هيئة علماء المسلمين في العراق

عراقية الإمام الأعظم/ د. ثامر براك
عراقية الإمام الأعظم/ د. ثامر براك عراقية الإمام الأعظم/ د. ثامر براك

عراقية الإمام الأعظم/ د. ثامر براك

في هذا المقال تصحيح لمعلومة تاريخية خاطئة عن الأصول التي ينحدر منها الإمام الأعظم، أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي –رحمه الله- : المعلومة الخاطئة أن أسرة الإمام الأعظم من أصول إيرانية، والصحيح أنه من بقايا البابليين، سكان العراق الأصليين، الذين كانوا يعرفون في عصره بـ (النبط) ، و (النبيط) ، وجمعهم (الأنباط) ، وهو اسم كان يطلق على فلاحي ارض السواد، والاسم مأخوذ من الاستنباط، وهو استخراج الماء؛ لأن الفلاح يحتاج إليه. ويبدو أن انتماء أبي حنيفة إلى أسرة فلاحية مغمورة أنسى أصوله، لكن الجهل بتلك الأسر لا يشينها؛ لاعتبارات كثيرة، منها:
1- انتماء هؤلاء الفلاحين إلى البابليين، الذين أقاموا حضارة شامخة ما بين القرنين الثامن عشر والسادس قبل الميلاد، وكانت حياتهم تقوم على الزراعة. ومؤسس دولتهم هو حمورابي عام 1763ق.م، الذي أصدر قانونه (شريعة حمورابي) ، ومن أشهر ملوكها نبوخذ نصر الذي دخل القدس، وسبى اليهود سنة 586 ق.م، ونقلهم أسرى إلى بابل، وبنى حدائق بابل المعلقة. والحضارة البابلية من أعظم الحضارات القديمة، وقد حققت إنجازات ذات شأن في الفلك والرياضيات والطب والموسيقى وغيرها.
2- إن هؤلاء الفلاحين هم الذين حولوا ربوع العراق إلى جنة خضراء؛ ولذلك عرف بـ أرض السواد؛ وذلك لأن اللون الأخضر للزرع الكثيف يرى من بعيد لونا اسودا.
3- إن أصل  العرب من هذه الأسر الفلاحية العراقية؛ وذلك لأن إبراهيم –عليه السلام- منها.

وفي  المرويات الدينية عن الرسول الأكرم، وابني عمه علي بن أبي طالب –عليه السلام- وابن عباس –رضي الله عنهما- ما يشير إلى نسبة البيت النبوي وقريش وعموم العرب العدنانيين إلى العراق، ومنها:
أ- ذكر علماء السير مسير الرسول الأكرم إلى بدر، وتعرفه على أخبار المشركين، قالوا: ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ، فَرَكِبَ هو وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَيْخ من العرب، فسأله عَنْ قُرَيْشٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "إذَا أَخْبَرْتنَا أَخْبَرْنَاكَ". قَالَ: أَذَاكَ بِذَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" ، قَالَ الشَّيْخُ: فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ الَّذِي أَخْبَرَنِي، فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الَّذِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا لِلْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "نَحْنُ مِنْ مَاءٍ"، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. فجعل يَقُولُ الشَّيْخُ: مَا مِنْ مَاءٍ، أَمِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ؟.
محل الشاهد: قوله: "نَحْنُ مِنْ مَاءٍ" قيل: قصد الآية: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا } [الفرقان: 54] ، ونحوها من الآيات، وأوحى لمحدثه أنه من ماء العراق، ففي قوله تورية، وأضيف الماء إلى العراق لكثرته به.

أقول: ولا مانع يمنع من نسبة الرسول الأكرم، إلى العراق؛ لأن العراق موطن إبراهيم، الجد الأعلى للعرب العدنانيين، فهو عراقي كما يقال للعرب القحطانيين: (اليمانيون) ، والأحاديث مستفيضة بعبارة (أبي إبراهيم) على لسان الرسول الأكرم، عند ذكره لإبراهيم، ومنها حديث المعراج، فقد رآه في السماء السابعة، فعرَّفه به جبريل –عليه السلام- قائلا: "هذا أبوك فسلم عليه –قال- فسلمت عليه فرد السلام، قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح" .
وعليه فيتخرج قوله: (نحن من ماء) في هذا الحديث بأن الرسول الأكرم، ربما نسب نفسه إلى العراق، وهي نسبة صحيحة.
ب- أخرج ابن الأعرابي في معجمه وغيره أن رجلا سأل الإمام علي بن أبي طالب –عليه السلام- فقال: "أخبرني –يا أمير المؤمنين- عن أصلكم –معاشر قريش- فقال: نحن قوم من كوثا" ، وتقرأ أيضا: (كوثا ريا) ، وهي سرة السواد، التي ولد بها إبراهيم –بحسب رواية المصادر العربية، خلافا للتوراة المحرفة التي تنسبه إلى أور بالناصرية- قيل: سميت كوثى بكوثى من بني أرفخشد بن سام بن نوح، احد أجداد إبراهيم، وهي اليوم ناحية المشروع (جبلة) على بعد 50 كم شمال شرق مدينة الحلة، مركز محافظة بابل.
جـ - يرْوى عَن ابْن عَبَّاس -رضي الله عنهما- أنه قال: "نَحن -معاشر قُرَيْش- حَيّ من النبط من أهل كوثى" .

تصحيف (بابل) إلى (كابل) :
تؤكد الروايات الأكثر عددا، والأقوى سندا، انحدار أسلاف أبي حنيفة من سكان العراق، من بابل، أو من مدينة عراقية أخرى محسوبة عليها حينئذ كالأنبار، كما كان العراق في العهد العثماني ثلاث ولايات: بغداد، والموصل والبصرة، فتتبع كلا منها بالأمس محافظات مهمة اليوم. وربما قيل عن أبي حنيفة: (البابلي) ، وربما صحفت (بابل) إلى (كابل) ، ومن هنا قال بعضهم: إنه أفغاني الأصل.
والتصحيف: هو تحويل الكلمة عن الهيئة المتعارفة إلى غيرها.
ولما كانت كابل وكل أفغانستان جزء من الامبراطورية الفارسية حينئذ، قيل عنه: (فارسي) .

والمنقول عن البلدانيين، أي عن الجغرافيين العرب، أن العرب تقول: (فارسي) لكل من سكن شرق العراق، قال البكري في كتابه (معجم ما استعجم) : "العرب إذا ذكرت المشرق كله قالوا: فارس" .
والنسبة إلى فارس عند العرب قبيل الإسلام وفي صدر الإسلام، تماثل الجنسية العثمانية للعراقيين اليوم، فلا يمكن أن يقال عن عالم الاجتماع العراقي على الوردي، أو المؤرخ عبد الرزق الحسني، أو الشاعر بدر شاكر السياب، أو أمثالهم، بعد مئات أو آلاف السنين من الآن: إنهم أتراك، بدعوى أن جنسياتهم تبعية عثمانية!!

وباستقراء المصادر لا نجد أحدا يذكر أن الإمام أبا حنيفة ينحدر من أصول إيرانية، وإيرانيو العراق اليوم قلوبهم منقبضة عنه، وألسنتهم تتجاسر عليه، وأيديهم مبسوطة إليه بالسوء، واقتحموا مسجده مرات عديدة، وأقدموا على إغلاقه في وجه المصلين في إحدى الجمع، وهو حدث لم يقع منذ ألف عام، وفرضوا أطواق حصار على حي الأعظمية وسائر أحياء بغداد، وحولوها إلى ثكنة عسكرية، لمنع أهلها من أداء الجمع الموحدة، وتنظيم تظاهرات واعتصامات سلمية، يفترض أن دستورهم المزيف قد كفلها، ولم يراعوا حرمة الإمام الأعظم، الذي تجاوز أتباع مذهبه الفقهي المليار نسمة، وهو ما يجعله اكبر مذهب في العالم؛ لأن قواعد المذهب ومسائله صالحه تتسع لكل البيئات.

ويبدو أن إيرانيي العراق يجهلون أو يتجاهلون حقيقة هي أن (مذهب الإمام الأعظم المذهب التاريخي لبغداد) ، وأن واجب العراقيين حكاما ومحكومين المحافظة على هذا الارتباط والتلازم والثنائية بين بغداد ومذهب الإمام الأعظم، على قاعدة الاحترام لمذاهب زميلة أخرى، ونعيد إلى الأذهان ما وقع في عصر الخليفة العباسي القادر بالله، حيث ولى القضاء فقيها غير حنفي، فقامت ثورة شعبية ببغداد، مما اضطر الخليفة أن يصدر قرارا يعلن فيه الولاء لمذهب الإمام الأعظم، ويعين بموجبه فقيها حنفيا على القضاء.

ولعل من أبرز أسباب حقد إيرانيي العراق على أبي حنيفة ومقلديه هو أنه كان ينأى بنفسه عن الحكام في عصره، ولا يهادنهم ولا يداهنهم ولا يحابيهم، وأنه عرف بروحه الثورية، ودعمه اللا محدود لثورات عارمة حينئذ، مثل ثورة الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب –عليهم السلام- في العهد الأموي، وثورة محمد النفس الزكية، وإبراهيم، ابني عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن ابي طالب –عليهم السلام- في العهد العباسي، وعرف أيضا بكثرة انتقاداته للحكم ومؤسساته، وعلى رأسها مؤسسة القضاء، التي تقوم مقام وزارتي العدل والأوقاف حاليا، واشتهر بأداءه لواجب التناصح، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يجدر بالذكر أن الدول التي عارضها أبو حنيفة في فتاويه وآرائه ومواقفه وفي حلقات الفقه، كانت دولا عظمى، أشاعت الأمن والاستقرار والرفاه والرقي العلمي، وامتدت تحت مظلتها حركة الفتوحات الإسلامية شرقا وغربا، لكنه كان ينتقدها؛ لأنها كانت دون مستوى الخلافة الراشدة، فكيف لو عاش في أزماننا الحاضرة، ورأى الخونة، وأشباه الرجال، وأنصاف المتعلمين، في حكم العراق؟! وكيف لو رأى استحلال الدماء والأموال والأعراض في عهدهم؟! وكيف لو رأى اضطراب الحياة السياسية الذي لم يسبق له مثيل؟!  وكيف لو رأى تدهور الأوضاع الاقتصادية، وانتشار الفقر المدقع في بلد هو من أغنى بلدان العالم؟! وكيف لو رأى استخذاء النظام أمام أعداء العراق؟!  وكيف لو رأى انعدام الكرامة؟! ؟!  وكيف لو رأى تفشي الظلم وانعدام المساواة؟! ؟!  وكيف لو رأى تغوّل الأجهزة الأمنية وسحقها للمواطن؟! وكيف لو رأى سعيهم لإعادة العراق إلى عصر ما قبل التاريخ؟! وكيف لو رأى غير ذلك مما تشيب لهوله الولدان؟!
لا ريب أن من يرى شيئا من ذلك سيرفع راية الثورة، فكيف بمن رأى كل ذلك، ورأى ما هو فوقه؟؟!!.

أضف تعليق