هيئة علماء المسلمين في العراق

وانقلب السحر على الساحر... عبد العزيز الملا
وانقلب السحر على الساحر... عبد العزيز الملا وانقلب السحر على الساحر...  عبد العزيز الملا

وانقلب السحر على الساحر... عبد العزيز الملا

قالته السيدة أولبرايت - باعتباره يصدر عن وزيرة الخارجية السابقة لأمريكا - من أن الاحتلال الأمريكي في طريقه ليكون أكبر كارثة سياسية تصيب أمريكا منذ استقلالها، لايمكن اعتباره مجرد رأي سياسي أو وجهة نظر فهو لم يصدر عن صحفي هاوٍ ولا عن معارض سياسي ويؤيده طبيعة الحراك السياسي الأمريكي وتصريحات قادتهم العسكريين الميدانيين المماسين للحالة الاحتلالية في العراق، ماوفي هذا السياق جاءت زيارة وزيري خارجية أمريكا وبريطانيا للعراق وتدخلهم في الشأن العراقي الداخلي بهذا الشكل السافر المجافي للذكاء السياسي وحديث بوش عن شكل الحكومة العراقية التي يرى أنها تجسد الجنَّة الأمريكية في المنطقة وطرد الجعفري من رئاسة الحكومة بهدف كسب السنّة للعملية السياسية وتصاعد الحديث عن رفض التطرف المذهبي في مؤسسات الدولة والتأزم الناري بين إيران وأمريكا واستذكار كل من الفريقين لتناقضاته مع الآخر كل ذلك يوضح عمق الأزمة التي تعاني منها أمريكا جراء هذا الاحتلال الذي - ببساطة - لم يعد ممكنا في ظل عولمة المقاومة ووعي الشعوب ودورها في تقرير مصيرها وثقافة حقوق الإنسان ويبدو أن أمريكا اكتشفت - أخيرا - أن من كانت تظن أنها تستخدمهم ككلب بوليسي في مشروع عدوانها على العراق وتتكئ عليهم في مشروعها هم الذين استعملوها وورطوها ووظفوا تهور رئيسها وتوجهاته الأصولية واندفاعه لتحقيق ثأر شخصي من الرئيس صدام في تحقيق أهدافهم التاريخية.

إن (تطقيع) إيران لمجلس الأمن (وتطنيشها) للموقف الأمريكي في قضية التكنولوجيا النووية يوضح من منهما الذي استغل واستغفل الآخر وورطه في مشاريعه الاستراتيجية.. وكل ذلك لايصح عزله عن سلسلة الأفشال التي لا تعد ولاتحصى في التعامل اليومي مع متطلبات الاحتلال - بالآلاف كما قالت رايس واعتبرتها أخطاء تكتيكية؟ ولايمكن عزله عن إرهاصات الحرب الأهلية التي بدأت بوادرها في العراق ولا عن العودة إلى آلية المفاوضات والاتفاقات الثنائية الفردية والحزبية لترتيب الوضع السياسي عوضا عن استحقاقات الديمقراطية كما لايجوز عزل كل ذلك عن تصاعد الاعتراضات العالمية والداخل أمريكية على هذه الحرب وما نجم عن ذلك من انفضاض التحالف المؤيد والمشارك فيها وسقوط حكومات أزنار إسبانيا وبرلسكوني إيطاليا حتى الآن - وتناقص شعبية ومصداقية بوش يوما بعد يوم.. كل ذلك أسقط هيبة أمريكا واحترامها في طول وعرض مساحة أهداف النفوذ الأمريكي عبر العالم كله.. وأشك أن أمريكا تستطيع أن تضع حلولاً لهذه المعضلات أكثر من مؤقتة أوترحيلية فكل عثرة لها سياقها وسباقها ولحاقها وجذورها.

أنا أزعم أن ما تمخضت عنه حرب أمريكا في العراق هو هزيمة حقيقية لها ولحلفائها وعلينا أن نتذكر أنها احتلته لتحصد سلسلة مكتسبات استراتيجية تتجاوز حدوده الجغرافية وإن كانت ساحته هي نقطة الارتكاز فيها والانطلاق منها.. فإلى أي حد يمكنها أن تحقق هذه المكتسبات في ظل ما آلت إليه الأمور؟ كما وأزعم أن الورطة الأمريكية سوف تتجاوز العراق مكاناً وزماناً وتكتيكاً واستراتيجياً.. ولكن هل من خطة أمريكية للخروج من الأزمة فضلا عن ان تستطيع الخروج بالعراق من الأزمة؟ بل أقل من خطة هل لدى أمريكا ومراكز التخطيط الاستراتيجي ومؤسسات القرار فيها أي تصور لكيفية إرضاء فريق دون إغضاب بقية الفرقاء، والغضب في العراق كما نشاهد لا يبقى في دائرة اعتكار المزاج أو انتفاخ الأوداج ولكنه يتحول إلى نار ودمار، أما إذا انسحبت أمريكا على طريقة (الهريبة ثلثين المراجل) فإن أمريكا ستكون بين احتمالين اثنين فإما أن تترك لحلفاء إيران داخل العراق (السيستاني ولفيفه) أن يقيموا الدولة التي ستكون - بالطبع - موالية لإيران ومتناقضة بالتالي إلى حد كبير مع الاستراتيجية الأمريكية مهما بدا أن بعض المحاور تجمعهما ومهما حرصت أمريكا على احتواء هذا التناقض، وهل احتلت أمريكا العراق لتقيم لإيران دولة عمق مذهبي وعقدي وتزيدها ثقلا سياسيا وعمقا إقليميا يغير كيمياء توازن كل هذه المنطقة الشديدة الاستقطاب والحساسيات، أو أن أمريكا ستتنكر لهؤلاء الحلفاء وعند ذلك تشتعل الحرب الأهلية أو في أقل تقدير ستأخذ التفاعلات السياسية الإقليمية مداها الحقيقي الذي لن يكون تأثير أمريكا فيه كبيرا وإذاً فأين صار المشروع الاستعماري الإمبريالي الصهيوني ما لم يتم احتواء إيران التي يبدو أنها تطلب ثمنا كبيرا لعل التقنية النووية بعضه فقط؟

إن ورطة أمريكا هذه هي من صنع أيديها أو بالأحرى من صنع متطرفيها الذين يستهينون بثقافات الآخرين وعقائدهم الدينية واستقلالاتهم السياسية وحقوقهم في الدفاع عنها ويعتقدون - أي الأمريكان - أن العالم هو مجرد خاضع لأمريكا ومرعوب منها وأن الفرصة مواتية لجلد هذا العالم وابتزاز اعترافه بتفوق الحضارة الغربية وضمان مصالحهم وحماية جرائم الكيان الصهيوني وهم يغفلون أو يجهلون أن المصالح الأمريكية إنما ضمنت بشيء من الاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات أو ضمنت ببعض الدولارات أو في حالات بعينها من خلال التلويح بالقوة ولكن غير المجردة عن الجزرة الحاضرة دائما في الدبلوماسية الأمريكية.

ولكن الذي يبدو أن الأمريكان ليس فقط لا يفهمون الشعب العراقي وأنه ليس لديهم رؤية واضحة لمستقبله ولكنهم اليوم يقتربون من صورة الحرب الدينية المكشوفة ويجهلون أن المسلمين - وبخلاف كل العالم وكل الحضارات وبخلاف اليابانيين والألمان الذين قبلوا بالهزيمة والانضواء تحت لواء الغالبين، لايمكن ولايتخيل أن يقروا بالهزيمة أو يعطوا الولاء لتلك الحضارة لمجرد أن الأمريكان يحاولون إرهابهم بالقوة العسكرية فبوابة الدخول للإسلام هي (لا إله إلا الله) فالمسلمون إذن أمة (لا) وليست أمة نعم ولا أمة حاضر يا سيدي ولا أمة اطعمني اليوم واذبحني غدا ولا أمة خلي راسك بين هالروس.

وإذا كان الاحتلال الأمريكي وصل خلال ثلاث سنوات فقط إلى هذا الطريق المسدود وإذا كانت أهداف هذه الحرب بدأت تتبخر وتتبخر معها أطماع الارتكاز على العراق لإحداث النقلة الكبرى في المنطقة فهل انقلب السحر على الساحر وهل نقول شكرا للمقاومة العراقية التي بدأ يحاول خطب ودها رامسفيلد والطالباني؟ وهل لايزال البعض يظن أن أمريكا هي القدر الذي لا يرد؟ ومن جهة أخرى إلى متى سيبقى العالم العربي يتفرج على كل ما يجري في العراق؟ ولماذا يستهين بنذر الحرب الأهلية التي إن انفجرت - لا سمح الله تعالى - فستأكل الأخضر واليابس وتتجاوز الحدود والسدود وتطاول كل المنطقة؟ وهل لا يزال البعض يراهن على المشاريع - أو الاحتلالات - الأمريكية ويعتبرها أخف الضررين؟ أما الشعب الأمريكي فيبدو أنه سيبقى ينتظر الانسحاب المخيب؟ ويبدو أن عليه أن يبتلى كل فترة من الوقت بنيرون جديد يعيد له ذكريات فيتنام؟ ثم أين ديمقراطية القوم التي عجزت - حتى الآن - عن نصرة الرأي العام الأمريكي على حفنة من المتطرفين الصهاينة المتربعة على سدة البيت الأبيض؟


الشرق القطرية

أضف تعليق