هيئة علماء المسلمين في العراق

لن تشنّ الولايات المتحدة الحرب على إيران ... د. عبد الهادي بوطالب
لن تشنّ الولايات المتحدة الحرب على إيران ... د. عبد الهادي بوطالب لن تشنّ الولايات المتحدة الحرب على إيران ... د. عبد الهادي بوطالب

لن تشنّ الولايات المتحدة الحرب على إيران ... د. عبد الهادي بوطالب

نشرت منذ أزيد من سنة ونصف مقالا على صفحات هذه الجريدة “الخليج” بعنوان: “لن تقوم حرب ثالثة بالشرق الأوسط الكبير بعد حرب أفغانستان والعراق”. ولحسن الحظ صدق ظني لحد الآن. واليوم أكاد أجْزم أن الولايات المتحدة لن تشن حرباً على جمهورية إيران. وآمل أن يصدق ظني مرة أخرى.

راهن المحافظون المتصهينون الجدد المسيطرون على مقاليد الحكم في الولايات المتحدة على شن الحرب على أفغانستان فالعراق تطبيقا لمخطط شن حروب استباقية مفاجئة على نظم إسلامية وعربية بمنظمة الشرق الأوسط اعتبرها الخبراء الاستراتيجيون المساعدون للرئيس بوش دولا مارقة (متمردة أو في طريقها إلى التمرد) خارجة على القانون كما تفهمه الولايات المتحدة. وتقتعد خانة الشر طبقا لتصنيف الرئيس الذي أعلنه بعد 11 سبتمبر/ ايلول.

وكانت “إسرائيل” شريكة - عن بعد - للولايات المتحدة في شن الحرب على العراق بحكم أنها هي التي وُعدت بأن تكون العريس المُدلل الذي تزف إليه عرائس المنطقة، لينفرد بحكمهن ويدخل بهن إلى بيت الطاعة، ويُنصّب على رأس الشرق الأوسط حاكماً بالتفويض والإنابة من لدن الولايات المتحدة الأمريكية.

لا أود في مقال محدود أن أعرض على شاشة هذا المقال الشريط المرعب الذي عاشه العراق منذ إعلان الحرب عليه وبعدما وفد عليه الرئيس الأمريكي واحتفل مع جنوده بالنصر النهائي على العراق، ولا بما جرى ويجري في العراق كل يوم من مذابح ومجازر عمت الشعب العراقي بجميع طوائفه وفصائله وأخذت فيه القوات الأمريكية نصيبها، حيث ما يزال يسقط منها قتلى بمعدل عشرة في اليوم، ومصابون ومعاقون وشباب يعاني مختلف الأمراض النفسية. إن الولايات المتحدة توجد اليوم في مأزق العراق الذي لا يبدو منه مخرج على الأقل في المنظور القريب. وكل ما كان يحلم به الرئيس الأمريكي من نصر مشرّف يتبخر، وها هو يتصيّد كل يوم أتفه الأحداث التي تجري في العراق ليداعب أحلامه بقرب النصر ويزف البشرى إلى شعبه الساخط بأن النصر قريب. وأغرب هذه المداعبات تلك التي فاه بها الرئيس آخر الأسبوع الماضي عندما استبشر خيرا باختيار جواد المالكي رئيسا للحكومة وقال عن ذلك إن هذا انتصار. (على من؟).

من أجل ورطة العراق تدنت في استطلاع الرأي شعبية بوش إلى ما يقرب من ثلاثين بالمائة. وهي نسبة لم يتدنّ إليها أي رئيس في تاريخ الولايات المتحدة منذ جورج واشنطون إلى بيل كلينتون. ولو أن الانتخابات الرئاسية جرت اليوم في الولايات المتحدة لما فاز فيها مرشح لا يتجاوز هذه النسبة. ولو أن الدستور كان يسمح لبوش بالترشيح لولاية ثالثة لسقط في الانتخابات بامتياز.

لا يملك بوش وسائل شن حرب على إيران، ولن يوافق على ذلك الكونجرس الذي لم يعد مقسماً بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل بين كتلة الرفض لشن الحرب على العراق وبين كتلة التأييد النسبي المشروط، التي يصعب عليها الاستمرار في تأييدها بعد الحماقات والجرائم وصنوف التعذيب التي ارتكبها البيت الأبيض في العراق.

الحرب على إيران تتطلب ميزانية أكبر بكثير من ميزانية حرب العراق. ولا يبدو أن الرئيس بوش يجرؤ على طلبها من الكونجرس الناقم على سياسته في العراق.

والكونجرس المقسم أصبح يضم كتلة معارضي حرب العراق، من جمهوريين وديمقراطيين، يتكلمون بلغة واحدة ويتفقون على اعتبار الرئيس فاشلا بل ينعته البعض بالكذاب. ولم يسبق في تاريخ الولايات تكتل ضد الرئيس ضمّ نواب من الحزبين. وإذا أعطت انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني للديمقراطيين رجحانا ولو نسبيا في المجالس المنتخبة فسيزداد رفض حرب إيران بما سيُسقِط مشروع الحرب.

باستثناء أمريكا لا دولة ولا قوة عالميتين يقبلان الزجّ بالعالم في حرب ثالثة لن يكون مآلها إلا الفشل. وجبهة رفض الحرب يتكتل فيها الاتحاد الأوروبي بضميمة ألمانيا إلى جانب الصين وروسيا الاتحادية. والأمين العام للأمم المتحدة لن يقبل ما رفضه هذا التكتل الدولي، ولو طرح مشروع قرار شن الحرب على مجلس الأمن لكان حظ كوندوليزا رايس وجون بولتون أسوأ بكثير من حظ كولين باول عندما طرح في مشهد مأساوي على المجلس الموافقة على حرب العراق وخاب مسعاه.

يبدو أن إيران انتهت في تحليلها للوضع الدولي حول الحرب على العراق إلى نفس الاستنتاج الذي انتهينا إليه: “لن تشن الولايات المتحدة الحرب عليها”. ومن أجل ذلك لم ترتعد فرائصها لتهديدات البيت الأبيض، ولم تخضع للشروط التي تملى عليها. وواصلت في الخفاء تخصيب اليورانيوم إلى أن أعلنت أنها نجحت في تخصيبه، وأنها - بكل صراحة ووضوح - أصبحت العضو الثامن في نادي الدول النووية، بل ذهبت إلى أبعد فقالت إنها بصدد إعداد محطتين نوويتين إضافيتين.

وجوابا على التهديد الأمريكي الذي اعتبرته إيران مجرد تخويف، استعرضت عضلاتها أمام العالم وهددت وأرغت وأزبدت وأوعدت أمريكا وصارعت صراع دون كيشوط الولايات المتحدة وهزمتها. وفي حرب الكلام (والحرب أولها الكلام) لا يستطيع الغرب أن يضاهي الشرق فصيح اللسان.

لإيران بكل تأكيد أوراق لعبتها في حرب الشد والجذب لا تملكها الولايات المتحدة التي يقترب رئيسها من أشهر الوداع للبيت الأبيض. “وإن غداً لناظره قريب”. وهي تعتمد على رفض العالم لمشروع الحرب، وتستقطب التأييد لقضيتها من كل جانب. وقد أصبح العالم كله باستثناء الولايات المتحدة يطالب باستمرار المفاوضات مع إيران، ويُهيب بالوكالة الدولية لمراقبة الطاقة النووية أن تكون طويلة النفس في المفاوضات، بل قال جاك سترو وهو يتكلم باسم بلاده الحليفة الأولى للولايات المتحدة إن من حق إيران أن تستفيد من تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية. وهو نفس ما تطالب به إيران. كما أعرب عدد من الأقطاب (كروسيا والصين) عن اقتناعهم بأن لا فائدة في عرض قضية إيران على مجلس الأمن. وبالتالي لا فائدة في الضغط عليه لفرض عقوبة على إيران يرفضها أغلبية أعضائه.

لا ينبغي لدول الجامعة العربية ولا يُقبل منها أن تقف متفرجة على تطورات المشكل الإيراني، بل هي مدعوة إلى توضيح موقفها وأخذ مبادرات للحيلولة دون وقوع الحرب. ولا ينبغي أن تتكرر مواقف التأييد أو السكوت التي اتخذتها بعض الدول العربية حيال حرب العراق سواء قبل اندلاعها وأثناء سنوات الحرب، بل أعتقد أنها مدعوة أن تصارح الولايات المتحدة بأنها ترفض الحرب لأن شنها سيكون تكرارا للحرب على العراق التي انعقد الإجماع على أنها نشِبت بدون مبرر معقول.

يمكن للجامعة أن تبادر بنصح الولايات المتحدة أن توقف التهديد بالحرب، وأن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي للتفاوض مع إيران، والاعتراف لها بحق امتلاك التقنية النووية لأغراض سلمية. ودول الجامعة العربية مدعوة أكثر إلى مصارحة الولايات المتحدة - مصارحة الصديق لصديقه - بأنها (الدول العربية) لن تمنح الجيش الأمريكي تسهيلات فوق قواعدها العسكرية، وأنها لن تسمح له بالعبور إلى إيران من أراضيها. “وصديقك من صدقك” وعلى الصديق أن يسمع من صديقه القول ولو كان مرا.

contact_(at)_abdelhadiboutaleb.com

www.abdelhadiboutaleb.com


الخليج

أضف تعليق