هيئة علماء المسلمين في العراق

الهزيمة.. (1 من 3) ... محمد كاظم الشهابي
الهزيمة.. (1 من 3) ... محمد كاظم الشهابي الهزيمة.. (1 من 3) ... محمد كاظم الشهابي

الهزيمة.. (1 من 3) ... محمد كاظم الشهابي

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن هزيمة أمريكية في العراق، وبدأ يشمل أوساطا وأقلاما من سائر المستويات والاتجاهات والمناطق، بمن فيهم بعض أبرز أنصار المحافظين الجدد مثل «فوكوياما« الذي يعزو أسباب الهزيمة إلى الانحراف عن نهجهم القديم، وأخلاقياتهم، وإعلاميين عرب كالاستاذ فيصل القاسم الذي يرى أن على الأنظمة العربية أن تشكر واشنطن، فسنوات الاحتلال الثلاث أسقطت المخاوف من المغامرة بمحاولة زحزحتها بالقوة الخارجية، وانتهاء بمحللين وكتاب عرب معروفين مثل الباحث السوري الأستاذ لبيب شبيب، الذي قدم بحثا موجزا ومركزا تناول فيه أبعاد الهزيمة التي تتعرض لها الولايات المتحدة الامريكية من منظور تاريخي وحضاري واسلامي، سنقوم بتسليط الضوء عليها تباعا. لاحظ الأستاذ لبيب شبيب: «أن هناك مخاوف أوروبية قد ظهرت بسبب ما سيترتب على الهزيمة الأمريكية من نتائج، منذ انقضاء العام الأول على العدوان، وبدأت تبعا لذلك المساعي للتخفيف من عواقبها بالمنظور الغربي بطبيعة الحال، وهذا مما يفسر تجدد التقارب الأمريكي الأوروبي بعد المواجهات الأولى«. ويضيف الباحث أن كلمة هزيمة نفسها تحتاج هنا إلى تحديد، فهزيمة دولة «كبرى عسكريا« كالولايات المتحدة الأمريكية لا تتخذ شكلا مماثلا لهزيمة دولة صغيرة نسبيا، مثل العراق أو أفغانستان، ولا تعني بالتالي احتلال أرضها، ولا تحطيم قدرتها العسكرية أو طاقاتها الاقتصادية ولا هيمنة قوة أجنبية على سيادتها السياسية، ولم يقع شيء من ذلك بعد حرب فيتنام، ومع ذلك لا يختلف المؤرخون على الحديث عن هزيمة أمريكية في فيتنام، بدأت معالمها تظهر للعيان قبل الانسحاب العسكري والانكفاء السياسي بسنوات. وكما حدث في فيتنام فقد ظهرت مقدمات الهزيمة الأمريكية في العراق في ارتفاع حجم الخسائر أضعاف التقديرات المسبقة، وفي انقلاب موقف الناخبين، وفي ارتفاع حجم التكاليف المالية إلى درجة الإرهاق، وجميع ذلك كان في حرب فيتنام مقدمة لانسحاب عسكري، وتراجع عن الأهداف السياسية، وينتظر أن يكون كذلك في حرب العراق، وبسرعة أكبر، بسبب ثورة الاتصالات مقارنة مع وسائط الاعلام في سبعينيات القرن الماضي. لا ينبغي إذا طرح السؤال بصيغة: هل تقع الهزيمة أم لا؟ وإنما عن كيفية وقوعها، وتتطلب الإجابة هنا النظر أولا في عوامل أخرى تميز حرب احتلال العراق عن حرب فيتنام، كانعدام الدعم الخارجي في حالة العراق، وكون المنطقة الإقليمية العربية والإسلامية، مستهدفة دوليا ومنهارة داخليا، على نقيض ما كانت عليه أوضاع جنوب شرق آسيا، وهذا يعني أن استهداف المنطقة سيبقى أولوية لدى صانعي القرار الأمريكي الصهيوني، بغض النظر عمن يحكم رسميا في واشنطن، ولم يكن هذا يسري على فيتنام. وعلى الصعيد التاريخي كانت نتائج الهزيمة في فيتنام نكسة في مسيرة تكوين «إمبراطورية أمريكية«، عالميا، لم تمنع من متابعة الطريق نفسه، أما الهزيمة في العراق فتمثل مفصلا تاريخيا حاسما يمكن أن يحولها إلى ضربة قاصمة وليس مجرد نكسة على طريق طويل، وهذا ما سيشمل مجمل المشروع الصهيوني الأمريكي، رغم ضعف المنطقة سياسيا، فمن المؤكد تسارع خطوات أخرى بدأت في جنوب لبنان، وعبرت أرض الانتفاضة، وجعلت من طريق كامب ديفيد مدريد - أوسلو حلما صهيونيا يحتضر. لا شك أن لهذه النتائج أبعادا بالغة الأهمية أوروبيا، ولهذا السبب لا ترى القوى الدولية المتمردة على الهيمنة الأمريكية مصلحتها في وقوع هزيمة أمريكية صريحة على أرض العراق، وهي من جانب غير قادرة - حتى الآن - على ملء الفراغ في السياسة الدولية، ومن جانب اخر فأوروبا لا تريد أن يكتسب المشروع الإسلامي القدرة على النهوض في الأرض الإسلامية عموما. وهذا يعني ان هزيمة أمريكا في العراق يمكن أن تؤدي إلى نتيجة عكسية، أي أن تزداد شراسة الهجمة الأمريكية وضراوتها، وإن سقط المحافظون الجدد، نتيجة إدراك أن الجولة الراهنة حاسمة في رسم ملامح المستقبل، كما ستزداد جهود القوى الدولية الأخرى لتخفيف آثار الهزيمة قدر الإمكان، وسد الثغرات من خلال العمل على «عرقلة« مسيرة أي مشروع للتحرر والنهوض الإسلامي في المنطقة.

أضف تعليق