تتواصل الثورة السلمية التي تشهدها العديد من محافظات العراق، في الوقت الذي يعبئ أصحاب القرار والإعلام الرسمي كافة طاقاتهم وجهودهم لتأجيج حمى الطائفية؛ لوأد هذه الثورة، وتشويه وجهها الجميل، تارة بوصمها بـ الطائفية، وتارة باحتكارهم التمثيل السياسي لطائفة ما، لكن لسوء حظهم أن الطائفية السياسية نبتة غريبة، لا تنمو في العراق، وبلاد العرب والمسلمين.
والحق أن سمة العهد القائم في العراق هي أنه عهد احتلالي، نسبة إلى الاحتلال الأمريكي والإيراني، ومغالطة كبرى أن يقال عنه: إنه عهد شيعي، لكن مغالطة المغالطات أن يقال: إن هذا العهد مرفوض لأنه شيعي، وذلك لأن نظرة أمتنا، ونخبنا المثقفة، وعلى رأسها حملة العلم والفكر إلى أي عهد أو حاكم من منطلقين: الانتماء والعطاء للأمة، وعلى هذا الأساس رفضوا هذا العهد في العراق؛ لأن ولاءه لأعداء الأمة، لا لها، وهو لم يقدم لها شيئا، سوى الدماء والخراب، ونستعين بالتاريخ، فأمتنا ونخبنا تحترم الدولة الحمدانية، وهي دولة عربية_إسلامية، تتعبد بمذهب الشيعة، ونظرتها إلى هذه الدولة الشيعية المذهب هي نظرة الإعجاب والمباهاة بها، لما عرف عنها من صدق الشعور بالانتماء، وعظم العطاء.
ومن الخلفاء خلفاء لم يكونوا يعتنقون مذاهب عموم الأمة في زمانهم، كالمأمون والمعتصم والواثق، فإنهم قد انتسبوا إلى مذهب المعتزلة، وهو اتجاه عقلي كان له نشاط واسع، وأتباع في العهدين الأموي والعباسي، لكن تاريخنا يضع المأمون والمعتصم والواثق في مكان الصدارة، وهم قد تولوا الخلافة في زمن أئمة المذاهب الأربعة والخمسة وغيرها، لكن أحدا لم يفتي بعدم شرعية خلافتهم، وبالخروج عليهم، واستبدالهم.
وإن الكثير من علماء العرب والمسلمين كانوا شيعة، مثل جابر بن حيان، (أبو الكيمياء)؟! وكثير من العلماء كالحسن بن الهيثم لا يعرف مذهبهم العقدي أو الفقهي، لكنهم معروفون كمسلمين، وعرب، وكفى.. وكثير من الأدباء والشعراء شيعة نفاخر بهم، مثل صفي الدين الحلي، صاحب البيت الجميل المعبر عن وحدة الأمة:
بيض صنائعنا، سود وقائعنا ... خضر مرابعنا، حمر مواضينا
وإذا عدنا إلى الحمدانيين فإنهم ينتسبون إلى "حمدان بن حمدون" من قبيلة تغلب العربية، من ربيعة. وقد قامت دولتهم في الموصل وحلب، وكانوا في الموصل يمثلون القوة التي تلجأ إليها الخلافة إذا ضاقت بها الأحوال في بغداد؛ وفي حلب امتاز عهد سيف الدولة (333-356هـ) بكثرة حروبه مع الروم البيزنطيين، وكان جهاد الحمدانيين ضد الروم من أبرز الأعمال التي خلدت ذكرى هذه الدولة، وكان ممن خلدوا ذكر الحمدانيين: أبو الطيب المتنبي، وأبو فراس الحمداني، ابن عم سيف الدولة، الذي أسره الروم خلال إحدى المعارك.
امتاز عهد سيف الدولة بكثرة حروبه مع البيزنطيين حتى قيل: إنه غزا بلادهم المجاورة لبلاده أربعين غزوة، انتصر في بعضها وحلَّت به الهزيمة في بعض آخر. وكانت بعض البلاد الإسلامية مسرحًا للحروب التي دارت بين الحمدانيين والروم في ذلك العصر. وقد وصف الثعالبي سيف الدولة، وما بلغته الدولة الحمدانية في عهده بهذه العبارة؛ قال: "وكان بنو حمدان ملوكًا وأمراء، أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، وكانت وقائعه في عصاة العرب تكُفُّ يأسها وتنزع لباسها، ويفل أنيابها وتذل صعابها، وتكفي الرعية سوء آدابها، وغزواته تدرك من طاغية الروم النار، وتحسم شرهم المثار، وتحسن في الإسلام الآثار، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرجال، وموسم الأدباء وحلبة الشعراء، ويقال: إنه لم يجتمع قَطُّ بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء، ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر، وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها، وكان أديبًا شاعرًا محبًّا لجيد الشعر، شديد الاهتزاز لما يمدح به" ، وذكر أن مدائح الشعراء لسيف الدولة تجاوزت عشرة آلاف بيت.
وعلى الرغم من الطابع العسكري والحربي لدولة الحمدانيين بصفة عامة، وإمارة سيف الدولة على نحو خاص؛ فإن ذلك لم يصرف الأمير سيف الدولة عن الاهتمام بالجوانب الحضارية والعمرانية، فقد شيَّد سيف الدولة المساجد والقصور والأسواق والأبنية التي تتميز بروعة بنائها وفخامتها وجمال نقوشها وزخارفها، وكانت آية من آيات الفن المعماري البديع، واهتم ببناء الحصون المنيعة والقلاع القوية.
وشهدت الحياة الاقتصادية ازدهارًا ملحوظًا في العديد من المجالات؛ كالمزروعات و الصناعات المختلفة، و نشطت التجارة، وظهرت العديد من المراكز التجارية المهمَّة في حلب والموصل والرَّقَّة وحرَّان وغيرها.
وشهدت الحياة الفكرية والثقافية نهضة كبيرة ونشاطًا ملحوظًا في ظلِّ الحمدانيين؛ فظهر الكثير من العلماء والأطباء والفقهاء والفلاسفة والأدباء والشعراء، وقد أرسى سيف الدولة الحمداني دعائم دولته في حلب؛ فاستقطب بلاطه مشاهير العلماء والأدباء والشعراء أمثال المتنبي وأبي الفتح عثمان النحوي، وقد أجزل سيف الدولة العطاء للشعراء بسبب محبته للشعراء وإجادته نظمه، وبادله الشعراء شعرًا حسنًا، وفنًّا جيدًا، كما اشتُهِر جماعة من أهل بيته في نظم الشعر كابن عمِّه أبي فراس الحمداني، الذي وقع في أسر الروم في إحدى غزواته.
هذا وقد اجتمع في بلاط سيف الدولة أشهر اللغويين والنحويين في زمانه مثل أبي علي الفارسي، وابن خالويه، وابن جني، فضلاً عن الفيلسوف الكبير الفارابي الذي كتب في الطب والمنطق والسياسة والرياضة والكيمياء والموسيقى. أمَّا الطبيب عيسى بن الرقي، فقد قال عنه ابن أبي أصيبعة في كتابه (طبقات الأطباء): "إن سيف الدولة كان يعطي عطاء لكل عمل، وكان عيسى الرَّقِّي يأخذ أربعة أرزاق: رزقًا بسبب الطب، ورزقًا بسبب ترجمة الكتب من السرياني إلى العربي، ورزقين بسبب علمين آخرين" .
حكم الحمدانيون حلب والموصل كدولة عربية_ إسلامية، اعتمدت على قوة ساعدها، وبنت أمرها على الحرب والجهاد، وسارت سيرة محمودة، واعتمدت بصفة خاصة على تشجيع العلم والثقافة وعلى العناية بالعمران؛ ولهذا فهي في نظر العرب والمسلمين من كافة المذاهب تاج الفخار، والألسن تلهج بحمدها، والجميع من العلماء وعامة الناس يدعون إلى الاقتداء بها.
وإذا عدنا إلى تصنيفنا للعهد الجديد بأنه عهد احتلالي فإننا نقول: ائْتونا بمفكر كالمأمون، وفاتح كالمعتصم، ومقاوم كسيف الدولة، ونحن سنلتف حوله، ونصطف صفوفا متراصة خلف رايته، ولا تعنينا سوى هويته العامة: الهوية العربية- الإسلامية، وإخلاصه لها، وعمله من أجلها، أما الهويات الخاصة كالانتماء إلى طائفة معينة فهي من مكونات الهوية العامة، وعلاقتها بها مثل علاقة الفرع بالأصل، والجزء بالكل.
ويجدر بنا أن نؤكد اليوم أن قضية الشعب العراقي ليست قضية حكم وسلطة، ويكذب من يقول ذلك.. إنها قضية (احتلال، وهيمنة، وتبعية) ، وسعي نحو (التحرير، والاستقلال، والسيادة الحقيقية) ، وذلك أن أمريكا لم تمنح حكم العراق بعد احتلاله للشيعة ولا للكرد ولا للسنة، وإنما منحته لطبقة سياسية قدمت من الخارج مع دبابات الاحتلال، وهي من أصول إيرانية، وعميلة لوكالة المخابرات الأمريكية (سي آي أي) ، ويمكن أن نسميها طبقة (الإيرانيين- المتأمركين) التي تضم عصابات من القتلة واللصوص وأنصاف المتعلمين، ومزوري الشهادات، الذين هم لا سنة ولا شيعة ولا كرد ولا عرب ولا عراقيون، والثورة اليوم إنما هي ثورة الداخل على الخارج، ثورة الشعب الذي عاش كله جميعا داخل وطنه على من جاءوا من الخارج للتحكم فيه وفي مقدراته.
وبعد التحرير، وإلغاء العملية السياسية لا يهمنا من سيكون على رأس الحكومة، ومن أي مكون، إنما تهمنا ثلاثة أشياء: أن يكون هذا الحاكم:
1- عادلا.
2- ومستقلا.
3- وبانيا.
أي أن يسلك مسلك العدل في سياسته الداخلية وغيرها، وينتهج نهجا استقلاليا في سياسته الخارجية وسواها، ويبني نهضة جديدة، وليس كما هو حال حكامنا اليوم: جور علينا، وخنوع لغيرنا، وتخريب وتدمير لكل ما هو قائم، فتعسا لهم!!.
العراق مقبرة الطائفية/ د. ثامر براك
