منذ أن فازت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس في الانتخابات التي أجريت مؤخراً، في ما بقي من أرض فلسطين أي في الضفة وغزة، لم يهدأ روع الغرب الأوروبي والأمريكي، بل هذا الغرب تخلى عن مسوح الديمقراطية
وحقوق الإنسان التي يتشدق بها ليل نهار في محافله ويعظ بها شعوب العالم الثالث، وقرر معاقبة الشعب الفلسطيني وحصاره، فأعلنت المفوضية الأوروبية تعليق المساعدات الأوروبية للحكومة الفلسطينية، وقررت الولايات المتحدة قطع المساعدات عن هذه الحكومة، وزادت على ذلك بأن أصدر الكونجرس الأمريكي قراراً يقضي بفرض عقوبات على أي أمريكي سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً يتعامل مع حكومة حماس، ويدعي الغرب أن إجراءاته هذه ضد حكومة حماس تنبع من كون الحركة ترفض الاعتراف ب “إسرائيل” وترفض التفاوض معها، وهو يتعامى عن حقيقة أن الشعب الفلسطيني هو الذي اختار هذه الحركة لقيادة نضاله في المرحلة المقبلة، وبالتالي فإن حكومة حماس تعبر عن ضمير هذا الشعب وليست حكومة مفروضة على إرادته من الخارج.
وعلى الرغم من أن إجراءات الغرب موجهة في الظاهر إلى حكومة حماس، فهي في حقيقة الواقع تهدف إلى إذلال الشعب الفلسطيني ودفعه إلى اليأس وإبلاغه بأنه لن يحصل على شيء إلا بإرادة الغرب وأنه إذا خالف هذه الإرادة فإنه لا أمل له في الحياة لأن الحصار والتجويع سوف يلاحقانه أبد الدهر، وهذه الرسالة ليست موجهة إلى الشعب الفلسطيني فقط، بل إلى جميع الشعوب الباحثة عن الحرية والاستقلال في العالم الثالث، فأي شعب مقهور يختار قيادة له لا تنسجم مع توجهات الغرب في السيطرة والاستغلال، فإن هذا الشعب يتعرض للحصار والتجويع، فمثلاً يحاصر الغرب زيمبابوي وهي دولة افريقية فقيرة، فقط لأن شعبها اختار رئيساً معادياً للغرب وهو الرئيس روبرت موجابي.
وما حصل للعراق خير دليل على نيات الغرب العدوانية تجاه الشعوب المقهورة، فقد حوصر العراق ثلاث عشرة سنة لأن قيادته كانت تعادي الغرب وتعادي “إسرائيل”، وقتل في سنوات الحصار نحو مليوني عراقي نتيجة نقص الأدوية والمواد الغذائية المختلفة، وتخربت البنية التحتية في العراق وتخلف الاقتصاد العراقي وهجر العراقيون وطنهم وتحولوا إلى لاجئين في جميع بقاع الدنيا، وختم الغرب حصاره بحرب عدوانية أتت على ما بقي من شيء اسمه الوطن العراقي، ويسعى الغرب الآن إلى إدخال الأراضي الفلسطينية في نفس النفق الذي أدخل فيه العراق طالما أن الفلسطينيين يعارضون إرادته.
لكن إذا كانت سياسة الحصار والتجويع قد نجحت في تدمير العراق وإنهائه فهل يمكن أن تنجح هذه السياسة في أرض مدمرة أصلاً بسبب الاحتلال “الإسرائيلي” المباشر والمستمر عليها منذ نحو ست وثلاثين سنة، فالإنسان الفلسطيني الموجود في الضفة وغزة لا يملك سوى إرادته على الصمود في أرضه وبيته، وهو إذا جاع أكل التراب وإذا عطش انتظر المطر حتى يهطل ولا يطلب رحمة من عدوه الصهيوني الذي احتل وطنه وأرضه واعتقل إرادته وأذله بإجراءاته العنصرية وبمصادرته التي لا تنتهي للأراضي.
إن هذا الشعب المكافح الذي يرفض الرحمة من “إسرائيل” يرفض الرحمة أيضاً من حلفائها الغربيين أعداء الإنسانية. ولم يكن الغربيون يقدمون مساعدات لهذا الشعب قبل أن تظهر السلطة الفلسطينية عام ،1993 بل كان الفلسطينيون في الضفة وغزة منسيين في القاموس الغربي، لكن عندما اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987 وبدأ الخطر الفلسطيني يتهدد (المحبوبة) “إسرائيل”، سارع الغربيون إلى إنشاء السلطة بعد اتفاق أوسلو وأرادوها سلطة منزوعة من السلطات، وبدأوا يقدمون الأموال لها من أجل دفع رواتب ذلك الجيش الكبير من الاستخبارات والعناصر الأمنية التي انحصرت مهمتها في ملاحقة المقاومين واعتقالهم ومعاونة “إسرائيل” على تصفيتهم.
وقد استشهد بسبب خيانة هذه العناصر الأمنية مئات القياديين في المنظمات الفلسطينية المجاهدة وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي والمجاهد الكبير يحيى عيّاش، لكن الشعب الفلسطيني انقلب على سلطته وأوصل إلى رأس هذه السلطة حكومة من صلب المقاومة، ولم يبق أمام الغرب سوى أن يقبل بهذه الحكومة أو أن يقوم بتدميرها، كما أنشأها أول مرة، وقطعاً لا يريد الغرب تدمير السلطة، وهو لو كان يريد ذلك لكان سمح ل “إسرائيل” عندما حاصرت الرئيس الراحل ياسر عرفات عام ،2002 بأن تجهز عليها وتدمرها.
لكن الغرب يفضل بقاء السلطة لأن ذلك لا يخدم الشعب الفلسطيني بقدر ما يخدم “إسرائيل”، لكنه يريدها سلطة تعمل وفق توجيهاته بحيث إذا أمرها بالتفاوض مع “إسرائيل” حول الترتيبات الأمنية فعليها أن تسارع إلى التفاوض، وإذا أمرها باعتقال المناضلين من الشعب الفلسطيني فعليها أن تخضع للأمر، وهكذا فالمطلوب سلطة تخدم “إسرائيل” لا سلطة تسعى إلى استعادة الحقوق المغتصبة للشعب الفلسطيني، ومثل هذه السلطة لن يقبل بها الفلسطينيون، وإذا أُجبرت حكومة حماس على الاستقالة فعلى الغرب أن يتوقع أن تأتي حكومة جديدة أشد من حماس وأكثر منها كرهاً ل “إسرائيل”.
الدار العراقية
لماذا يحاصر الغرب الشعب الفلسطيني؟- محمد خليفة
