكن على علاقة لا بالحادي عشر من سبتمبر ولا بالقاعدة حيث لم تكن هناك أصلا قواعد في العراق اللهم إلا فضائل الغزو الأمريكي اليوم!
وكما ثبت الكذب الصريح في المبررات والذرائع لشن الحرب فلقد اتضح أيضاً أن جملة الأماني والتمنيات التي ضخت بكثافة عن تحويل العراق إلى أنموذج في الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان وعدالة توزيع الثروة والدولة السيدة المتماسكة القوية قد وجدت إلى الواقع عكسها تماماً بحيث نشهد في واقع الأمر شطب الدولة العراقية وإعادتها إلى عصر ما قبل الدولة !
طبعاً لم يتضح فقط ضحالة المعرفة الأمريكية التي كانت تذهب باتجاه الغرور الكلي ليس أقل منه غرور السيد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن بول في فيلم العرض الأول أمام مجلس الأمن الدولي عن أماكن وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق والزجاجة الشهيرة التي حملها ودخلت كتاب جينيس باعتبارها أشهر زجاجة استخدمت لتبرير قتل عشرات الآلاف من البشر، ولكن اتضح أيضاً أن هذه المعرفة التي أوهمت فيها إدارة بوش كانت في الواقع حصيلة ما قدمته هذه الفئات العراقية التي دخلت على الدبابات الأمريكية يوم حدث الغزو نفسه وأن هذه المعرفة هي كما رصيد هذه الجهات نفسها في واقع الأمر بحيث أصبحا معا أسيري هذا النموذج الخاص الكذب المزدوج وأنتجه هذا النموذج حتى الساعة !
بالتأكيد فإن لا عاقل يجادل اليوم بحقيقة أن العراق قد دخل دوامة مفرغة من الموت منذ أقدم الحاكم الأمريكي بريمر على أخطر قرار اتخذ في العراق بحل الجيش العراقي وضرب المؤسسة الأمنية الحامية للسيادة الوطنية، وأن العراق أيضا قد دخل بازاراً مفتوحاً على مختلف احتمالات البلقنة والأقلمة والطائفية والمناطقية فضلاً عن القبلية والعشائرية عبر ما سمي بقانون إدارة الدولة العراقية وهو ما مهّد الطريق أمام ثلاثة من أخطر ما شهده العراق حتى الساعة وما سينبني عليها من زلازل قادمة تهدد المنطقة برمتها.
أما أول هذه الثلاثة فهو اللعب بالورقة القومية وخاصة فيما يتعلق بموضوع الأكراد حيث لا يمكن بحال تصوّر عزل المنطقة وتبريدها طالما تم فتح الموضوع الكردي على هذا المستوى من التسخين الاقليمي بتقاطعاته التركية والإيرانية والعربية، والأمر الثاني هو الطائفية حتى آخر قطرة واللعب بورقة الطائفية تمهيدا لتجزئة العراق وتفتيته طائفيا وهو الفتيل المفجّر الثاني في المنطقة، أما ثالث فتائل التفجير فهي الثروة النفطية والتي يجري سرقتها لحساب جهات ليس من ضمنها المواطن العراقي ولا الدولة العراقية التي جرى شطبها تماماً.
لم تستطع مسرحية الانتخابات التي جرت ولا المسرحية القائمة حالياً حول الدستور المزعوم أن تغطي الثقوب الكبيرة في المشهد العراقي وهي بالقطع ستكون جزءا من المشكلة وليست جزءا من الحل طالما هي تنضج على نار أمريكية افتتحت أصلاً عملية الغزو على ذات المبررات ومن أجل ذات الوعود وفي سبيل ذات الأهداف الخفية - ليس جداً على كل حال – ومن ذات العناصر في هذه الإدارة التي فقدت كل مصداقية وصدقية حتى مع حلفائها القليلين الذين واكبوا زحف جيشها إلى العراق وبدءوا يغادرونها بالإتجاه العكسي!
العراق اليوم دون أي ملمح من ملامح الثقة أو الأمل وهو يعيش أسوأ مرحلة تاريخية مرت به منذ سبعة آلاف عام عمر حضارته المعروفة.
العراق لم يصبح نموذجا في أي شيء مما بشرت به إدارة بوش بل هو في الواقع أصبح نموذجا مميزا في عكس ما أعلنته وربما كان ذلك اتساقا مع ظهور حقيقة عكس ما أعلنته من مبررات وذرائع لتحطيم هذا البلد العربي الشقيق.
العراق اليوم مفتوح على كل الاحتمالات فيما يتعلق بطبيعته هو وحقوقه وما يجري فيه ولكنه أيضا أصبح عنواناً لتهديد الإقليم والمنطقة التي أريد لها أن يكون هو نموذجا لها لتحذو حذوه!
العراق اليوم أصبح ليس شقيقة لشارون كما همس في أذن السيد بوش في أول زيارة له إلى واشنطن عقب ولايته الأولى، ولكنه أصبح شقيقة وسرطان للمنطقة كلها أولا وللولايات المتحدة وأحلامها ثانيا وهو النتيجة والخلاصة الممكن القطع بها دون أدنى شك!
العراق إلى أين ؟! ... رأي الحقائق
