هيئة علماء المسلمين في العراق

المشروع الأمريكي إلى أين؟... د. عيدة المطلق قناة
المشروع الأمريكي إلى أين؟... د. عيدة المطلق قناة المشروع الأمريكي إلى أين؟... د. عيدة المطلق قناة

المشروع الأمريكي إلى أين؟... د. عيدة المطلق قناة

المشروع الأمريكي إلى أين؟... د. عيدة المطلق قناة بشائر هزيمة أمريكية صارخة تلوح في الأفق العراقي الزاخر بالتحولات والحراك. المقاومة العراقية تتصاعد بوتيرة عالية كمياً ونوعياً. ففي كل يوم هناك تطور ملحوظ في قدرة هذه المقاومة على تطوير أدوات عملها وأساليب مواجهتها. لقد نجحت في تنفيذ 34131 هجوماً في عام 2005 مقابل 26496 في عام 2004 (باعتراف الناطق باسم قوات الغزو، الجنرال دونالد اولستون)، حتى إنها استطاعت تنفيذ عمليات تجسس واستطلاع داخل المنطقة الخضراء (بشهادة صحيفة “ديفنس نيوز” المتخصصة بالشؤون العسكرية).
 
  وتتجلى آثارها وتداعياتها في كثير من التعبيرات، فضلاً عن حالة الضيق والرفض ونفاد الصبر. فهي تارة تتجلى في اعترافات قيادية بالأخطاء وتارة أخرى في دعوات للانسحاب، وثالثة بمطالبات بالاستقالة والمحاسبة، ورابعة في تدني شعبية بوش التي بلغت أدنى مستوياتها هذه الأيام (32% في آخر استطلاعات للرأي). فعلى صعيد الاعترافات ها هو بوش يعترف بأن “هناك قدراً كبيراً من الاخطاء”، وأما وزيرة خارجيته فتعترف بارتكاب “آلاف الأخطاء”.
 
  أما على صعيد المطالبات بالانسحاب فقد انطلقت أصوات مهمة من كل حدب وصوب تدعو إلى الانسحاب السريع من العراق، وتحذر من خسائر كبيرة ستتعرض لها؛ من بينها أصوات رؤساء سابقين، (كلينتون وكارتر). في حين أن مرشح الرئاسة جون كيري يرى أن استمرار بقاء القوات الأمريكية في العراق غير أخلاقي وسيورط هذه القوات في نفس الخداع الذي تورطت به في حرب فيتنام.
 
  وفي مجال المطالبة باستقالة بعض القيادات هناك جنرالات وقادة فرق (يتقدمهم جنرال مشاة البحرية المتقاعد أنتوني زيني) يطالبون باستقالة رامسفيلد. وآخرون يهددون ويلوحون باستقالتهم شخصياً، وجنرالات يرفضون الترقية (جون باتيست قائد فرقة المدفعية) ومنهم من يعلن أنه نادم لأنه لم يطعن بصورة أكثر علانية في الزعماء الأمريكيين الذين قادوا الولايات المتحدة إلى “حرب غير ضرورية” في العراق (الجنرال جريجوري نيوبولد، منئقوات المارينز في مجلة تايم).
 
  أما بالنسبة لتداعيات المقاومة على الصعيد الميداني العسكري فتتجلى في تزايد أعداد الجنود الذين يهربون من الجيش والميدان، كما تتجلى في زيادة معدلات الانتحار، ناهيك عن ارتفاع حالات الأمراض النفسية والتشوهات السلوكية التي أصابت المئات من الجنود. هذا إلى جانب آلاف القتلى والجرحى والمشوهين.
 
  على الصعيد التعبوي والموقف الشعبي، هناك رأي عام يتنامى داخل الولايات المتحدة رافض وساخط وضاغط. تعبيراته إعلامية وثقافية وفنية وتنظيمية تتمثل بمئات الأفلام والأغاني والمسرحيات وكلها أسهمت وتسهم في تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد الحرب، حتى باتت غالبية الأمريكيين تطالب بسحب القوات من العراق.
 
  في المجال الفكري هناك منظرون انقلبوا على أنفسهم ومواقفهم فها هو وليم كريستول أحد منظري “المحافظين الجدد” وأكثرهم حماسة لغزو العراق يدعو للتخلص من رامسفيلد. ولعل أقوى التعبيرات الناقدة ما جاء على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت بقولها إني “أشمئز من منظر بوش وهو يتكلم عن العراق”.
 
  فما بين الغباء والغطرسة، وما بين البلادة والنرجسية، يساق البشر إلى المذبح، هناك شعب يذبح بشكل منهجي مقصود، وهناك جنود ومرتزقة جاؤوا بهم للانقضاض على كل وجه حضاري لهذه المنطقة لقد جاؤوا بهم لإعادة هذا العراق إلى العصور البدائية الأولى أو إلى عصر ما قبل الآلة (بحسب سيئ الذكر جيمس بيكر)، وإعمال متوالية الفك والتقطيع والتركيب وإعادة ترسيم العراق أولاً والمنطقة تالياً وفق جغرافية النفط والمصالح واشتراطات الهيمنة.
 
  المشروع الأمريكي في العراق يترنح. فهذا المشروع الذي جاء لتحرير العراق من دينه وعروبته ووحدته وإقليمه وجغرافيته، هذا العراق اليوم تتم دمقرطته بالموت المجاني، كما يتم تحريره بالتفتيت وتقطيع أوصاله جغرافياً وسياسياً واجتماعياً عبر محاصصات شاذة لم يعرفها تاريخ العراق ولا تاريخ المنطقة. لقد أرادوا أن يكون “العراق” “عراكات” تسكنها طوائف وأعراق “بأسهم بينهم شديد”.
 
  ولكن المقاومة في طريقها لإسقاط هذا المشروع الخبيث بالرغم من كل ما أوقعه بالعراقيين من قتل وتدمير على الهوية والشبهة. فعلى الرغم من كل هذا البطش والتدمير، فإن المقاومة تتألق يوماً بعد يوم وتتوالى إبداعاتها، وتجلياتها في إخفاقات متوالية في كافة تفاصيل هذا المشروع وتجلياته. فالتوابيت تتوالى، وإدارة بوش سادرة في غيها وغبائها، لأنها غير معنية بقيمة الحياة فلا أذن تسمع، ولا عين ترى.
 
  ولكن يبقى سؤال “إلى متى؟” يلح حد الإحراج، وبوش وإدارته يلوذان من الإجابة بالكذب والتدليس والاستغفال في وقت لم تعد فيه كل هذه التقنيات ممكنة أو مفيدة.

أضف تعليق