فوجئت بأن العامل الذي أصلح ثلاجتنا خريج إحدى الكليات النظرية؛ ولجأ إلى العمل الحرفي حتى لا يستسلم للبطالة. وعبر عن اقتناعه بعمله قائلا: \"أنا سعيد به، وأحاول دائمًا أن أتعلم كل جديدٍ فيه، وتنمية مهاراتي حتى أطور من نفسي\".
وأضاف قبل أن يأخذ أجره وينصرف: "معظم الشباب لا يقتنع بالعمل الحرفي، فهو يريد أنْ يعمل في وظيفة مرموقة، ويحظى بمكانة اجتماعية مرتفعة، وينال كسبًا سريعًا دون تعب، فيرفض العمل الحرفي، ويُؤثر عليه البطالة؛ بسبب نظرة المجتمع المتدنية له".
أفكارنا للخلف دُرْ!
لقد تطور الزمن، ولكن أفكارنا لم تتطور، ما زلنا نتشبث بوظيفة الحكومة. ونسينا أنّ قيمة العمل لا تنبع من كونه عملاً فكريًّا أو مكتبيًّا أو حرفيًّا، حتى تلوثت أفكارنا بمبادئ غريبة عنا، وعن إسلامنا الذي أكَّد على أهميّة العمل أيًّا كان، فالمهم أن يكون العمل حلالاً طيبًا، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].
وحثنا النبي صلى الله عليه وسلم على السعي وطلب الرزق، فقال: "والذي نفسي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيََ رَجُلاً، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أو مَنَعَهُ" [البخاري].
وأوْضَحَ أن العمل طريق المغفرة؛ فقال: "مَنْ أمسى كالاًّ مِن عمل يده أمسى مغفورًا له" [الطبرانى]. ولعل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنِّي أعوذ بك من العجز والكسل" [البخاري] أفضل دليل على حبه للعمل وبغضه للكسل والتواكل.
بل الأكثر من ذلك هو حرص الإسلام على إتقان العمل، وليس أدائه فحسب، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" [السلسلة الصحيحة]، وقال أيضًا: "إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء" [مسلم].
الحرفيون يصرخون!
لا أحَدَ يُنكر أهمية العمل الحرفي في حياتنا، ولا نتخيل أن نعيش بدون الحرفيين، فكيف نتصور حياتنا بدون الكناس والخباز والمكوجي وعامل الصرف الصحي والنجار والحداد،... وغيرها من المهن الحيوية؟ وطالما أننا لا نستطيع أن نستغني عن هؤلاء في مجتمعنا، فيجب علينا احترامهم، وحسن معاملتهم.
وقد سمعت شكوى أحد الحرفيين من سوء معاملة الناس له. فيقول: "أنَا عامل صرف صحي، وأكثر ما يضايقني هو معاملة الناس لي، فهم ينظرون لنا كأننا جراثيم معدية يجب الابتعاد عنها، فإذا كنَّا نؤدِّي عملنا بأحد الشوارع، وطلبنا من أحد البيوت ماءً للشرب، أعطونا الزجاجات وأكواب الماء، فإذا شربنا وأعدناها لهم شاكرين حسن صنيعهم، رفضوا أن يأخذوها منا، وأصرُّوا على أن تظل معنا "كهدية".
وهم في الحقيقة يتأففون من التعامل معنا، أو حتَّى مَدّ أيديهم للسلام علينا، بل إن بعضهم عندما تكون له بقيّة من النقود، يرفض أن يأخذها بشدة؛ وليس هذا بالطبع كرمًا منه، ولكن لأني لمستُ هذه النقود بيدي، أرأيتم كيف يتعامل الناس معنا، برغم المعاناة التي نعانيها في عملنا، وبرغم المخاطر التي نتعرض لها من أجل الجميع؟!".
مهنة الأنبياء
وأضم صوتي له؛ لأن هذا ينافي تعاليم الإسلام، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن إلى العمال والخدم، ويبرز دورهم في المجتمع، ويشجعهم. فها هو ذا أحد العمّال يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويخشى أن يسلم عليه لأن يده خشنة، فيسلم عليه النبي ويقول له: "هذه يد يحبها الله ورسوله".
كما حفز حبيبنا المصطفى على عمل اليد؛ فعَنِ الْمِقْدَامِ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" [البخاري].
ولكن لماذا نبي الله داود مع أن كلّ الأنبياء كانوا يعملون؟! والسرُّ يكمن في أن نبي الله داود كان ملكًا نبيًّا، لا يحتاج للعمل والتكسب، ومع ذلك كان يعمل، فهل تتخيلون أنّ ملكًا من الملوك يعمل حدادًا؟!
وإذا تتبعنا قصص الأنبياء والرسل، باعتبارهم خير البشر، سنجد أنهم كانوا يعملون بحرف ومهن متعددة؛ فقد قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما لرجل جالس عنده، وهو يحدث أصحابه: ادْنُ مِنِّي.
فقال له الرجل: أبقاك الله، والله ما أحسن أنْ أسألك كما سأل هؤلاء.
فقال: ادْنُ مني، فأحدِّثُك عن الأنبياء المذكورين في كتاب الله.
أحدثك عن آدم: إنه كان عبدًا حرّاثًا.
وأحدثك عن نوح: إنه كان عبدًا نجّارًا.
وأحدثك عن إدريس: إنه كان عبدًا خياطًا.
وأحدثك عن داود: إنه كان عبدًا زرّادًا (صانعا للدروع).
وأحدثك عن موسى: إنه كان عبدًا راعيًا.
وأحدثك عن إبراهيم: إنه كان عبدًا زرّاعًا.
وأحدثك عن صالح: إنه كان عبدًا تاجرًا.
وأحدثك عن سليمان: إنه كان عبدًا آتاه الله الملك.
وأحدثك عن ابن العذراء البتول، عيسى ابن مريم: إنه كان لا يخبِّئ شيئًا لغد.
وأحدثك عن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم: إنه كان يرعى غنم أهل بيته.
وأخبرك عن حواء: كانت تغزل الشَّعر، فتحوِّله بيدها، فتكسو نفسها وولدها. وأنّ مريم بنت عمران كانت تصنع ذلك.
مسؤولية مشتركة
إننا نحتاج إلى تغيير حقيقي في نظرتنا لهؤلاء الحرفيين، وهذا التغيير يجب أن يبدأ من العاملين أنفسهم. فيجب أن يتقن عمله ويطور من نفسه حرفيًّا وسلوكيًّا، ويهتم بمظهره؛ حتى لا ينفر منه الناس.
فما المانع أن يظهر الحرفي بشكل لائق وجميل كسائر الناس بمجرد انتهائه من عمله، فإن "الله جميل يحب الجمال" [مسلم]، يحب النظافة، وكذلك الناس يحبون الإنسان النظيف المهندم، كما أنّ الجمال فطرة إنسانية.
أما نحن كأفراد فعلينا الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في احترام العامل وتقديره وتفهم دوره، وحسن معاملته. وعلى جميع الهيئات والمنظمات الاهتمام بالعامل والحرفي، وعمل منظمات خاصة بكل حرفة أو مهنة، والاهتمام بمعاشاتهم بما يكفيهم ويضمن مستقبلهم.
وعلى الشركات والمؤسسات كفالة العامل، وتحقيق عائد مادي يغنيه شر السؤال، والتعامل معه بروح الودّ والحب، وإشعاره بأهميته وأهمية دوره في المنشأة، والتأمين عليه صحيًّا واجتماعيًّا، واستخدام قواعد الإدارة الصحيحة، وأهمها الثواب والعقاب.. الثواب والعقاب معًا، وليس العقاب فقط، فلو أخطأ العامل يحاسب، كما أنه لو أجاد يكافأ، فيكون قدوةً لباقي العاملين لتطوير أنفسهم ومهاراتهم.
ولوسائل الإعلام والعلماء والخطباء دور كبير في تغيير نظرة المجتمع للعاملين الحرفيين، فهؤلاء جميعًا قنوات اتصال مباشرة مع الجمهور، ويمكنهم تحسين النظرة إلى العمل الحرفي، وتشجيع أفراد المجتمع على العمل والاجتهاد في جميع الأعمال.
إنّ الحرفيين بشرٌ مثلنا، أفراد داخل المجتمع، لهم حقوق وعليهم واجبات، ونحن سواسية أمام الله، لا فرق بيننا إلا بالتقوى والعمل الصالح؛ قال صلى الله عليه وسلم: "لاَ فَضْلَ لِعَرَبِىٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى" [أحمد].
بل الأكثر من ذلك أن الإسلام جعل من العمل جهادًا في سبيل، فقد مَرّ رجلٌ على النبي صلى الله عليه وسلم فرأى الصحابة من جَلَدِه ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله. فقال: "إنْ كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإنْ كان خرج يسعى على أبويْن شيخيْن كبيريْن فهو في سبيل الله، وإنْ كان خرج يسعى على نفسه يُعِفّها فهو في سبيل الله" [الطبراني وصححه الألباني].
ولقد قال عمر بن الخطاب: "والله ما أحب أن يأتيني الموت إلا على أحد شكلين؛ إما مجاهدًا في سبيل الله أو ساعيًا لطلب الرزق".
هيا بنا نعمل
هذه دعوة أوجِّهها إلى كل مَن له قدرة على العمل، وبخاصة الشباب.. هيا إلى العمل.. هيا إلى الجد والنشاط.. هيا إلى طاعة الله تعالى.. هيا لنبني معًا المجتمع المثالي الذي نحلم به.. ولكن الأمر ليس سهلاً، فالأمر يحتاج إلى التضحية والبذل والعطاء، كما قال الشاعر:
بقدر الكد تُكْتَسَـبُ المعـالي *** ومَنْ طلب العلا سهر اللّيــالي
ومن طلب العلا في غير جدّ *** أضاع العمر في طلب المحـــال
تروم العـزّ ثم تنام ليــلا؟ *** يخوض البحر من طلب الـلآلي
وأخيرًا..
هيا معًا نرسم غدنا المنشود بأيدينا، فلم يعد في حياتنا مكان للكسالى والمتخاذلين، ولن يكون المستقبل إلا لذوي الإرادة القوية والعمل الجاد، هيا لنرى أمتنا الإسلامية في الصدارة، ولنجعل دول عالمنا الإسلامي هي دول العالم الأول بالعمل، فالعمل عبادة، والعمل طاعة، والعمل طريق المستقبل.
يا عمال العالم.. افتخروا.. سمية رمضان عبد الفتاح
