ليس في نية الولايات المتحدة استضافة الدورة المقبلة لمباريات كأس العالم في كرة القدم في مبنى سفارتها في بغداد، ولكنها تستطيع أن تفعل ذلك بكل بساطة، فمبنى السفارة يقوم فوق مساحة من الأرض تزيد على 100 هكتار، أي عشرة أضعاف المساحة التي تقوم عليها مباني الأمم المتحدة، وما يزيد على ستة أضعاف مساحة أكبر سفارة أمريكية في العالم، وما يعادل مساحة مدينة الفاتيكان التي تبلغ مساحتها 107 هكتارات.
والمبنى يستوعب 80 ملعباً لكرة القدم يمكن إقامة مدرجات عليها تتسع لملايين المتفرجين، ومجمع سكني لإيواء أعضاء الفرق المشاركة في بطولة كأس العالم، وهذه الميزة تتيح إقامة مباريات التصفية للمجموعات في مكان واحد بدلاً من إقامتها في ملاعب مختلفة في عواصم العالم. وهو قلعة حصينة تمتلك محطة خاصة لانتاج الطاقة الكهربائية غير مرتبطة بشبكة كهرباء مدينة بغداد، وآباراً خاصة لتوفير مياه الشرب، ومبانيه مجهزة بحيث تقاوم قذائف المورتر التي توجه مباشرة إليه. وفيه أجهزة رصد أكثر تطورا من تلك التي كانت موجودة في قاعدة خي سانه في فيتنام بحيث أنها تستطيع التقاط سقوط دبوس في أي مكان في الشرق الأوسط وغرب آسيا، إلى باكستان. والاعتمادات المالية الخاصة بإنشاء السفارة جرت المصادقة عليها.
ولكن أمريكا لا ترغب في استضافة مباريات دورة كأس العالم المقبلة في كرة القدم في سفارتها، إنها تريد لها أن تكون “يلدزلار” أو “توب كابي”، وقد أوضح الجنرال مارك كيميت، الذي يذكرنا اسمه باسم كيميت روزفلت، عميل المخابرات الأمريكية الخبير في لعبة الأمم.
والأسلوب الذي ستعمل به أمريكا هو أسلوب الهيمنة المباشرة، ليس على الشرق الأوسط فحسب وإنما على كل المنطقة الممتدة منه إلى حدود الصين شرقا، وروسيا شمالا، وكشف زولتان جروسمان، استاذ الجغرافيا في جامعة افرجرين أن الولايات المتحدة أنشأت، منذ حرب تحرير الكويت عام 1991 حتى الآن 35 قاعدة عسكرية كبيرة بين بولندا وباكستان، إضافة الى القواعد التي أنشأتها في العراق.
وحلم مماثل راود بريطانيا في القرن الماضي عندما أقدمت على احتلال الولايات العثمانية الثلاث في البصرة وبغداد والموصل، فقد كان كل همها حماية مواقعها في الخليج وتأمين الطريق إلى الهند، ولكن النجاح العسكري الذي حققته دفعها إلى مشاريع أكثر طموحا، فاحتلت العراق بأكمله، وفي اللحظة التي بدا فيها مصير المنطقة بأسرها يتقرر في 10 داوننج ستريت، مقر رئاسة الوزارة البريطانية في لندن، كما هو الوضع بالنسبة للهند، وأن الإدارة التي أنشأتها بريطانيا في العراق شبيهة تماما بتلك التي أنشأتها في الهند، في تلك المرحلة، بدأت حركة المقاومة، فاضطرت بريطانيا إلى تقليص طموحاتها، واعترفت بالبنية السياسية الاجتماعية القائمة في العراق، وسلمت الإدارة لنخبة سياسية مرتبطة بلندن. ولم يفد ذلك في تعزيز النظام البريطاني في المنطقة، فاضطرت بريطانيا إلى الانسحاب من العراق صاغرة.
شيء من هذا القبيل يتكرر الآن بالنسبة للاحتلال الأمريكي للعراق، بل إن كبار السن الذين عايشوا فترة الحكم البريطاني لبغداد يقولون إن السيناريو يتكرر حتى في تفاصيله الصغيرة، وتلك ثوابت التاريخ العراقي بقدر ما هي ثوابت حماقات الامبراطوريات الغازية، من الجانب الآخر.
لقد كانت السفارة الأمريكية في سايجون قلعة محصنة أيضا، وكانت قاعدة خي سانه من أكبر وأقوى القواعد في شرق آسيا، ومع ذلك سقطت خي سانه، واضطر السفير الأمريكي إلى الهروب من مبنى سفارته بطائرة هليكوبتر كانت تنتظره على سطح مبنى السفارة.
ونعتقد أن الحكومة الأمريكية أخذت في اعتبارها تجهيز طائرة هليكوبتر لسفارتها في بغداد، لاستخدامها عند الحاجة.
الدار العراقية
توب كابي في بغداد ... أبو خلدون
