الإضافة في اللغة هي الإسناد(1).، وفي اصطلاح النحويين هي: (نسبة تقييدية بين اسمين توجب لثانيهما الجر أبداً) (2)، وقد اتفق النحويون على إقرار هذا الباب النحوي وما يستلزمه من أحكام، ولكنهم اختلفوا في معاني هذه الإضافة وتأويلها، فذهب جل النحاة إلى أن الإضافة ترد بمعنى من معاني الحروف، وانفرد ابن درستويه، وتابعه أبو حيان الأندلسي في عدم مجيء الإضافة على أي معنى من معاني الحروف(3).
وأما النحاة الآخرون فقد ذهبوا إلى أن الإضافة ترد بتأويل على معنى من معاني الحروف على تفصيل فيما بينهم، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: الإضافة البيانية:
وهي الإضافة التي ترد بمعنى(من) وذلك إذا كان المضاف نوعا من المضاف إليه وجزءا منه ويصح الإخبار عن الأول بالثاني نحو: (ثوب خز)، و(خاتم فضة)، فالخز والفضة جنسان والثوب والخاتم بعضهما، قال ابن السراج: يعمل الاسم على معنى الحرف، وذلك في الإضافة، وإنما حذفت(من) للخفة؛ لأن التقدير: ثوب من خز ، وخاتم من فضة، فلما حذفت ( من) التقى الاسمان فخفض أحدهما الآخر(4).
ثانيا: الإضافة اللامية:
وهي الإضافة التي ترد بمعنى(اللام) نحو: (كتاب زيد)، و(يد عمرو)، وقد ذهب الزجاج، وابن الضائع إلى حصر كل أنواع معاني الإضافة بهذا المعنى فقط(5).
ثالثا: الإضافة الظرفية:
وهي الإضافة التي ترد بمعنى(في)، وقد أغفل أكثر النحويين هذا المعنى في معاني الإضافة، ومنهم من صرح بمنعها كما هو الحال عند الرضي، فقد قال: ((ولا نقول: إن إضافة الظرف بمعنى المظروف إلى الظرف بمعنى (في) فإن أدنى ملابسة واختصاص يكفي في الإضافة بمعنى (اللام) ... فنقول: كل ما لم يكن فيه المضاف إليه جنس المضاف، فهو بمعنى (اللام)، وكل إضافة كان المضاف إليه جنس المضاف، فهو بتقدير: ( من) ولا ثالث لهما )) (6).
والضابط لمجيء هذا النوع من الإضافة عند الذاهبين إليه، وهو الراجح أن يكون المضاف إليه ظرفا للمضاف سواء كان زمانيا أو مكانيا، وقد جاءت الشواهد الكثيرة الدالة على إثبات هذا المعنى، وذلك على ما يأتي:
1- قوله تعالى: (( فصيام ثلاثة أيام)) (البقرة: 196).
2- قوله تعالى: (( وهو ألد الخصام)) ( البقرة: 204).
3- قوله تعالى: (( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر)) (البقرة : 226).
4- وقوله تعالى: (( يا صاحبي السجن)) ( يوسف: 41).
5- قوله تعالى: (( إن زلزلة الساعة شيء عظيم)) ( الحج: 1).
6- قوله تعالى: (( مكر الليل والنهار)) (سبأ: 33).
7- وكقول امرئ القيس في معلقته:
وتضحي فتيت المسك فوق فراشها نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل (7).
فنئوم أضيفت إلى زمان الضحى، وهي كناية عن وصف المرأة عند العرب بكونها مرفهة ومكفيّة ومخدومة، ولا تسعى بنفسها في تدبير بيتها.
8- وكقول الشاعر الجاهلي الآخر طفيل الغنوي(8):
رقود الضحى ميسان ليل فريدة قد اعتدلت في حسن خلق مطهم (9).
وقوله: ( رقود الضحى) مثل (نؤوم الضحى) وقوله: ( ميسان ليل) يريد به وصفها بكثيرة النعاس ليلا، لأنه يقال في كلام العرب للنائم الذي ليس بمستغرق في نومه: (وسنان)، وللأنثى ( وسنة)، و(وسنى)، و(ميسان) (10)، وهذا البيت فيه شاهدان للإضافة الظرفية.
9- وكقول عمر بن أبي ربيعة:
طفلة باردة الصيف إذا معمعان الصيف أضحى يتقد
سخنة المشتى لحاف للفتى تحت ليل حين يخشاه الصّرد(11).
فقوله: ( باردة الصيف) هي إضافة ظرفية، ويقصد الشاعر أن بعلها ينتفع بها بردا في الصيف ودفءا في الشتاء.
رابعاً: الإضافة العندية:
وهي الإضافة التي ترد بمعنى (عند)، وهذا المعنى زاده النحاة الكوفيون، ولم يقل به البصريون واحتج الكوفيون بقول العرب في وصف الناقة ):ناقة رقود الحلب)، والتقدير: رقود عند الحلب (12). وهذا المعنى يحتمله قوله تعالى أيضاً:((ولمن خاف مقام ربه جنتان))(الرحمن:46) والتقدير: خاف مقاما عند ربه فالمقام أضيف إلى (ربه)؛ لأنه عنده، فالمقام صفة قائمة بالعبد الخائف، ولكنه أضيف إلى الله تعالى تهويلا وتفخيما، كما أن (الأجل) في الحقيقة هو للعبيد إلا أنه قد أضيف إليه تعالى في قوله: ((إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر)) ( نوح:4) والإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة(13).
ويؤيد ثبوت الإضافة التي بمعنى (عند) أيضاَ قول لبيد بن ربيعة العامري، -رضي الله عنه-
يغرق الثعلب(14) في شرته(15). صائب(16). الجذمة(17). في غير فشل(18).
والشاهد فيه :( صائب الجذمة)، والتقدير: صائب عند الجذمة(19).
خامسا: الإضافة التشبيهية:
وهي الإضافة التي ترد بمعنى(الكاف) المفيدة للتشبيه، وزاد هذا النوع من المعاني الشيخ مصطفى الغلاييني،
ومثل له بنحو : (انتثر لؤلؤ الدمع على ورد الخدود)،
وبقول الشاعر ابن خفاجة الأندلسي:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ذهب الأصيل على لجين الماء
(20).
وذلك بإضافة المشبه به إلى المشبه(21).
وشواهد هذه الإضافة تعبير مولد(22) ، ولم تستعمله العرب عصور الاحتجاج
ومن أمثلة المولد أيضاً في مثل هذا التركيب قول أبي الطيب المتنبي:
أيا خدّد الله ورد الخدود وقدّ قدود الحسان القدود(23).
وهذه المعاني المتقدمة مخصوصة بالإضافة المعنوية وليس للإضافة اللفظية أي نصيب منها، وقد تكلف بعض النحويين تقدير حرف في هذه الإضافة، وذلك في موضع إضافة الصفة إلى مفعولها، نحو: (ضارب زيد) مقدراً حرف (اللام) تقوية للعمل، والتقدير في ذلك: (ضارب لزيد)، وكذلك قدر في إضافة الصفة إلى فاعلها، نحو: (الحسن الوجه) مقدرا (من) البيانية (24). والصواب أنها لا تقدر فيها، وهي إضافة لقصد التخفيف في اللفظ فقط، ولم تكن كالإضافة الحقيقية (المعنوية) التي نسبت إلى معنى حرف مقدر يفيد معنى في المضاف تعريفا أو تخصيصاً.
حالات معاني الإضافة بين المتضايفين:
1- إذا كان المضاف اليه مباينا للمضاف ، وكان ظرفا له فان الإضافة تكون بمعنى (في)، وإلا فهي بمعنى (اللام)،كما في الأمثلة المتقدمة.
2- إذا كان المضاف مساويا للمضاف إليه، نحو: (ليث أسد)، فهي ممتنعة.
3- إذا كان المضاف إليه أعم منه مطلقا، نحو: (أحد اليوم)، فهي ممتنعة.
4- إذا كان المضاف إليه أخص مطلقا، نحو: (يوم الأحد) ، و(علم الفقه)، و(شجر الأراك)، فالإضافة عندئذ بمعنى (اللام) (25).
5- وأما إذا كان أخص من وجه، فإذا كان المضاف إليه أصلا للمضاف فهي بمعنى(من)، وإلا فهي أيضاً بمعنى (اللام)، نحو: ( فضة خاتمك خير من فضة خاتمي)، فإضافة (خاتم) إلى ( فضة) هي بمعنى (من) البيانية، وإضافة (فضة) إلى ( خاتم) هي بمعنى(اللام) (26).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: تاج العروس، الزبيدي، ج24، ص62.
(2) حاشية الصبان على شرح الأشموني، ج2، ص819.
(3) ينظر: المساعد لابن عقيل، ج2، ص330، وشرح التصريح لخالد الأزهري، ج2، ص25-26.
(4) ينظر: الأصول في النحو، ج1، ص53- 54.
(5) ينظر: المساعد لابن عقيل، ج2، ص330.
(6) شرح الرضي على الكافية، ج2، ص208.
(7) ينظر: شرح القصائد العشر للتبريزي، ص40.
(8) ديوان طفيل الغنوي، ص103.
(9) المطهم: هو الجمال البارع، والحسن التام، ينظر: تاج العروس للزبيدي، ج33، ص29.
(10) ينظر: تاج العروس للزبيدي، ج36، ص256.
(11) ديوان عمر بن أبي ربيعة، ص43.
(12) ينظر: المساعد لابن عقيل، ج2، ص330.
(13) ينظر: حاشية شيخ زاده على تفسير البيضاوي، ج4، ص339.
(14) الثعلب : من الرمح ما دخل منها في السنام.
(15) شرته: نشاطه وحدته.
(16) صائب: قاصد.
(17) الجذمة: الصوت، وقال الاصمعي: السرعة والذهاب.
(18) فشل: الانتشار والفساد.
(19) ينظر: المعاني الكبير لابن قتيبة، ص72.
(20) ديوان ابن خفاجة ، ص17.
(21) ينظر: جامع الدروس العربية، ج3، ص207.
(22) المولد في الاستعمال النحوي غير محتج به، ولا يؤخذ بلغته، وهو أمر مجمع عليه ، ينظر: خزانة الأدب، ج1، ص8، وفيض نشر الانشراح، ج1، ص611.
(23) ديوان المتنبي بشرح العرف الطيب، ج1، ص70.
(24) ينظر: شرح ملا جامي، ص167.
(25) ينظر: شرح ملا جامي، ص177- 178.
(26) ينظر: شرح ملا جامي، ص177- 178.
معاني الإضافة المعنوية في النحو العربي/ د. عمر مكي
