هيئة علماء المسلمين في العراق

الرجولة كما حددها القرآن/ عمار رقبة الشرفي
الرجولة كما حددها القرآن/ عمار رقبة الشرفي الرجولة كما حددها القرآن/ عمار رقبة الشرفي

الرجولة كما حددها القرآن/ عمار رقبة الشرفي

الرجولة كما حددها القرآن تخالف ما يسبق إلى الأذهان، وما درج وغلب على فهم بني الإنسان، فقد حدد القرآن للرجولة شروطها، وحد لها حدها، وعرف لها رجالها. فالرجولة في القرآن اسمٌ جامعٌ لكل الشمائل، ووصف شاملٌ لكل الفضائل، ترتفع الرجولة بالعبد إلى مصاف الأصفياء، وترتقي به في مدارج الأولياء من أحياء وأموات وشهداء.

ضبط القرآن شروطها، وحدد لها معالمها، وحدثنا عن صفات أصحابها، فذكرها ربنا بين دفتي المصحف الشريف أربع مرات، مقرونة بصفات الوحي والرسالة، والطهر والطهارة، والصلاح والعبادة، والقتال في سبيل الله والشهادة.
وذكرها مرات أُخر بصفة الذكورة في مثل قول ربنا تعالى: ((وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا)) (النساء: 1).
والمشاة كقول ربنا القدير: ((فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا))  (البقرة 239).
والكفار في مثل قوله سبحانه: ((وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ))  (الأعراف 48).
وغيرها من المعاني التي لا ترتقي لمدارج السالكين، ولا تشغل بال عباد الله الصالحين.

المرة الأولى: التي ذكر ربنا جلّ جلاله فيها الرجولة كان في معرض كلامه عن الرسل في قوله جلّ جلاله: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)) (النحل 43).

المرة الثانية: ذكرها في سورة التوبة يصف بها عباده الطاهرين المتطهرين، أهل مسجد قباء، عُمّار مسجد الله الذي بناه رسوله صلّى الله عليه وسلم على أسس التقوى، مقابل مسجد المنافقين المؤسس على النفاق والشقاق ((لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)) (التوبة 108).
يتطهرون بالماء من النجاسات والأقذار، كما يتطهرون من الذنوب بالتورع والاستغفار.
رجالٌ  يحبون الله ويحبهم، فهم الرجال، وتلك صفتهم كما حددها القرآن الكريم.

المرة الثالثة: التي ذكر ربنا جلّ جلاله فيها الرجولة كانت بسورة النور، وصف بها عباداً له، لا تشغلهم الشواغل عنه، ولا تبعدهم منه، كلما ازدادت الشواغل ازدادوا منه قرباً وله طلباً، يغشون بيوته، يكثرون فيها من ذكره، مسائه وصبحه، نهاره وليله.
يرفع في هذه البيوت اسمه، كل ذلك بإذنه، تبارك وتعالى الجليل في ملكه ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ))  (النور36-37).
رجالٌ أصحاب همم وعزائم، لا تجارة تلهيهم ولا بيع، لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذها، لا بيعها ولا ربحها، خوف يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهم يعرضون على الواحد القهار.

المرة الرابعة: التي وصف بها ربنا عباده بوصف الرجولة في سورة الأحزاب، وصفٌ لأشخاص تبوأوا تلك المكانة (رجال) ، رجالٌ صدقوا العهد، وأنجزوا الوعد، صبروا ابتغاء وجه ربهم في البأساء والضراء،  وكانوا لعهدهم مع ربهم أوفياء، كأنس بن النضر رضي الله عنه وغيره، وقد غاب عن بدر فقال: (لئن أراني الله تعالى مع رسول الله مشهداً فيما بعد ليَريَن الله ما أصنع" فأراه الله يوم أحد فأوفى اللهَ بما وعده، وخرّ صريعاً يوم أحدٍ ابتغاء وجه الله، صدق الله فصدقه، أنزل فيه الجليل قرآناً، وجعل مثل عمله للرجولة عنواناً، ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا))  (الأحزاب 23).

فارتق للرجولة بهذه الصفات، ولا تخلد للذكورة التي تستوي في صفاتها جلّ المخلوقات، فالذكورة غير الرجولة، وكلّ رجل ذكر، وليس كل ذكرٍ رجل.

أضف تعليق