أكد الدكتور مثنى حارث الضاري مسؤول قسم الثقافة والاعلام في هيئة علماء المسلمين ان الأمريكيين لم يقدموا للعراقيين خلال السنوات العشر الماضية سوى الفساد المالي والاداري والقتل والارهاب والصراع الطائفي وتنصيب حكومات قائمة على أسس المحاصصة.
واوضح الدكتور مثنى في لقاء اجرته معه قناة (الجزيرة مباشر) بمناسبة الذكرى العاشرة للاحتلال الغاشم تحت عنوان " ميراث الاحتلال للعراق في ذكراه العاشرة " ان الديمقراطية التي ادّعى الامريكيون تقديمها للعراق انقلبت الى ساحة تصفية حسابات بين دول الإقليم والمنطقة والعالم، كما حولت العراق من دولة كانت تشق طريقها وتتلمس درب النور، الى دولة تقبع في آخر القوائم في كل ما يُحمد، فيما تتصدر دول العالم بقضايا الفساد والجريمة المنظمة والبيئة غير المناسبة، كما اصبح العراق من أكثر البلدان بعدا عن الديمقراطية الحقيقية، في الوقت الذي ما زال يتبوء أدنى الدرجات في مستوى تقديم الخدمات للشعب العراقي المظلوم.
وفي رده على سؤال بشان ضحايا الغزو الهمجي، قال الدكتور مثنى ان العراقيين جميعا هم ضحايا الاحتلال السافر، ولا تكاد تجد مكونا او عنصرا او مذهبا او منطقة لم تتضرر من الاحتلال سواء كان ذلك نتيجة الاحتلال المباشر او الاحتلال الذي تمارسه الان حكومته الخامسة، ومن لم يتضرر شخصيا وماديا فهو متضرر من حالة عدم الاستقرار العامة التي يعيشها العراق منذ عام 2003 .. لافتا الانتباه الى البؤس الذي يعيشه العراقيون الان، بالرغم من ان ميزانية العراق الاخيرة المعلنة تعادل ميزانيات عدة دول، وذلك نتيجة سوء ادارة من استلم الحكم في هذا البلد، واستشراء الفساد المالي والاداري في المؤسسات والدوائر الحكومية.
واشار الى ان ما يشهده العراق اليوم من ثورة شعبية وتجدد الحالة الوطنية واللحمة الوطنية ومناداة الجميع بوحدة العراق والحفاظ على هويته واستعادة سيادته والخشية على مصالحه وثرواته، كل ذلك يؤذن بأن هناك تغيير سيكون شاملا للعراق ككل .. موضحا ان هيئة علماء المسلمين اعربت عن ثقتها منذ مجيء الاحتلال السافر بقدرة الشارع العراقي على التغيير وعلى التبشير بوحدة هذا البلد والمحافظة على هويته وثرواته، وها هي ترى الزرع ينضج الان، وترى العراقيين ينزلون الى الشارع ويطالبون بنفس المطالب التي طالبت بها الهيئة وهي : (تحقيق العراق، ووحدة العراق، والمحافظة على هويته العربية والاسلامية، والمحافظة على ثرواته ومقدراته).
وبشأن التظاهرات والاعتصامات السلمية المتواصلة منذ ثلاثة اشهر، اكد الدكتور مثنى الضاري ان الجماهير المشاركة في هذه التظاهرات والتي تنتشر على مساحة كبيرة جدا في ست محافظات عراقية تشكل اكثر من نصف العراق، لا كما تقول الحكومة الحالية انها ثلاث محافظات فقط، بل هي الانبار وصلاح الدين والتأميم ونينوى وديالى وبغداد العاصمة، وهناك ثلاث محافظات في الشمال لها خصوصية معروفة، فيما تشهد المحافظات الجنوبية ذات الغليان ولكنها لم تتح لها الفرصة بعد للمشاركة في الثورة الشعبية الجديدة .. معيدا الى الاذهان الانتفاضة الشعبية العارمة التي بدأت في 25 شباط عام 2011 والتي عمت (16) محافظة، الا ان نوري المالكي واجهزته الامنية قمعتها بالحديد والنار وساهم في قمعها بعض من يحسبون على (السنة) الذين يشاركون في العملية السياسية الحالية.
وفي ما ياتي نص اللقاء:
*الجزيرة: العراق شهد اليوم انفجارات قتل فيها (59) شخصا واصيب عدد آخر، ماذا يعني استمرار قوافل القتلى ؟
//مثنى: ما حدث اليوم هو جريمة بحد ذاتها، وهذه جريمة للأسف متكررة بين فترة وأخرى، الانفجارات اليوم أعقبت انفجارات أخرى خلال هذا الاسبوع في مناطق مختلفة من العراق، وقد اعتاد العراقيون على هذه الانفجارات التي تكثر في الأوقات الحرجة التي تجد حكومة الاحتلال الخامسة نفسها في أوضاع لا تسمح لها بأن تتحرك كما تريد، وفي أوضاع حرجة نتيجة الضغط الشعبي والمطالبة بالتغيير فتلجأ إلى إحداث مثل هذه الأفعال.
*الجزيرة: أفهم مما تقول ان هذه التفجيرات هي صنيعة يد، هل ان الأمر مقصود؟
//مثنى: هذا الأمر ليس جديدا، عندما تحصل مثل هذه التفجيرات كالتي حدثت ايام الأحد والاثنين والثلاثاء الدامية، الشعب العراقي كان وما زال يقول: ان الحكومة أو المليشيات المقربة منها او اجهزتها الأمنية وراء هذه الأحداث، أو أن دولة خارجية وراءها، لان هذه الأحداث تأتي عندما تكون الحكومة في مأزق من المآزق السياسية أو غيرها، فلذلك هذا خطاب الشارع ونحن في الهيئة أصدرنا بيانا هذا اليوم ركزنا فيه على هذه النقطة .. نعم هذه الانفجارات تأتي بفعل فاعل.
*الجزيرة: هل هي مشكلة حكومة المالكي تحديدا، او مشكلة الدولة التي قصدتها وهي إيران تحديدا؟
//مثنى : نعم هي مشكلة المالكي ومشكلة إيران، مشكلة مزدوجة، المالكي هو رجل إيران القوي في العراق لكنه في هذه اللحظة يتهاوى، لذلك تسعى الحكومة الإيرانية الى محاولة تفادي سقوطه بسرعة، وهي ترى هذا الضغط الهائل والحراك الكبير الجاري في المدن العراقية، سلسلة الانفجارات التي حدثت خلال الايام الماضية، تكللت هذا اليوم بانفجارات طالت اكثر من عشر مدن مختلفة من العراق، كل هذا يدل على أن هذه الحوادث مقصودة بعينها وبذاتها لتخفيف الضغط والأزمة عن الحكومة قدر الامكان.
*الجزيرة: هل ان ما يحدث في سورية الان له تأثيرات على ما يحدث في العراق باعتباره مرتبطا بإيران وإيران خسرت سورية، كما تقول بعض المقاربات ولا تريد أن تخسر العراق ؟
//مثنى نعم، المقاربة صحيحة والتداخل بين الملفين العراقي والسوري تداخل كبير جدا، وما يجري في سورية يدل على أن هناك تعاون واضح وصريح جدا بين الحكومة السورية وحكومة الاحتلال الخامسة في بغداد والحكومة الإيرانية، لذلك هذه الأطراف الثلاثة تنظر إلى الوضع في العراق والوضع في سورية على أنها ساحة معركة واحدة وفيها نوع تبادل الادوار هنا وهناك فما يحصل بالضرورة في سورية ايجابيا سيكون ايجابيا في العراق والعكس صحيح، إذن الحكومة الإيرانية وحكومة المالكي يسعيان بكل قوة لعدم تكرار الذي يحصل في سورية.
*الجزيرة: ماذا قدم الأمريكيون للعراق بعد السنوات التي خلت من الغزو الاحتلال؟
//مثنى : الأمريكيون قدموا ا للعراق كل شيء، قدموا لهم نقيض الديمقراطية التي بشروا بها، قدموا لهم الفساد والقتل والارهاب والصراع الطائفي وحكومة المحاصصة، وقدموا لهم كل شيء كان الامريكيون يريدون أن يقدموه بطريقة أخرى، ادّعو الديمقراطية واذا بها تنقلب الى ساحة تصفية حسابات بين دول الإقليم والمنطقة والعالم، انقلب العراق بقدرة قادر من دولة تسلك طريقها من أجل ان تتلمس درب النور، واذا بها تقبع في آخر القوائم في كل ما يُحمد، لكنه في الفساد والجريمة المنظمة والبيئة غير المناسبة من أوائل الدول بالعالم، وفي مقياس الشفافية فان العراق من أكثر البلدان بعدا عن الديمقراطية التي تدّعي امريكا أنها جاءت بها، أما اذا نزلنا الى مستوى تقديم الخدمات وما الى ذلك فسنجد أن العراق تبوء وبجدارة بعد احتلال كان وما زال موجودا الى الآن، ما زال يتبوء أدنى الدرجات مع دول تكاد لا تغادر هذا الموقع السيء.
*الجزيرة: بعد عشر سنوات من الاحتلال، هل يمكن أن نقول ان شوكة الطائفية التي يشهدها العراق الان قد غذّاها الأمريكيون وصنعها أذنابه كما يقول البعض والمعارضة في هذا البلد؟
//مثنى: أولا ينبغي أن نوضح بأن الامريكان ادّعو ادعاءات كثيرة جدا من أجل غزو العراق ومن هذه الادعاءات هي نشر الديمقراطية على اعتبار أن هناك دكتاتورية في العراق، نحن نتكلم أيضا عن هذا الجانب ونقول رغم كل ما كان يعانيه العراقيون في ذلك الوقت ولكن جاء الامريكيان بأشياء لم تكن معروفه لديهم، من ذلك على سبيل المثال جاؤوا بطامة كبرى الا وهي ما نسميه في العراق بالمحاصصة الطائفية والعرقية، أصبحت البلاد تدار بهذه العقلية وبهذه الرؤية وهي رؤية سبق للمعارضة العراقية التي كانت تعارض نظام صدام حسين آنذاك أقرتها في مؤتمر لندن عام 2002 وفي مؤتمرات عديدة وقسمت حكم العراق على اساس الطوائف والأعراف والمكونات.
*الجزيرة : كان الأمر مقصودا ومرتبا له؟.
//مثنى : كان الأمر مدروسا ومقصودا ومخططا له من قبل هذه المعارضة وبرعاية أمريكية واضحة وصريحة، عندما جاء الامريكان للعراق واحتلوا هذا البلد وغدا هي الذكرى العاشرة لغزو العراق وتدميره، اعطوا المجال لهذه القوى التي تسمي نفسها معارضة وطنية الفرصة من اجل ان تطبق المنهج الطائفي والعرقي الذي وضعته قبل الاحتلال، وما زلنا الى الان نعاني من هذه القضية عناء كبيرا جدا ومن أهم الأمور السيئة التي جاء بها الامريكان بحجة الديمقراطية هي المحاصصة الطائفية والعرقية وخرجوا وتركوا مفاعيل هذه المحاصصة موجودة على الارض، يلجأ لها الحكام كلما ارادوا فرصة، ومن هنا نرجع الى موضوع التفجيرات كلما اراد المالكي ان ينقذ نفسه من مأزق سياسي او غير سياسي اجج الطائفية.
*الجزيرة: هل نقول بان السنة في العراق هم ضحايا هذا الغزو وضحايا هذه الصورة التي اوجدها الاحتلال؟
//مثنى : العراقيون جميعا ضحايا الغزو والاحتلال من شمال العراق الى جنوبه ومن شرقه الى غربه، ولا تكاد تجد مكونا او عنصرا او مذهبا او منطقة لم تتضرر بالاحتلال سواء كان الاحتلال المباشر او الاحتلال الذي تمارسه الان حكومة الاحتلال الخامسة، جميع العراقيين تضرروا وحتى الذي لم يتضرر شخصيا وماديا هو متضرر من الحالة العامة التي يعيش فيها العراق حالة اللااستقرار.
*الجزيرة: ما هو وضع المسيحيين الآشوريين والبابليين والكلدانيين ضمن لوحة الفسيفساء العراقية؟
//مثنى : نعاني من هذه القضية وعندما يعرض الموضوع السني دائما نقول بان السنة تحملوا ضغطا اكبر لماذا؟ لأن السنة قبل الاحتلال، كما قلنا كان هناك مؤتمر لندن توافق طائفي وعرقي والتوافق الطائفي والعرقي حسب السنة على جهة ما، وبعد الاحتلال اخذوا يطبقون هذه النظرية، فإذن السنة تضرروا أكثر من غيرهم لأسباب معروفة ومعلومة ومن ضمن هذه الأسباب انهم تحملوا شرف المقاومة في الجزء الغالب منها، ولكن اعود فاقول ان جميع العراقيين تضرروا، ومن ذلك المكونات او كما تسمى عندنا في العراق (الاقليات) سواء كانوا مسيحيين او صابئة او يزيديين وما الى ذلك، كل هؤلاء تعرضوا والدليل على ذلك عندما تبحث عنهم الان تجد ان كثيرا منهم قد هاجر خارج العراق هربا مما كانوا يعانونه داخل العراق، وان معظم الاذى الذي وقع عليهم كان بتخطيط حكومي سواء حكومة المالكي الحالية او السابقة او حكومة ابراهيم الجعفري او ما تسمى الحكومة الانتقالية قبل ذلك، إذن العراقيون عانوا جميعا ولكن على مستويات.
*الجزيرة: لماذا هذا البؤس العراقي، واموال العراق كثيرة، هل هي مسألة الفساد؟ من يسرق أموال العراق؟
//مثنى : البؤس الذي يعيشه العراقيون الان، اعتقد لم تشهد دولة بمثل حجم امكانات العراق الذي يتمتع بامكانات كبيرة من عائدات النفط، ما ينتج منه وما يصدر وما يعلن من ميزانيات تكاد لا تقارن بدول أخرى تتمتع بقريب من هذا، ميزانية العراق المعلنة الاخيرة تعادل ميزانية عدة دول، وهذه الدول تعيش الان وفق ظروف صعبة ولكنها مع ذلك تقدم الخدمات البسيطة جدا حتى لمواطنيها، ما يحدث في العراق ان الخدمات الاساسية قد لا يعرفها الكثير من المشاهدين، موضوع الماء والكهرباء في العراق هو معاناة كبيرة جدا، العراقي يعتمد على نفسه في هذا الإطار، هناك مواضيع الغذاء والعلاج والخدمات الاساسية والبنى التحتية والبيئة وما يتعلق بكل ذلك وما تجلبه من امراض للعراق وازالة مخلفات الحروب والتلوث نتيجة استخدام الاسلحة المنضبة وغير ذلك, لأن الخدمات الاساسية التي توفرها بلدان فقيرة جدا في افريقيا وآسيا لا تملك عشر ثروة العراق، لا نجدها في العراق هذا كله نتيجة سوء ادارة من استلم الحكم في العراق، لا يفكر حتى الان في الادارة الحقيقية وانما يعتبر نفسه ضيف طارئ على العراق، جاء لمرحلة معينة ويعتقد جازما في قرارة نفسه ان هلن يطول بقاءه في العراق، ولذلك يسعى الى ان يسن احواله.
*الجزيرة: هل هذا هو سر الفساد المالي والإداري؟
// مثنى : بالضبط هذا هو السر الذي لا يتكلم عنه الكثيرون من يحكمون العراق الآن، هم حكام طارئون سيخرجون عاجلا او آجلا لذلك فالطارئ يفكر بعقلية السارق وبان يجني من الغنيمة ما أمكن قبل أن يظهر ان الفساد المالي او الإداري الكبير جدا، وكلها نواتج لهذا الامر، ميزانية العراق إذا قسمت على العراقيين ستكفيهم تماما، ولكن لماذا لا تكفيهم ولماذا نجد حتى المناطق التي تدّعي الحكومة بانها آمنة ولنفترض انها في جنوب العراق تعاني من سوء الخدمات والادارة ونهب للمال العام، لا يكاد يقارن بما يحدث في الوسط وفي غرب العراق وهي المناطق التي تسمى بالمناطق الساخنة، هذه المناطق افضل نسبيا من الجنوب بكثير، فاين تذهب هذه الاموال التي كلنا يعلم بان كل مسؤول في هذه الحكومة لديه مصلحة خاصة في سرقة النفط العراقي او الواردات العراقية الاخرى بطريقة او باخرى وتهريبها لصالح جيبه الخاص او لصالح حزبه او لشركته الخاصة، وهكذا، بهذه الطريقة تتسرب الميزانية ويبقى العراقيون على بؤسهم.
*الجزيرة : هل تحقق للعراقيين بعد هذه السنوات العشر من السجال والجدال والانتخاب شيئا اسمه عملية الاصلاح السياسي الديمقراطي؟
//مثنى : الامور دائما بنهاياتها وليس في بداياتها، كنا نتكلم من البداية ان العملية السياسية في ظل الاحتلال لم تكن عملية سياسية صحيحة ولم تكن بالضرورة نزيهة وان مخرجات هذه العملية ستكون وبالا كبيرا على العراقيين وهذا ما حصل للاسف الان، عندما نأتي الى مخرجات العملية السياسية بعد عشر سنوات، حكومة تكاد تكون مشلولة ورئيس الوزراء يمسك بزمام اربع الى خمس وزارات ويحكمها بالوكالة واطراف مشاركه بالعملية السياسية تخرج من العملية السياسية او تستقيل تحت ضغط عوامل متعددة، كل هذه اسباب تؤدي الى ان هذه الحكومات التي جاءت نشأت عن محددات عملية غير ديمقراطية ابدا، فمثلا العملية الديمقراطية اولا تحتاج الى جو ديمقراطي، جو حرية تعبير، ثم تثقيف على العملية الديمقراطية، ومن ثم حياة سياسية واحزاب حرة يدخل فيها المواطنون بملء ارادتهم تعبر عن برامجها السياسية، ثم تدخل في اطار عملية اعلامية ترويجية، ثم تذهب الى صناديق الاقتراع، كل هذه الامور الموجودة في العراق تجري على وتيرة واحدة، لم يجرب العراقيون منها الا وضع الورقة في الصندوق، وهذه ليس عملية ديمقراطية كما تعرف الديمقراطية في المفاهيم.
وفي رده على أحد المتداخلين الذي كان يسأل عن موقف الهيئة من العملية السياسية الحالية قال الدكتور مثنى الضاري ان مخرجات العملية السياسية وما وصلت اليه تدل على صواب ما قالته الهيئة منذ البداية بانها لم تشارك في هذه العملية، لانه لا يجوز من الناحية الشرعية المشاركة بالعملية السياسية في ظل الاحتلال، اضافة الى عدم جدوى المشاركة فيها من الناحية السياسية، لأنها قامت على أسس غير سليمة، من أهمها الطائفية والعرقية فضلا عن ان الاحتلال جاثم على صدور العراقيين، لقد مارست الهيئة سلوكا منضبطا في توجيه الشعب العراقي ونصحه في كل مفصل انتخابي بان يختار من يمثله بنفسه، لكنها لم تمنع احدا، فالمقاطعة في المرة الأولى كانت مقاطعة عامة شاملة شاركت فيها الهيئة وشاركت فيها قوى ندمت بعد ذلك ثم دخلت في العملية السياسية، فلا يمكن ان يلقى عبء المقاطعة للمرة الأولى على الهيئة لوحدها، هذه مغالطة يكررها بعض السياسيين، وما المقاطعة الاولى كانت مقاطعة كبيرة وكانت نسبة المقاطعة فيه 42 بالمائة من مجمل الشعب العراقي، اما في الانتخابات الثانية والثالثة وانتخابات المجالس البلدية فكانت الهيئة دائما تقول بان هذه العملية السياسية غير مجدية لأنها بنيت على اسس غير سليمة ولم تتغير هذه الأسس، بل زادت، لكنها كانت تفسح المجال للشعب العراقي ليختار بنفسه، وها يختار الآن التغيير ويطالب بإسقاط النظام الحالي.
*الجزيرة : ماذا عن السنة الذين انخرطوا بالعملية السياسية، وما تأثيرهم على هذه العملية؟
// مثنى : هذا الجزء لم يكن مؤثرا أبدا، بدءا بمجلس الحكم الذي مثل السنة فيه من 19 الى 20 بالمائة، ما يعني أنه يمثل الخمس في العملية السياسية، وهذا الخمس مهما كان قويا وناشطا وصادقا وعزوما لن يستطيع أن يحقق شيئا؛ لأنه لا يستطيع أن يعطل قرار جائر قد لا يصلح لجميع الشعب العراقي أو لجهة أو مكون ما، ولكن أداؤه لم يكن بالمستوى، كانوا بالغالب تتمة للعملية السياسية وكانوا غطاء يضفي الشرعية على العملية السياسية.. وأنا أقول للآخر أين هم الآن ؟
*الجزيرة : ما هو تأثير المادة أربعة إرهاب التي يتحدث عنها العراقيون، على الشخصيات السياسية وعلى الفعل الطائفي بعينه؟
//مثنى : للأسف .. وبغض النظر عن الأسماء جميع من يطاردون الآن تحت هذه المادة ومن السياسيين (السنة) الذين دخلوا العملية السياسية، هم ساهموا وأرسوا هذه المادة بمشاركتهم في الحكومات المتعاقبة وبموافقتهم على الخطط الأمنية ودعمهم للعملية السياسية.
*الجزيرة : هل اختلفتم معهم لأنهم دخلوا العملية السياسية ؟
//مثنى : نعم منذ عام2003 وفي أول بيان لهيئة علماء المسلمين اعلنا ان هذا المجلس غير صحيح وانه يقوم على اسس غير سليمة، وانه سيفرق العراقيين، وانه لا يمكن ان تقوم حكومة عراقيه حقيقية في ظل الاحتلال، ومنذ ذلك اليوم اختاروا بعد فترة ان يدخلوا مجلس الحكم، ثم اختاروا ان يدخلوا الانتخابات الثانية، فكان هذا خيارهم وقرارهم على الرغم من وضوح الصورة لنا ولهم ايضا، لكنهم شاركوا ولم يجنوا شيئا فإذا هم الان يحاكمون ويطاردون ويتهمون بناءا على أسس نظام ساهموا في وضعه.
*الجزيرة: ما هو موقفكم مما يعانيه الشعب العراقي اليوم جراء المادة 4ارهاب والسجون والسجينات والوضع المادي كي نصل الى ما يسمى الربيع العربي الذي يدق ابواب العراقيين ؟
//مثنى :المعاناة كبيرة ولا يمكن وصفها بكلمات، عندما اتحدث عن مشكلة ما في بلد معين، ولنأخذ اي بلد من البلاد العربية، نتحدث عن مشكلات ضيق مجال الحرية، وعدم القدرة على التعبير ووجود مساجين رأي ووجود فساد إداري وسياسي بنسب معينة وغيرها الكثير من نقص في الخدمات ونقص في الاستراتيجية.
*الجزيرة: ماذا عن القضاء والاعلام وهما وجهان اساسيان؟
//مثنى: نعم هناك مشاكل في القضاء ولا سيما ما يتعلق بعائديته وتبعية القضاء للدولة او بعدها عن الدولة ونزاهة القضاء واستقلاليته، وما يتعلق بالصحفيين وحبسهم على قضايا ذمم معينة، هذه القضايا المبحوثة الان في كثير من الدول العربية، وهذه القضايا اقولها بكل صراحة يتمنى العراقيون ان تكون عندهم قضايا من هذا القبيل وبهذا المستوى من الدرجة، نحن في العراق لا نتحدث عن مستوى معين من نزاهة القضاء، بل نتحدث عن قضاء موالي للدولة وبشكل صريح.
*الجزيرة: هل يمكن ان يستغل المالكي سلطته كرئيس حكومة ويتولى مجموعة من الوزارات وقائد للقوات المسلحة ليسخر القضاء من اجل تأكيد هذه السلطة وإلجام العراقيين واستمرار هذا الحكم؟
//مثنى: دعنا نعطي صورة للناس كي تتكشف الأمور، المالكي على سبيل المثال لمرحلة ثم جاء بعد ذلك بمرحلة ثانية إذن هو الان عمره بالحكم حوالي سبع سنوات، هذه فترة أعطت له الهيمنة على أجهزة الدولة وكما قلت انت، رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع ووزير الداخلية ومدير جهاز المخابرات، وكل الاشخاص الذين يقودون هذه الأجهزة يقودونها ويحكمونها بالوكالة، فإذن هناك هيمنة كبيرة من المالكي على المناصب الاساسية في الحكم، هذا اولا، وثانيا: مجيء المالكي للحكم كان بسبب القدرة التي يمتلكها زائدا المال والارهاب، فقد استطاع ان يحول نتيجة فوز القائمة العراقية ـ بغض النظر عن موقفنا من العملية السياسية ـ التي فازت بفارق مقعدين عنه، استطاع ان يستحصل قرار بالمحكمة الاتحادية بتحويل الفوز له، فإذن رئيس وزراء يمتلك هذه القدرة في الضغط على المحكمة الاتحادية والتي يفترض ان تكون سلطة عليا ومستقلة ومنزهة عن كل ضغوط ، يستطيع ان يستميلها من اجل ان يكرس فوزه بحجة ان عدد الناخبين الذين انتخبوه اكبر من عدد الناخبين الذين انتخبوا القائمة العراقية، إذن هو بدأ حكمه في الفترة الرئاسية الثانية بهذه الالتفافية على هذا القانون، والى الان المحاكم والمعتقلات سواء كانت هذه المعتقلات معلنة او سرية.
*الجزيرة: تحدثتم عن قضايا تتعلق بالمالكي والمليشيات وغير ذلك، ما صحة الذي يقال انتم العراقيون ادرى بهذا ؟
//مثنى: نعم .. عندما ظهرت وثائق ويكليكس على قناة الجزيرة، في يومها، قلت: ان هذا الكلام قلناه سابقا، وكان مذيع الجزيرة قد قال انتم هيئة العلماء كنتم تقولون هذا، والان تؤكده هذه الوثائق فماذا تقولون ؟ .. أقول ان ما نقلته ويكليكس أقل بكثير مما يجري على الارض، ما يقع على الارض لا يوجد له مثيل، عندنا الان رغم الادعاءات مئات الالاف من المعتقلين، بينهم أكثر من خمسة آلاف امرأة وهو عدد لا أتصور أن دولة في محيطنا تملك هذا العدد من المعتقلات، كل هؤلاء او اغلبهم تحت طائلة المادة (4 ارهاب) ونتيجة تهم، تصور في العراق يوجد الالاف من المخبرين السريين، بحيث يوجد في كل شارع مخبر سري وليس في كل حي، فما يحدث وما يوجد من امثلة على انتهاك حقوق الانسان في العراق واستهداف لكرامة الانسان العراقي, لا تكاد تجد له نظيرا في العالم، وان هذا جاء بناء على منظومة رئاسة الوزراء كرست من خلال نفوذها كل عوامل القوة التي تعتقد انها تمتلكها ومن خلال الارهاب والتخويف بالملفات التي تمتلكها، إذن هناك هيمنة طاغية ودكتاتورية مقيته يعيشها العراق تكاد لا تقاس باي دكتاتورية اخرى، وهذا الوضع قائم منذ اربع سنوات ومرشح لان ينهار باي لحظة، ولذلك نجد ان ما حدث من تفجيرات اليوم وقبل هذا الوقت هي كاعلان من رئيس الوزراء بان طريقة انهاء انهيار نظامي هي بهذه الطريقة، وقد هدد قبل ايام عندما قال (اما انا او الحرب الطائفية)هكذا يفهم من كلامه، وهذا مثال لما حدث قبل ايام.
*الجزيرة: بعد ان خرج العراقيون الى الشوارع، هل يستطيعون ان يغيروا شيئا؟ وهل يستطيعون ان يسقطوا نظام المالكي ويغيروا حكومته؟
//مثنى: استطيع ان اقول انه يتصف في كل الربيع العربي الذي حصل في بلدان اخرى تظاهر سلمي واعتصام ومطالبة بالحقوق ومطالبة باسقاط النظام ومطاولة وصبر وتمسك بالحقوق، كل هذه تعطيه ميزات، ثم حجم جماهيري كبير جدا ينتشر على مساحة كبيرة جدا تشكل اكثر من نصف العراق في ست محافظات عراقية، لا كما تقول الحكومة والبعض انها ثلاث محافظات فقط، بل الانبار وصلاح الدين والتأميم ونينوى وديالى وبغداد العاصمة، اذن هناك ست محافظات، وهناك ثلاث محافظات في الشمال لها خصوصية معروفة، والمحافظات الجنوبية الاخرى ايضا تشهد ذات الغليان ولكن لا تتحاح لها الفرصة، وهنا اشبه حالة اخواننا في الجنوب بحالة اهل الوسط والغربية، قبل سنتين وفي 25 شباط انتفضت 14 محافظة، وانا اقول 16 محافظة عراقية حسب احصاء آخر قمعها المالكي بالحديد والنار وساهم في قمعها بعض من يحسبون على السنة الذين كانوا مشاركين في العملية السياسية، لانه كانت بوادر سقوط المالكي واضحة قبل سنتين بالاستفادة من محركات الربيع العربي الاخرى، الان عادت هذه الانتفاضة ببعد اكبر حجما لكنها اقل مناطقية، والسبب ان المناطق الغربية ايضا كانت محكومة بالقوة ولا يسمح لها بخروج اي تظاهرات، لكنها لما اتيحت اقل فرصة باعتقال حماية وزير ما وسمح لتظاهرة صغيرة ان تخرج بالفلوجة، خرج الشارع ولن تستطيع هذه الجهات ان تحول دون خروجه فكُسر الحاجز الذي كان سيحجز الناس عن الخروج، فخرج الناس بهذا الحجم، في الجنوب ايضا تمارس عليهم ضغوط كبيرة جدا من قبل الحكومة ومن قبل المليشيات، قوة ضاغطة في مناطقهم، تدخل قوى ايرانية بعدم المشاركة في هذه التظاهرات، ولكني على قناعة تامة بأن الثورة الشعبية ـ ولا اسميها حراكا لانها ابتدت حراكا، وهي اليوم ثورة شعبية في العراق ـ قادرة على اسقاط نظام المالكي وقادرة على جلب المكونات الاخرى الى صفها، لان الجميع ينتظر الان لحظة انتفاضة هذه الجماهير.
*الجزيرة: هل هناك قابلية لدى الطرف الاخر (الشيعة) في الجنوب للتضامن مع السنة في المحافظات التي تشهد تظاهرات ؟
//مثنى: هنا نفرق بين اتجاهين في الجنوب، هناك اتجاه مستفيد من الحكم ومعظم هؤلاء اعضاء في الاحزاب والمليشيات الحاكمة والدوائر المقربة من ذلك، لكن كمستوى شعب في الجنوب غير مستفيد من هذه الحكومة، بل ينعى هذه الحكومة، واقول لك بكل صراحة ان اكثر مظاهر الفساد واكثر مظاهر سوء الخدمات هي في الجنوب، وهذا بوثائق مصورة، ولدينا احصاءات حوله، بل حتى بعض المؤسسات الاوربية والغربية ركزت على هذا الموضوع في اعلامها، فاذن هم مهيؤون تماما للمشاركة باي حراك شعبي اذا أُتيحت لهم الفرصة.
*الجزيرة: هناك شخصيات معروفة في الجنوب ـ لا اذكر الاسماء ـ كأنها تتمنى سقوط المالكي ؟
//مثنى: نعم هناك شخصيات وهناك مراجع عربية تعاني من ضغوطات ايرانية كبيرة وهناك شيوخ قبائل عرب يعز عليهم ان يروا عزة وكرامة العربي تهان في جنوب العراق من قبل الايرانيين، وهناك منظمات مجتمع مدني وهناك شباب متحمس وهناك جيل خرج وهو يسمع بالتحرر العراقي والعيش الرغيد والديمقراطية، فاذا هو لا يجد كسرة الخبز التي يأكلها ولا شربة الماء التي يشربها، إذن الحالة متهيئة ومتحفزة.
*الجزيرة: ورقة الاكراد وهم يبدو انهم يؤيدون التظاهرات سياسيا وشعبيا.
//مثنى: هم ورقة فاعلة لان الحكومة في العراق بنيت بعد الاحتلال بشكل اساسي على طرفين، الطرف الاول:الاحزاب واقولها (الاحزاب الشيعة)، والطرف الثاني: هو الاكراد، فاذن معادلة الحكم في العراق لا يمكن ان تقوم الا بهذين الطرفين، فعندما نلاحظ ان الطرف الكردي اليوم يحاول ان ينأى بنفسه عن عن الحكومة ويحاول ان يؤيد ما يجري من تظاهرات وثورة قائمة فهو يوصل رسائل ايجابية، هو ينظر الى مصالح وهو يعتقد او يرى، وهذا دليل اخر، ان هذه الثورة الشعبية ستوصل الى حل ما قد تغير نتيجة الحكم في العراق، اذن مصالحه الحالية والمستقبلية تتفق مع الحقوق التي ينادي بها الشعب، فهي حالة ضغط من الساسة الاكراد على ما تسمى بحكومة المركز للحصول على مصالح بالاستفادة من الحراك الشعبي وايضا لتشكيل تركيبة سياسية جديدة.
*الجزيرة: الى اين يتجه العراق الان، وما هو دور هيئة علماء المسلمين؟
// مثنى: ما يجري على الارض من ثورة شعبية وبناء على تجدد الحالة الوطنية واللحمة الوطنية وتنادي الجميع بوحدة العراق والخوف على مصالحه وثرواته وانتباه الجميع الى هوية العراق وسيادته، كل ذلك يؤذن ان هناك تغيير وان هذا التغيير بالضرورة سيكون شاملا للعراق ككل، وهيئة علماء المسلمين طبعا عملت ومنذ سنين على مقاومة الاحتلال والتبشير بقدرة الشارع العراقي على التغيير وعلى التبشير بوحدة العراق والمحافظة على هويته والمحافظة على ثرواته المنهوبة والمسلوبة، كل هذه المبادئ هي الاسس التي سارت عليها الهيئة منذ مجيء الاحتلال، وها هي ترى الزرع ينضج الان وترى الشارع العراقي اليوم ينزل بدون طلب من الهيئة لكنه يستمد ما كانت تقوله الهيئة منذ سنوات، ينزل الى الشارع ويطالب بنفس المطالب التي طالبنا بها نحن منذ بداية الاحتلال، قلنا ان هناك اربعة أسس ينبغي ان نحققها هي : (تحقيق العراق، ووحدة العراق، والمحافظة على هويته العربية والاسلامية، والمحافظة على ثرواته ومقدراته) فماذا يريد الناس اكثر من ذلك.
اذن هيئة علماء المسلمين تعمل بكل ما تستطيع على رأس هذه الثورة الشعبية وبكل مقومات الثورات، وتقدم لها كل الخدمات المطلوبة سواء كانت هذه الخدمات محسوسة أم غير محسوسة، ولعل من ابرز هذه الامور هو تسخير جميع القنوات الاعلامية الممكنة للهيئة لخدمة هذه الثورة والتبشير بها وقدرتها على النجاح.
*الجزيرة: شكرا جزيلا لكم على حضوركم وعلى هذا الحوار.
الجزيرة مباشر + الهيئة نت
ح
في لقاء مع الجزيرة مباشر.. د.مثنى يؤكد ان الامريكيين لم يقدموا للعراقيين سوى القتل والدمار والفساد
